بينما كنت جالسًا وأصابعي تدوس أزرار جهاز التحكم عن بُعد الخاص بالتلفاز؛ رأيتُ مشهدَين بالنسبة لي متناقضَيْن أَثَارَا انتباهي، وبعد لحظاتِ تأملٍ أدركتُ كمْ يكون الواقع الفلسطيني الآن حافلاً بالتناقضات!
المشهد الأول الذي أثارني هو تقريرٌ كان يُبَثُّ عن لاجئي مخيم البداوي في لبنان، وكان هذا التقرير يتحدث عن احتواء سكان مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين لإخوانهم المهجَّرين للمرة الثانية من مخيَّم نهر البارد، هذا الاحتواء الذي أسمِّيه "تحالفًا".. تحالفًا يجمع الإخوة، وهو تحالفٌ طبيعيٌّ بين أصحاب حقٍّ واحدٍ وهدف واحد ومنهج واحد.
أما المشهد الثاني والمتناقض مع المشهد السابق فكان مشهدًا يجمع عباس وأولمرت ورايس، وما أثارني في هذا المشهد هو عدم تناسق الألوان ظاهريًّا بحكم تمثيل كلٍّ منهم للون وهدف يختلف عن الآخر، أو على الأقل أحدهم من المفترض أن يبدو مختلفًا عنهم وهو أبو مازن.
فهدف "إسرائيل" المفترض هو ابتلاع الأرض العربية والقضاء على الأمة الإسلامية، بينما هدف عباس المفترض هو استعادة الأرض العربية والمحافظة على قوة واتحاد الأمة الإسلامية, هذا التناقض الواضح يدعو للعودة قليلاً إلى الوراء والتساؤل: هل أبو مازن فعلاً يُمثِّل الشعب الفلسطيني ويُمثِّل الطهارة الفلسطينية التي يجب أن تتمثَّل في كلِّ مَن ينتمي لهذا الشعب الصامد والمقاوم؟!
عند العودة إلى بداية التسعينيات نجد أنَّ أبو مازن هو أول مَن خطَّط لجَعْلِ هذا التناقض واقعًا، بل وسعى لجعله متقبَّلاً في صفوف الأمة الإسلامية، فهو أول مَن وضع يده بيد العدو الصهيوني باسم الشعب الفلسطيني، وكانت هذه البداية لتحالف يجمع دومًا بين أحضانه المنهزمين أو المقبلين على الهزيمة.
لم ينتهِ عباس عند هذا الحدِّ، بل كان دومًا المطيع لياسر عرفات، طالما أنه يسعى ويُنفِّذ ما فيه مصلحة هذا التناقض، ولكنَّ هذه الطاعة كان لا بد وأن يأتي لها يوم تنتهي فيه, وفي هذا اليوم بالذات أصبح أبو مازن رئيس الوزراء رغمًا عن أنف أبو عمار، وبدأت المناكفات بينهما، وظنَّ الأول أنه ملك خيوط اللعبة كلها بعدما سلب ياسر عرفات معظم أعوانه؛ أصحاب الوزن الثقيل، أمثال: نبيل عمرو، ومحمد دحلان, لكنَّ هذا التحالف هُزِم بعد استقالة عباس من منصبه وبعد أن بُتِرَت ساق نبيل عمرو إثر اعتداءٍ عليه بالرصاص من مجهولين.
جرت محاولةٌ أخرى لكسب بعض النقاط من قِبَل تحالف عباس- دحلان؛ وذلك عبر اختطاف رئيس الشرطة غازي الجبالي، وكان عباس في منصب رئيس الوزراء قد رتَّب جهاز الشرطة بما يخدم مصالحه، وعندما ترك المنصب كان غازي الجبالي قد أصبح رئيسَ الشرطة، وكانت الخطة تقتضي اختطافه، ومن ثَمَّ إقالته وترقية الأقل منه رتبةً لمنصب رئيس الشرطة، وهو بالتأكيد أحد أتباع هذا التحالف.
وقد نجح التحالف في النصف الأول من الخطة، أما النصف الثاني فقد فشل بعد أن تمَّ استقدام اللواء صائب العاجز من القوات الحدودية ليرأس الشرطة، ويتم استقدام اللواء موسى عرفات من الاستخبارات العسكرية ليصبح قائد الأمن الوطني بأكمله، وكانت هذه هزيمة أخرى.
في نهاية الحرب مع أبو عمار كان لا بد من اغتياله كي تضعَ الحربُ أوزارَها، وقد تم ذلك وقُيِّد الحادث ضد مجهول، واعتُمد لقب "شهيد" لياسر عرفات دون التحقيق في كيفية القتل ومَن القاتل وكيف! وبدأت مرحلة التسلُّق للكرسي وسط آمال كبيرة بأن الشعب سيُقبل- وبشدَّة- على هذا التحالف، وبعد انتخابات رئاسية نجح عباس ولكن بنسبة 28%، وهذا فشلٌ ذريعٌ، ولكن لا بأس من اعتماده رئيسًا، برغم أن باقي الشعب يعارض أهدافَ وفكْرَ هذا الرئيس.
أما الضربة التي كانت تحت الحزام لتحالف الانهزام فكانت فوز حركة حماس في انتخابات المجلس التشريعي، وتتوالى الهزائم، فحماس تُشكِّل الحكومة، ويتم التخطيط لسقوطها في بضعة أشهر وتستمر رغم العقبات.
أعتقد أن الحل لهذه المعضلة موجود، وأظن أن ما جرى لمَن سبق يمكن أن يحدث الآن، ولكن على نطاقٍ أوسع ويتم تكديس السلاح والجنود، وينتهي هذا الإعداد بهزيمةٍ ماحقةٍ للجنود، وتسقط قلاعهم وتُنتزع الأسلحة.
هذا تاريخ عباس، يُوضِّح أن ما كان يحتويه المشهد إنما هو إرهاصٌ طبيعيٌّ لمسلسلٍ بدأه عباس باسم الشعب الفلسطيني، وهو مسلسلٌ لم يعترف به هذا الشعب يومًا ولم يكن يومًا من صفاته، ألا وهو مسلسل التنازل، أما مَن جمعهم المشهد معه فلهم مسلسل هزائم أُخَر إن لم يكن أشدَّ بؤسًا منه.
أولمرت.. وما أدراك ما أولمرت؟! هو رجل المواقف التي تُجبِر التاريخ أن يذكره وبشدة؛ فهو الزعيم الصهيوني لدولة العدو الذي لم يكن عسكريًّا؛ فهو لم يَزِد عن كونه رئيس بلدية، ولكنَّ الأقدار ساقته كي يسوق "إسرائيل" لأبشع هزيمةٍ لها في القرن الجديد، وقد بدأت أولى فصول هذه الهزيمة بانضمام رئيس حزب العمل لتحالفه، وهو- بقدر الله- لم يكن عسكريًّا؛ مما جعل الصهاينة يشمئزون من مثل هذا التحالف الضعيف، حسب وجهة نظرهم, لكن لا بد من إثبات القدرات وإقناع الصهاينة بأن أولمرت لم يصبح رئيس الوزراء بصدفةٍ قضت بإقصاء شارون عن الساحة السياسية بعد أن أصبح طريح الفراش في أحد مستشفيات العدو الصهيوني.
فكانت الفرصة عند اختطاف نخشون فكسمان، فشُنَّت حرب شعواء على غزة، ثم حدث اختطاف الجنود بلبنان قبل أن يستيقظ من صدمة الجندي الأول، فكانت الحرب على جنوب لبنان والتي فشلت في إعادة الجنود، لا من يد حزب الله ولا من يد حماس، وتستمر الهزائم؛ فحرب الصواريخ حتى الآن لم تنجح في ابتكار حلٍّ يُريح سديروت وعسقلان من وهج هذه الصواريخ, وتتوالى هذه الهزائم من لجنة فينوجراد إلى التحقيق في فضائح وفساد مالي تزكم الأنوف!!
أما رايس فتاريخ حكومتها حافلٌ؛ فمنذ توليها وزارة الخارجية ورئيسها لا يستطيع أن يرفع رأسه من الهزائم التي تتوالى عليه وعلى حكومته؛ فهناك العراق وأتباع العراق والتي تُشكِّل صداعًا مستمرًّا لا حلَّ له، فكل الأحوال بالنسبة له كارثة, فهو إما أن يخرج من العراق ويتركها للميليشيات الإرهابية حسب أقواله ويكون على رأي المثل "كأنك يا أبو زيد ما غزيت"، أو أن يبقى في العراق ويحتمل فقدان الآلاف من جنوده ويفقد معها حزبُه كرسيَّ الرئاسة.
أظن أنه لا يوجد عبقرية في الكون يمكنها أن تضع نفسها في موقعٍ يجعلها خاسرةً في كل الأحوال، ثم يأتي بعد ذلك إيران والذرَّة وتخصيب اليورانيوم، وتفشل رايس- ومعها حكومتها العتيدة- في إيقاف هذا العمل الدءوب لامتلاك التقنية النووية, ثم روسيا ذلك الدب الذي ظنت أمريكا أنها قد روَّضته منذ زمن، ولكن المنحوس منحوس، ففي عهد هذه الحكومة خرج هذا الدب من القمقم وفشلت أمريكا حتى الآن في نشْر صواريخها في شرق أوروبا.
أظن أن التاريخ دومًا يُعطي صورةً أوضح للحاضر وللمستقبل، وهنا أودُّ أن أستذكر كلمةً قالها لي أحد المفكِّرين العرب، وهو بالمناسبة من دولة تؤيد عباس وبشدة؛ فقد قال لي إن المقاومة ستنتصر.. فقلت له: ولم تقول ذلك؟! فأجاب أقول ذلك عن ثقة؛ فرئيس دولتنا لم يدعم يومًا ما قضيةً ما ونجحت؛ ولذا فإن هذا التحالف المعبق برائحة الهزائم سيُهزم بإذن الله.. ﴿إِِنَّ الَّذِيْنَ كَفَرُوا يُنْفِقُوْنَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيْلِ اللهِ فَسَيُنْفِقُوْنَهَا ثُمَّ تَكُوْنُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُوْنَ﴾ (الأنفال: من الآية 36).