- مشاعر حزينة تحوَّلت لثقة وثبات بعد أول زيارةٍ في رمضان
- مجموعة العسكرية نظَّمت دورة "بنج بونج" وعلَّقت فانوس رمضان
- الأسر تتناوب إعداد طعام الإفطار والمشكلة في عدم وجود ثلاجات للحفظ
تحقيق- سالي مشالي
يأتي شهر رمضان الفضيل بكل الخير والرحمة والبركة، فيتوحَّد موعد تناول الطعام في كل المنازل، وتتجمع الأسر حول مائدة الإفطار، يصطف المسلمون لصلاة التراويح، ويوقظون بعضهم البعض من أجل تناول السحور وصلاة الفجر، وتعم مشاعر الألفة والسعادة في كل البيوت، حتى الفقراء يجدون مَن يتذكرهم في رمضان ويحصلون على الصدقات والإعانات.
ولكن تبقى هناك قلوب حزينة، زوجات وحيدات، وأمهات مقهورات، وأطفال تعساء، افتقدوا آباءهم في وقتٍ من أكثر الأوقات التي اعتادوا على وجودهم فيه إلى جانبهم.. إنهم زوجات وأمهات وأبناء المعتقلين، الذين حُرموا من آبائهم ظلمًا ودون ذنب جناه ذووهم إلا أنهم كانوا يدعون للإصلاح قدر استطاعتهم كل في مجاله؛ حيث تحوَّل رمضان بالنسبة إليهم إلى رحلات مكوكية لحضور الجلسات العسكرية، كما يقضون وقتًا طويلاً من النهار لتجهيز طعام الإفطار لإرساله إلى ذويهم خلف الأسوار.
![]() |
|
الزهراء خيرت الشاطر |
في البداية تؤكد فاطمة الزهراء خيرت الشاطر أن الذهاب إلى الجلسات في رمضان مشقة بالغة على كل الأطراف، فالجو شديد الحرارة مما يجعل الذهاب إلى الهايكستب أثناء الصيام صورةً من صور الانتحار، وخاصةً بالنسبة للأمهات الكبيرات في السن، وكذلك الأطفال وتزداد المعاناة مع بداية العام الدراسي فاليوم الذي لا يأتي الأولاد فيه إلى المحكمة العسكرية ويذهبون إلى المدرسة يعودون إلى المنزل فلا يجدون أحدًا في انتظارهم، أما عن المعتقلين فالصعوبة أشد حيث إن أغلبهم كبار في السن وكثير منهم يعانون أمراضًا مختلفةً، كما أن الانتقال في سيارة الترحيلات طوال هذه المسافة الطويلة مؤلم جدًّا، ثم الجلوس في قاعة المحكمة داخل هذه الأقفاص الضيقة لا يُطاق.
وأشارت الزهراء إلى أن الأطفال تقدموا للقاضي في أولى جلسات رمضان بطلبٍ للسماح لآبائهم لقضاء شهر رمضان معهم في المنزل، خاصةً أن أحدًا منهم لم يتم إدانته بأي تهمة، إلا أن القاضي لم يرد على طلبهم، وحتى طلب الدفاع أن تكون الجلسات في رمضان مرة واحدة أسبوعيًّا بدلاً من مرتين، لم يُستجب له.
وأكدت أن أعضاء الدفاع تقدموا بطلبٍ للسماح للأسر بتناول طعام الإفطار مع ذويهم داخل السجن إلا أنهم لا يتوقعون الحصول على الموافقة على هذا الطلب.
وبالنسبة لإفطار المعتقلين داخل السجن فقد أشارت إلى أن الأسر تتناوب طهي الطعام وإرساله إليهم بشكلٍ يومي، ولكن تكمن المشكلة في أنه لا يمكن أن يُسمح بدخوله بعد الساعة الثانية ظهرًا، وبالتالي يظل الخوف من أن يفسد بسبب الحر وعدم وجود ثلاجات لحفظه حتى موعد الإفطار.
فوانيس وصواريخ
بينما أشارت السيدة جيهان زوجة حسن مالك إلى المعاناة النفسية والألم الذي يعاني منه الأبناء كبارًا وصغارًا بسبب افتقادهم وجود والدهم معهم في رمضان، وأشارت إلى أن أول زيارة ذهبوا فيها إلى السجن بعد أن بدأ رمضان سادها مشاعر الحزن ولم يتمكن الصغار من منع أنفسهم من البكاء، وكانوا يسألون والدهم عن كل التفاصيل، "من سيحضر لنا الفوانيس هذا العام؟ مَن سيؤمنا في صلاة المغرب؟ مَن سيصحبنا إلى صلاة التراويح؟ مَن سيوصلنا للإفطار عند جدتنا أول يومٍ في رمضان؟ ومَن سيشتري لنا الصواريخ؟"، ورغم أن الأب أوكل هذه المهام إلى الأخوة الكبار فحمزة سيشتري الفوانيس ومعاذ سوف يؤم الصلاة، إلا أن هذا لم يمنع بكاءهم وإصرارهم أنهم يريدون والدهم أن يقوم بنفسه بهذه الأشياء.
![]() |
|
أبناء المعتقلين وقد كوتهم نار الشمس أمام المحكمة |
وتضيف: اعتدنا أن يكون شهر رمضان هو شهر العائلة، فنتجمع على سفرةٍ واحدةٍ على الإفطار ونُصلي المغرب جماعةً ونذهب معًا إلى صلاة التراويح، ويسألني الأولاد: "هو القاضي مش عنده أولاد زينا؟ وبيفطر معاهم في رمضان؟ اشمعنى إحنا مش عاوز يسيب بابانا يفطر معانا في رمضان؟!".
وتتابع: لقد فقدنا الإحساس بفرحة رمضان وفقدنا مذاقه الخاص، وعلى الظالمين أن يعلموا أن كل صلاة ودعاء في رمضان من كل الأمهات والأبناء سيكون على مَن ظلمنا أو شارك في ظلمنا، وهي دعوات لو يعلمون عظيمةً وليس بينها وبين الله حجاب.
خارج القفص
وتطالب السيدة منال زوجة المهندس أحمد أشرف أن يأذن القاضي بخروج المعتقلين من القفص أثناء الجلسات، وتُعلِّق بقولها: "إذا كانوا يصرون على عدم إطلاق سراحهم فأقل ما يقومون به أن يسمحوا لهم بالجلوس بيننا في القاعة بدلاً من هذا القفص الخانق".
وتتساءل: "ما المشكلة في جلوسهم في القاعة؟ بالتأكيد هم لن يهربوا في هذه المنطقة العسكرية، ولكننا نطالب فقط ببعض المعاملة الإنسانية لشخصياتٍ محترمةٍ وغير مدانة بل يُشار إلى جهودها الإصلاحية الشريفة بالبنان".
دورة بنج بونج
من جانبها أشارت السيدة أمنية زوجة ياسر عبده إلى إحساسها بالإحباط وخيبة الأمل نتيجة إصرار شهود الزور على الكذب حتى في رمضان، وتقول: "إن شاء الله تكون أجورنا مضاعفة في رمضان، وأوزارهم أيضًا مضاعفة".
![]() |
|
زوجات وبنات المعتقلين يقرأن القرآن أمام المحكمة العسكرية بعد منعهن من حضور الجلسات |
واستنكرت بشدة تجاهل المحكمة لطلبات الدفاع وعدم أخذها في الاعتبار، وحتى الطلبات الإنسانية كطلب الإفراج الصحي عن الحاج حسن زلط لم يُنظر له بعين الرحمة حتى في شهر الرحمة بالرغم من أنه يحتاج إلى إجراء عملية قلبٍ مفتوح على وجه السرعة.
أما عن حال المعتقلين في رمضان فتؤكد أنهم في حالة نفسية وإيمانية عالية، وقد قاموا بطلاء جدران حجرة الزيارة بأنفسهم وعلى نفقتهم الخاصة وعلقوا فيها فانوسًا كبيرًا وزيناتٍ احتفالاً برمضان لإدخال السرور على قلوب أسرهم أثناء الزيارة، كما أنهم أعدوا برنامجَ مسابقات لتشارك فيه كل الأسر أثناء الزيارة حتى يضفوا على الزيارة جوًّا من المرح وللاستفادة من وقت الزيارة في هذا الشهر الكريم.
وبالنسبة لوقتهم داخل السجن فإنهم يحرصون على قراءة القرآن والتجمع في أوقات السحور والإفطار، وصلاة التراويح، كما أنهم أقاموا دورةً رياضيةً لرياضة تنس الطاولة (البنج بونج) ونظموا لها تصفيات، حتى لا تمر أيام الشهر الكريم إلا وكل لحظة يستفيدوا منها قدر الإمكان، ووصفت جهودهم بأن أهم ما يميزها أنهم غير منتظرين للجلسات أو للأحكام وأن حياتهم لا تتوقف على هذا الأمر، وإنما هم حريصون على التواصل مع أسرهم ومواصلة الحياة.
خلف الأسوار وأمامها
معاناة كبيرة لأهالي المعتقليين في الوصول للمحكمة العسكرية

أماني زوجة المهندس محمود المرسي وجهت رسالةً إلى المعتقلين خلف الأسوار ورسالة أخرى إلى أهاليهم أمام الأسوار، هنَّأتهم فيها بالشهر الكريم، وذكرتهم بانتصارات المسلمين في هذا الشهر على مرِّ التاريخ بدءًا من غزوة بدر، ومرورًا بمعركة حطين وانتهاءً بالعاشر من رمضان، واصفةً الشهر بأنه شهر الجهاد والانتصار على النفس، وعلى المعاصي والصبر على البلاء، ووصفت حالهم في رمضان هذا العام بحال المرابطين والمجاهدين في سبيل الله، مؤكدةً أن إحساس افتقاد الزوج والأب هذا العام هو إحساس مَن يضحي في سبيل الله، وقدمت تحيةً للمعتقلين وأسرهم لنجاحهم في أن يصنعوا من المحنة منحةً، فلم تتوقف حياتهم واستمر نجاح الأبناء وحفلات زواجهم، بل إن السجن كان سببَ التعارف والنسب في كثير من الحالات، وطالبتهم بأن يستلهموا الصبر والشحنة الإيمانية من رمضان ويستعينوا بها على باقي العام، وختمت كلمتها بقول الله تعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120)﴾ (آل عمران).
زيارة وصيام وسفر
ويزداد الأمر صعوبةً بالنسبة للأسر المقيمة خارج القاهرة فزوجة المهندس أسامة شربي تصف معاناة أسرتها في السفر عدة مرات كل أسبوع من الإسكندرية إلى القاهرة لحضور الجلسات، فالأتوبيس الذي يجمع الأسر يتحرك في الخامسة والنصف فجرًا ولا يعود إلا بعد آذان العشاء، فيضطرون للإفطار على تمرات أو طعام خفيف في الطريق، مما يسبب متاعب صحية للبعض، وزاد من صعوبة الأمر بالنسبة لأسرة المهندس شربي بعد أن أُصيب الابن الأكبر في حادثة سيارة فلم يعد بإمكانه أن يسافر للجلسات والزيارات.
![]() |
|
حزن كبير لأبناء المعتقلين لفراق آبائهم خلال رمضان |
أما بالنسبة إلى حال الإخوان المعتقلين في رمضان فتصفه بقولها إن حياتهم كانت رمضان منذ أن دخلوا إلى المعتقل، فهم يصومون معظم الأيام ما عدا الأيام التي يتلقون فيها زيارات من الأهل حتى يستمتعوا بتناول طعام الإفطار معهم.
وعن معاناة الأطفال في رمضان بدون آبائهم، تحكي زوجة جمال شعبان عن محاولتها التخفيف عن الأبناء في هذه الظروف باصطحابهم إلى الإفطار بصحبة أصدقاء والدهم، ولكن آلمها أن تجد الابن حمزة- 6 سنوات- يشير إلى إحدى الموائد ويقول: "بابا كان قاعد في المكان ده السنة اللي فاتت"، ووجدت نظرات حزن في عيون باقي الأبناء وهم يرون كل الأسر مجتمعة على كل مائدة وهم يفتقدون أباهم على مائدتهم، حتى إن الأم ندمت على "العزومة" التي أثارت الأحزان أكثر من البهجة وهمست لنفسها بقولها "ياريتنا ما روحنا"، كما فاجأها أن علمت أن ابنتها إسراء- 14 سنة- شكت إلى معلمتها في المدرسة مشاعر الحزن التي تشعر بها وافتقادها والدها، وعندما سألتها: "لماذا لم تتحدثي معي عن هذه المشاعر"، أجابت: "مش عاوزة أضايقك وأزعلك أكتر ما أنتي زعلانة".
من جانبها تعاني منال زوجة المهندس أحمد النحاس من صعوبة السفر المتكرر للزيارات، وقالت: نحن نقضي الصيام كله سفرًا"، ومن أهم المشاكل أنهم يتعمدون إلا يذهبوا إلى السجن يوم الزيارة في موعدٍ مبكرٍ حتى يعطوا الإخوان المعتقلين فرصة حتى يرتاحوا ويناموا بعد جهادهم أيام متتالية في الذهاب إلى الجلسات والعودة منها، ثم إنهم يضطرون للانصراف مبكرين من الزيارة فلا يتمكنوا من التحدث مع ذويهم وقتًا كافيًا.
وبالنسبة للإخوان المعتقلين وصفت حالهم بأنهم محتسبون ويعتبرون فترة السجن فترة اعتكاف.



