كثُر الجدل والحديث من قِبَل بعض المحسوبين على التيار الخياني في حركة فتح والذين يدورون في فلكهم، أن حماس خسرت كثيرًا باستلامها السلطة وبالحسم العسكري، ودلَّلوا على ذلك بأن حماس المقاومة توقفت أو ضعفت، وأن حماس تسببت في شقِّ الصف الفلسطيني، وأنها تمنع المقاومة وإطلاق الصواريخ من قبل الفصائل الأخرى، وأنها تقمع وتعذب أبناء فتح في غزة، وأنها قبلت الهدنة مع "إسرائيل"..
بل زعموا بخطأ أسْر الجندي الصهيوني جلعاد شاليت في مقابل تخليص الضابط الصهيوني في جنين من أيدي المقاومة وإعادته إلى الكيان الصهيوني سالمًا حتى يجنِّبوا الشعب الفلسطيني من ويلات الهجمة الصهيونية الشرسة على الفلسطينيين في حالة نجاح المقاومة في أسْر هذا الضابط.
1- فِرية أن المقاومة الحمساوية توقَّفت أو ضعُفت بعد استلام حماس السلطة أذاع بها التيار الخياني وروَّجت لها أجهزة عباس الإعلامية ورجاله المحيطون به، فلم تتوقَّف أبدًا المقاومة؛ لا من حماس ولا من الفصائل الأخرى؛ فقط كانت هناك هدنة محددة، التزمت بها فصائل المقاومة كلها دون استثناء وخروقات لهذه الهدنة من جانب الكيان الصهيوني، وكانت هناك عمليات كر وفر للمقاومة، حسب الإمكانيات المتاحة والظروف السياسية والميدانية، والذي يزعم أنها توقفت منذ استشهاد الشيخ أحمد ياسين والدكتور عبد العزيز الرنتيسي نردُّ عليه ونقول: وماذا عن عملية خطف الجندي جلعاد شاليت التي لا زالت تتفاعل حتى الآن؟
وإذا كان المقصود هي العمليات الاستشهادية للمقاومة، فهذه أيضًا لم تتوقف لأن فصائل المقاومة لم تعلن عن توقفها، ولكن الأمرَ منوطٌ بالظروف السياسية والميدانية وطبيعة الرد على الاعتداءات الصهيونية.
2- نعم.. المقاومة أصبحت أكثر صلابةً، وأقوى شكيمةً، وليس الصف الفلسطيني الذي أصابته كبوةٌ بسبب الأحداث؛ لأن المقاومة تحررت من العملاء والجواسيس والاعتقال والتهديد وحتى الانتقاد.
3- دعونا نتكلم بالحقائق ونحدد الكلام، ألم يعطِ أبو مازن أوامره بقتل حاملي ومطلقي الصواريخ؟! ألم يصف عمليات المقاومة بالحقيرة؟! والوثائق التي ضبطت في مبنى جهاز الأمن الوقائي وأظهرت أن هذا الجهاز كان يتجسس على حماس وقادتها والمقاومة.. ألم تقلَّ عمليات اغتيال المجاهدين بعد طرد العملاء من غزة؟!
4- نعم الصف الفلسطيني ممزق، ولكن السؤال المهم هنا: هل كان صلبًا قويًّا أثناء الاقتتال الداخلي بين التيار الخياني في فتح وحماس؟! هل كان هذا الصف بعافية ونهر الدماء كان يذرف على أرض قطاع غزة أثناء هذا الاقتتال؟! والذي لو استمر- لا قدَّر الله- لحَصَد الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني والذي توقف تمامًا بعد الحسم العسكري لحماس، هبْ أن هناك اقتتالاً بين فريقين أيًّا كان هذان الفريقان؛ فلا بد أن تكون الغلبة لأحدهما لكي تتوقف المعارك، فهل إنْ كان التيار الخياني في فتح هو الغالب كنا قلنا عليه انقلابًا كما يقولون الآن في رام الله؟! أم قلنا عليه ثورة تصحيح فتحاوية ضد الهجمة الحمساوية؟! وما رأيكم في الفيديو المعروض لأبو مازن وهو يأمر مسئول تنفيذية فتح في غزة الذي عيَّنه محمد دحلان بالذبح (يعني يذبح كل من ينتمي لحماس)؟!
5- دللوا لي على أن حماس أو الحكومة منعتا إطلاق الصواريخ أو المقاومة، سواءٌ من الجهاد أو حركة فتح في غزة أو أي فصيل مقاوم، هذا من أغرب ما سمعنا على الإطلاق، هذا لم يحدث مطلقًا؛ بل العملية الأخيرة التي تبنَّتها الجهاد ولجان المقاومة الشعبية وسقط فيها أكثر من 60 صهيونيًّا باركتها حماس وأيدتها الحكومة الفلسطينية بقيادة إسماعيل هنية.
6- موضوع الهدنة ثابت في الفقه الإسلامي، وهو جائز إذا تم لمصلحة المسلمين، وإذا كان في مصلحة المقاومة فهو جائز، والهدنة معروضة بشروط، وإذا وافق عليها الطرفان المتصارعان بالشروط فلا مشكلة، والهدنة لا تعني وقف المقاومة أو الاعتراف بالعدو، ولكنها فرصة لالتقاط الأنفاس وترتيب البيت من الداخل، وأيام كان أبو مازن والوفد المصري موجودين في غزة كانا يتفاوضان على الهدنة والتهدئة بشروط، وقبلت كل الفصائل هذه الهدنة أو التهدئة بما فيها الجهاد الإسلامي وشهداء الأقصى، فإذا طرح موضوع الهدنة أو التهدئة الآن بعد سيطرة حماس على قطاع غزة هاجت وماجت الأصوات من كل حدب وصوب، وزعمت أن حماس تخلت عن المقاومة وتفاوض العدو على الهدنة.
7- دلّلوا لي أن المعتقلين في غزة يتم تعذيبهم.. لا يوجد في غزة اعتقال سياسي، بل هو أمني وجنائي؛ لكن الضفة تموج بالانتهاكات الواسعة للحمساويين في أموالهم وممتلكاتهم، ويُزجُّ بهم في سجون السلطة ويعذبون وتنتهك آدميتهم؛ بدليل عشرات الحالات التي نُقلت للمستشفيات بل الاغتيالات لبعض الأفراد المحسوبين على حماس، كما حدث للشاب محمد رداد في جامعة النجاح؛ حيث أطلق الرصاص على رأسه أثناء اعتصام للكتلة الإسلامية هناك؛ احتجاجًا على اعتقال طلاب محسوبين على حماس، والإعلام في غزة الذي يسجّل على حماس كل صغيرة وكبيرة وكل لمسة وهمسة ويغض الطرف تمامًا عن الانتهاكات الواسعة التي تتم في الضفة راضيًا هو أو ممنوعًا أو مقموعًا من أجهزة عباس.
8- إذا كان أسْر الضابط الصهيوني في جنين سيجلب الويلات على الشعب الفلسطيني؛ فعلينا أن نرفع الراية البيضاء من الآن ونسلم بأن الاحتلال لا يمكن مجابهته، وعلينا أن نقبل الأجندة الصهيونية في كل مواجهة، ونقرَّ بالمعروض على الفلسطينيين من قبل أمريكا و"إسرائيل" للحل النهائي للقضية الفلسطينية، وعلى الأحد عشر ألف أسير في سجون الاحتلال أن يظلوا مقموعين في زنازينهم حتى تنقضيَ مدتهم أو ينتهيَ أجلهم أو يتم نسيانهم.
هذه مزاعم لن تنطلي على أحد، وعلى المرجفين والمتشككين أن يعيدوا حساباتهم وبأن كيدهم لن يصنع لهم ما يريدون.
عندما فشلوا في الوقيعة بالمقاومة- بدعم من كونداليزا رايس- زعموا بأن هناك انشقاقاتٍ وخلافاتٍ بين قادة حماس، بين قيادات الداخل وقيادات الخارج ولما فشلوا أذاعوا بأن خلافًا حادًّا نشب بين رئيس الوزراء إسماعيل هنية وأحد أبرز قيادات حماس في غزة الدكتور محمود الزهار، وصل لدرجة الاقتتال بالسلاح، فإذا بالزهار يسارع إلى الصلاة خلف هنية في الصف الأول، ولعلها كانت رسالةً بليغةً وحكمةً بديعةً في موضعها؛ فالزهار لم يكن بحاجة لهذا الإجراء للتدليل على كذب هذه الادعاءات، ولكن الرسالة المطلوب توصيلها لرايس- والذي يدور في فلكها- أن الصف المرتبط بالله والذي تربَّى في المساجد والذي طبَّق بعد أن عرف وفهم أن المؤمنين إخوةٌ من المستحيل أن ينفرط عقده.