- الوسطية في توجيه الأبناء الطريق إلى عقولهم

- العمل الخيري يحقق التفاعل مع المجتمع

حوار- حنان أبو الوفا

عندما يحل علينا شهر رمضان تبادر الأُسَر إلى الاستعداد لاستقبال هذا الشهر الكريم، الذي من أهم خصائصه إظهار الودّ والتراحم والتماسك بين المسلمين، وكذلك الالتزام بأداء الصلوات كاملةً وفي وقتها، وغيرها من العادات الطيبة التي يحثنا عليها الإسلام.

 

الداعية الإسلامية د. صفاء ربيع- أخصائية الأمراض الجلدية ومديرة إحدى الجمعيات الخيرية بالمنصورة- كان لنا معها هذا اللقاء:

* رمضان في فكر د. صفاء ربيع!!

** رمضان في فكري هو مدرسة كبيرة نتعلم فيها ومنها الكثير، ولكي نتعرَّف على هذا الضيف الكريم لا بد أن نتعلم من المعلم الأول، سيدنا ورسولنا محمد- صلى الله عليه وسلم- ماذا قال عنه؟ وكيف كان يستعد له؟ فكان منذ أن يهلَّ رجب يقوم بإعداد المسلمين نفسيًّا لهذا الخير بدعائه: "اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان"، وهذا تأهيل نفسي وتشويق للمسلم كي يسأل ويستزيد عن رمضان الذي كما قال الإمام ابن الجوزي في فضل هذا الشهر: "مثل الشهور الإثني عشر كمثل أولاد يعقوب، وكما أن يوسف أحب أولاد يعقوب إليه، كذا رمضان أحب الشهور إلى الله تعالى، وكما غُفر لهم بدعوة واحد منهم وهو يوسف عليه السلام، كذا يغفر الله ذنوب أحد عشر شهرًا ببركة رمضان".

 

وفي رمضان نقطة انطلاقة لتغيير النفس إلى الأفضل، فعلماء النفس يقولون: إن الإنسان إذا أراد تغيير صفاته، فعليه أن يستمر في سلوكه الجديد 21 يومًا، وها هو رمضان يعوِّدنا على سلوك إيجابي مدة ثلاثين يومًا، وهناك من السلوك الإيجابي ما هو فطريٌّ وما هو مكتَسَب "إنما الحلم بالتحلم والعلم بالتعلم والصبر بالتصبر"، ولعل هذا الشهر الكريم يُكسبُنا من الصفات التي لو تحلينا بها لكان لنا شأنًا آخر، ومن أهمها:

1- الإخلاص.. فالصيام هو العبادة الوحيدة التي تظل سرًّا بين العبد وربه، وهي خاصة بالله تعالى "إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به"، فنرى من العبادات مثل السجود والذبح لغير الله ولم نجد أحدًا صام لمعبود غير الله.

 

2- الصبر.. فالمسلم يتعوَّد الصبر والتحمُّل، فحينما يعود من عمله في غير رمضان قد لا يصبر على الجوع، قد يغضب ويثور، أما في رمضان فهو يصبر وينتظر حتى الفطور.

 

3- الحلم.. فإذا سابَّه أحد أو شاتمه يقول "اللهم إني صائم"، فهو يتعوَّد كظم الغيظ.

 

4- الانضباط وأهمية الوقت.. فالوقت هو الحياة، كما قال الإمام البنا، ففي غير رمضان الغالب أننا لا ننظر إلى الساعة، أما في رمضان فنحن نتحرَّى وقت السحور والإفطار وأوقات الأذان.

 

5- الوحدة الإسلامية التي تجمع أمةً يزيد عددها على المليار ونصف المليار، فهي تتوحَّد في وقتٍ وزمنٍ واحد على عبادة الصوم، واجتماع الأسرة على الإفطار والسحور هو صورةٌ مصغرةٌ لهذه الوحدة، فتناول الطعام مع الأسرة يسبِّب الأُلفة والدفء الذي افتقدناه كثيرًا.

 

6- الإتقان وحسن العبادة.. فلزوم الذكر بالصيام يحقق تقوى الله تعالى.

 

7- يعلمنا رمضان كيف نفرح ومتى، فكما علَّمَنا رسول الله أن للصائم فرحتين: فرحة عند فطرة، وفرحة عند لقاء ربه ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾، وشهر رمضان من فضل الله علينا، فنحن نفرح بعد العبادة عبادة الصوم بعيد الفطر، وعبادة الحج بعيد الأضحى.

 

خطوات عملية لاستقبال رمضان

1- لزوم الدعاء من الآن بأربع خصال يحبهما الله تعالى، شهادة أن لا إله إلا الله، والاستغفار، وطلب الجنة، والاستعاذة من النار.

 

2- انتظار الرؤية بفرح وشوق كما كان بالأمس، فقد كانت الأسر تتحلَّق حول المذياع لاستماع رؤية الهلال، ومباركة بعضها البعض، علينا أن نعُود لهذا الفعل الحسن، وندعو بدعائه (صلى الله عليه وسلم): "اللهم أهلَّه علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، ربي وربك الله..".

 

3- تحفيز الأطفال على الاستقبال بالحديث عن فضله وإحضار الزينة لتزيين المنازل والشوارع، وإحضار فانوس رمضان، وهذا ما نقوم به في مساجدنا ليلة الرؤية؛ مما يشيع الفرحة بقدوم رمضان.

 

4- على المرأة بالبيت أن تعد بعض الأطعمة تجهِّزها فقط، مثل إعداد شَرْبات الحلويات، وتجهيز التمر، ومحاولة تخزين ما ستحتاج إليه كي لا تُرهق نفسها وتُضيِّع وقتها في الشراء، فقط عملية ترتيب للمطبخ، توفِّر لها الكثير.

 

* برنامجك في رمضان..

** في هذا الشهر تعمُّ البركة على الزمان والمكان، فإذا بدأنا في أول ليلة من رمضان نبدأ بصلاة التراويح التي أدعو كلَّ مسلمة أن تصليَها في مسجد الحي الذي تسكن به، فالكثير يركز على مساجد معينة بعيدة، ولكنَّ هذا يُفقدنا الاتصال بالمجتمع الذي هو بغيتنا، فلا بد أن نختلط بالمجتمع الذي نحيا فيه، نتعرف على الجيران أكثر، نتواصل ونتعاون على الخير، نحاول أن نربط الناس بالمسجد، عن طريق ترويحة صغيرة بعد الصلاة، وهكذا.

 

- أيضًا الحرص على النوم مبكرًا، ولا أفضل أن أتابع أي برامج في رمضان، فيمكن أن أشاهدها في الإعادة لتجنُّب السهر ليلاً ولأستعد لركعتي التهجد.

 

- الاستيقاظ قبل السحور بقدر الساعة لصلاة ركعتين، ثم تناول السحور في جماعة، ولا أسمح لأبنائي بالسحور مبكرًا أو فرادى، بل أحرص على الجماعة في السحور.

 

- صلاة الفجر في جماعة، وأنصح كل النساء للنزول للمسجد، خاصةً الفجر، لتعمير المسجد، وللتركيز على أهمية المسجد في حياة المرأة، ثم الجلوس حتى شروق الشمس.

 

- التأهب للذهاب للعمل الذي أحرص عليه أكثر في رمضان، فالعمل والسعي على الرزق عبادة، أحتسب هذا وأعدُّ هذا العمل فرصةً عظيمةً للدعوة، فالقلوب في رمضان مهيئةٌ لفيوضات الله ورحمته، فنتدارس في وقت الفراغ ونتعاون على الخير بمشروع مثل شنطة رمضان وتوزيع الصدقات.

 

- العودة للمنزل واغتنام ساعة القيلولة التي تعينني على القيام.

 

- إعداد الطعام، وأحرص على الانتهاء منه بعد العصر بساعة لأتفرَّغ لوقت الذكر والقرآن، ولأُريح نفسي قبل التراويح.

 

* أبناؤك والتليفزيون.. كيف تفضِّين الاشتباك بينهم؟

** لا أميل إلى المنع الكلي ولا الإباحة الكلية، فأبنائي أسمح لهم في الفترة التي تسبق الإفطار بمشاهدة بعض أفلام الكرتون، كذلك بعد الإفطار، فإذا أذن المؤذن فلا مشاهدة بعد ذلك، بل أحرص على صلاتهم معي جماعةً، أربطهم بالمسجد وبالصحبة التي تساعدهم على الخير، أما ما ابتلانا به الإعلام من سيل العرم من المسلسلات والبرامج التافهة فلا مكان لها لا في رمضان ولا غيره.

 

* هناك من يَعتبر رمضان فرصةً للولائم فهو بين داعٍ ومدعوّ، وعلى النقيض نرى من تعتزل الناس تفرُّغًا للعبادة، ما رأيك؟

** لا هذا ولا ذاك أفضل، فلست مع العزلة عن المجتمع، وخاصةً الصحبة الصالحة، فنحن نحرص على اللقاء والصلاة يوميًّا، بعضنا مع بعض في مسجد واحد للتواصل والتعاون على الخير، وبعد الصلاة ننفِّذ برنامج زيارة خفيفة نصف ساعة فقط؛ لتفقُّد أحوال أهل الحي أو زيارة إيمانية في الله، فالزيارة نافلة، والنافلة في رمضان بأجر فريضة، فكيف أحرِم نفسي من أجر التزاور في الله، فنحن ننتقل من عبادة إلى عبادة، أما عازم ومعزوم.. فالاعتدال في الأمر مطلوب.

 

* لماذا اتجهت للعمل الخيري وأنت مشغولة بالدعوة في المسجد؟

يقول تعالى في سورة الحج: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُوْنَ﴾ (76)، فالأمة الواحدة المنتصرة التي تركع وتسجد وتعبده تعالى ثم تفعل الخير وبعدها ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِِهِ﴾ الآية.. فعمل الخير هو من الجهاد الذي يحقِّق للأمة الأستاذية التي نسعى إليها والتي تجعلنا شهداء على الناس، فعمل الخير دعوة وعبادة، وأن يسعى أحدكم في حاجة أخيه خير له من ألف صلاة في مسجدي، أو كما قال صلى الله عليه وسلم، وكثير من الأحاديث التي تحث المسلم على التفاعل في المجتمع والعمل على إنمائه هكذا علمنا الحبيب محمد (صلى الله عليه وسلم).

 

ولقد لجأت إلى هذا لحاجة المجتمع الماسَّة للعمل الخيري، فدائرة الفقر في اتساع، فمنذ أنشأنا الجمعية منذ 5 سنوات كانت تأتينا الطبقة الفقيرة العاملة غير المتعلمة، أما الآن فقد دخلت فئة الموظفين في دائرة الفقر، خاصةً النساء العائلات لأسرهن، فمن أرملة ومطلقة ومن زوجها مريض أو هاجرٌ لأسرته، فالعمل الخيري أصبح من ضروريات الحياة، فهو يتيح لنا الانفتاح على المجتمع ومعرفة مشاكله وأسبابها حتى نتمكَّن من الحلّ بفضل الله.

 

* وماذا عن برنامج الجمعية في شهر رمضان؟

** ما إن هلَّت علينا نسائم رمضان حتى أتتنا البشائر تتوالى، فقد كنا قبل شهر لا نملك من المال ما يسدُّ حاجة جمعيتنا لشراء مستلزمات المدارس، وها هو رمضان يأتي بالخير حتى فاض بكرمه قبل مجيئه.. أنشطتنا متنوعة، بين إفطار، وعمل شنط رمضان، وتجهيز وجبات لإفطار الصائمين وتوزيعها في الطرقات وقت الإفطار على المسافرين.. ونقوم بأنشطة دينية وثقافية وتعليمية بجانب رعاية الفقراء وأسرهم ومساعدتهم على الحياة الكريمة، عن طريق عمل مشاريع صغيرة لهم، فنحن لدينا كثير من العاملين في العيادة والحضانة.. ونؤهل الفتيات للعمل الشريف مثل جليسة الأطفال أو جليسة لمسنين على يد متخصصين في هذا المجال، ومع كل المواسم نحضر لنوفر للفقراء ملابس المدارس والعيد وغيرها.

 

* أخيرًا.. نصائح طبية للمرأة في رمضان؟

** أحب أن أذكِّر بقول رسولنا:"صوموا تصحوا"، فالصوم فيه العديد من الفوائد الصحية المعروفة لنا، وأقول: إن أفضل شيء للنضارة التي تبحث عنها المرأة هو الخلوة مع الله ومع كتابه، فأنضر الناس وجوهًا هم أهل القرآن، مع الحرص على طبق السلطة الخضراء والعصائر والفواكه الطازجة، فقد كان رسولنا (صلى الله عليه وسلم) يحب أن يأكل من فاكهة بلده في موسمها، حتى نصل إلى صحة أفضل؛ حيث إن كثرة السوائل تعطي نضارةً في البشرة وتحميها من التلف والتجاعيد.