عندما أتأمل عام 2006م، وما جرى فيه في فلسطين وتداعياته حتى الآن تساورني فكرة تلحُّ على خاطري إلحاحًا دفعني إلى بسطها لعلي أراها بشكلٍ أوضح.
هذه الفكرة هي أن تل أبيب وواشنطن خططتا لتصفية القضية الفلسطينية عن طريق بالغ الإغراء ومحاط بكل معاني الجلال، وهو إقامة الديمقراطية عن طريق الانتخابات الحرة واستدراج حماس إلى اللعبة الديمقراطية إما لصرفها عن العمل المسلح أو لدفعها إلى مزاحمة فتح فيحتدم الصراع بين الطرفين، لكي تتفرغ "إسرائيل" للاستيلاء على ما بقي من فلسطين والقضاء على مَن بقي من رموز المقاومة وتمهيد الطريق إلى تسويةٍ تاريخيةٍ لا تغلق الباب أمام وصول المشروع الصهيوني إلى غايته.
وقد زاد هذه الفكرة إلحاحًا كلما استرجعت الخطاب الأمريكي والصهيوني بأن الحاجة ملحة إلى مقاومة الفساد وإقامة حكمٍ صالحٍ، وأن يكون الشريك الفلسطيني ديمقراطيًّا.
وأذكر أنني شاركتُ في الندوة الدولية التي أقامتها أمانة الإعلام في الأمم المتحدة بالقاهرة ربيع عام 2006م؛ وذلك بورقة حول علاقة السلام بالديمقراطية في فلسطين، وأكدت في الورقة أنه ما دامت واشنطن وتل أبيب لا يهمهما كثيرًا أن يكون الشعب المحتل ديمقراطيًّا أو أن تكون السلطة الوطنية الفلسطينية وهي ذات طابعٍ إداري مؤقت بحكم تعريفها في أوسلو متسمةً بروح الديمقراطية أو تشكلت أجهزتها بالانتخابات الحرة، فلماذا تصرُّ الدولتان على إجراء الانتخابات، مع أن الأولوية المطلقة هي منح الشعب المحتل حريته من المحتل لكي يسعى لانتزاع حريته الداخلية من قيادته.
ولما كانت القيادات لا تملك شيئًا تركه لها الاحتلال، فماذا عساها أن تعطيه لشعبٍ لا تملك حمايته من الإذلال والمهانة والتجويع ونزع الممتلكات ونزع الأرواح.
وقد بدا لي مستغربًا الإلحاح على أن الديمقراطية في فلسطين هي الشرط الأساسي لإقامة السلام مع الصهاينة رغم أن الكل يعلم أن الانتخابات الحرة لا تعني الديمقراطية بل قد تؤدي إليها.
من ناحيةٍ أخرى، استرجعت الجدل الديني والسياسي والذي شاركت فيه حركة القاعدة حول مدى ملاءمة مشاركة حماس في العملية السياسية، أم يجب أن تظل حركة مقاومة.
من ناحية ثالثة تقر إلى المشهد أمامي ذلك الجدل بين فتح وحماس، والذي شارك فيه الكثير من المثقفين والمفكرين العرب حول إشكالية لم تعرفها إلا الساحة الفلسطينية وربما كانت مقصودةً وموازيةً لغيرها من الشواهد، وهي أن على حماس أن تختار بين العمل السياسي والعمل الفدائي، فلكلٍّ معطياته ومتطلباته بل ومهاراته، بل زاد البعض أن فتح التي بدأت حركة مقاومة قد انتهت إلى حركة سياسية لها تقاليد في العمل السياسي الوطني ومع عدوها القديم، ومن العبث الدفع في خضم هذا الجدل بأن كل حركات التحرير بدأت عسكرية ثم أصبحت جناحًا سياسيًّا يوازي الجناح العسكري على أساس أن أوراق العمل السياسي تولد في ميادين القتال، فبقدر ما تحوز الحركة من سيطرة وقدرة عسكريًّا، تعظم قدرتها على التفاوض، بل إن الانكسار العسكري للمحتل هو الذي يدعوه إلى سلوك طريق التفاوض.
في تقديري أن المقاومة من طرفٍ واحدٍ دون بقية الأطراف الفلسطينية، والمساندة المادية والسياسية العربية هي التي أحدثت شرخًا في الساحة الفلسطينية، ولسنا بحاجةٍ إلى تكرار ما هو معلوم من أن خطة "إسرائيل" في عزل الطرف الفلسطيني المقاوم عن محيطه العربي، وإبعاد العالم العربي بعيدًا عن مجريات الحرب والسلام في الساحة الفلسطينية كان أولى خطوات الخطة الصهيونية التي تزامنت معها خطوات أخرى أخطرها التوجه إلى عناصر الساحة الفلسطينية.
من ناحيةٍ رابعة، فإن فلسطين هي الوحيدة التي تمسَّكت واشنطن بإقامة الديمقراطية فيها بعد أن تراخى نداؤها إلى بقية العالم العربي؛ مما أزعج النظم العربية وأحدث قلقًا في علاقاتها مع واشنطن في لحظة كان شعار إقامة الديمقراطية وتعزيز الحرية غطاء لغزو العراق وسوطًا مصلتًا على النظم العربية وإن كانت الشعوب هي الأخرى قد راودها أمل بعيد واستبشار موهوم بهذا الشعار.
وقد همت للقول حينذاك أن الديمقراطية ليست الأولوية حتى لا تكون بديلاً عن مناهضة الاحتلال والإبادة، فهل تكفي هذه الشواهد الأربعة لكي تُقيم نظرية متماسكة تقول إن تل أبيب عمدت إلى الديمقراطية لتفجير الساحة الفلسطينية وحتى يلهو الفلسطينيون بصراعهم، فلا يكون هناك شريك وطني واحد؟
ويمكن تقديم نظرية بديلة، وكلاهما قائمٌ على الافتراض بأن تل أبيب تخطط بمشروعها لإقناع الشعب والخلوص إلى الأرض، وهو في الواقع ليس افتراضًا وإنما هو بديهةً عبَّر عنها الصهاينة رسميًّا في أكثر من مناسبة كان أكثر وضوحًا فكرة الحكم الذاتي للسكان وليس للأرض، وهو المفهوم الذي أفشل مفاوضات تطبيق الاتفاق المتعلق بهذا الموضوع في كامب ديفيد.
تقدم النظرية الثنائية على أن الديمقراطية لا تصلح إلا للشعوب المتحضرة، وأن "إسرائيل" هي المجتمع الوحيد المتحضر؛ ولذلك فإن مبرر الاحتلال والحلول محل الفلسطيني هو جدارة اليهود بفلسطين، وعدم استحقاق الشعب الفلسطيني الذي ليس مؤهلاً للمدنية والديمقراطية وهو تطبيق لنظرية داروين التي سادت في القرن التاسع عشر والتي أوحت للحركة الصهيونية أن تضع نفسها بأن اليهود شعب بلا أرض وقدموا على فلسطين الأرض، أما شعبها فرغم وجوده من الناحية الكمية إلا أنه لا يملك مؤهلات البقاء ضمن الأمم المتحضرة، والتي يعطيها تحضرها حقين متلازمين، الحق الأول هو حمايتها من نيل الآخرين منها، والحق الثاني هو الحق في الاستيلاء على حقوق الآخرين.
ومعلوم أن نظرية داروين قد أدَّت إلى حالات الغضب الاستعماري وظهرت في وقتٍ كان للقوة الدور الأول في صناعة الواقع والحق والأداة الوحيدة لتسوية المنازعات وترتيب الدول والجماعات، وهو نفس المنطق الذي تمَّ به الاستيلاء على الأراضي الأمريكية، وهو الذي انطلق به الاستعمار الحديث يبحث عن ضالته في أقاليم البلاد الأخرى، فضلاً عن أنه منطق الحركة الصهيونية الاستعمارية.
والحق أن تفسير ما يحدث في فلسطين من منظور صهيوني يتسع للنظريتين معًا، فلا تزاحم ولا تناقض بينهما، بل يتساندان وصولاً إلى تدمير الساحة الفلسطينية من ناحية، وإلى إنكار الصلاحية السياسية للديمقراطية على الشعب الفلسطيني من ناحيةٍ أخرى.