- المواظبة وصدق النية.. أهم أسباب الحفظ

- الكتاتيب أنجح المؤسسات لتحفيظ القرآن

 

تحقيق- وفاء سعداوي

القرآن الكريم كتاب الله تعالى، أنزله على رسولنا الكريم محمد- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- لنقتدي به، فهو علم ومتعة ونجاة.. يملأ العقل حكمةً ويملأ القلوب نورًا، من قرأه له ثواب، وحافظه له أكثر من ثواب، والذي يعمل بما جاء فيه يزداد قوةً ونجاحًا في دنياه وآخرته، ومن معجزات القرآن الكريم أن الله تعالى يسَّره للذكر، حتى إن صغارًا في العِقد الأول من عمرهم يحفظونه عن ظهر قلب ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقَرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ (القمر: 17) ومن معجزاته أيضًا أن الله عز وجل حفظه من تحريف الضالين وعبث المضللين ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)﴾ (الحجر).

 

فكانت قلوب المؤمنين أوعيةً طاهرةً له منذ عهد النبوة؛ ففي الوقت الذي يحاول الحاقدون فيه الإساءة إليه نجد أسرًا كاملةً تحرص على تلاوته وحفظه، ومن هنا كان لنا مع هذه الأسرة اللقاءات التالية؛ باعتبارها أُسَرًا قرآنيةً، تنشر هذا النور الإلهي في أضواء المجتمع، فتسهم في صنع نهضته.

 

نماذج

 

محمود هاشم- أب لخمسة أولاد (3 ذكور و2 إناث) 3 منهم يدرسون في كليات الطب والصيدلة و2 في التعليم الإعدادي والثانوي، وقد بدأ وزوجته مع الأولاد- منذ بدء النطق- بترديد الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة أمامهم، ومنها الآيات التي تأمر بالصلاة، ومن هنا بدأوا في ارتياد المسجد في الخامسة من عمرهم، واستمروا على ارتياده؛ إذ كانت أمُّهم تشجِّعهم على الصلاة في المسجد، بل كانت تذهب لحضور دروس العلم، فحفظوا جميعًا القرآن في العاشرة من عمرهم على أيدي عدد من المشايخ بالمسجد.

 

أما الابن الثاني محمود فقد فاز في الحادية عشرة من عمره بالمركز الأول على العالم الإسلامي في حفظ القرآن الكريم، والآن هو طالب بكلية الصيدلة ويدرس القراءات العشر، ويحفظ الأولاد في حلقات تحفيظ القرآن الكريم بالمسجد.

 

عايدة محمد- أرملة، لديها ابن وبنتان- عاهدت اللهَ عزَّ وجلَّ أن تحفِّظ أولادها الثلاثة القرآن الكريم؛ فواظبت مع الشيخ بالمسجد القريب من مسجدها؛ حيث محَت أميَّتها أولاً، ثم تلقَّت القرآن من شيخها بقراءة حفص عن عاصم التي أتقنتها؛ حيث حصلت على إجازة من شيخها، وأصبحت محفِّظة معتمَدةً في إحدى دور تحفيظ القرآن بالحي الذي تقيم فيه، أما أولادها فقد اصطحبتهم معها للشيخ قبل التحاقهم بالمدرسة؛ حيث بدأوا حفظ القرآن في الرابعة من عمرهم، وأتمُّوه في الثانية عشرة.

 

وتقول عايدة إن بركة حمل القرآن الكريم عظيمة؛ فقد كان خير معين لها على تربية أولادها وتفوقهم في الدراسة الأزهرية بعد وفاة والدهم، الذي رحل عنهم وأكبرهم في السادسة من عمرها.

 

عبد الكريم حسين- محاسب- كانت أمنيته وزوجته عند زواجهما أن يُنجبا ذريةً تنفع دينها، ورزقهما الله عز وجل يمنى ومحمود، وبدأ الزوجان في حفظ كتاب الله عز وجل.. الأب يتابع مع الشيخ والأم أيضًا تأتي إليها محفِّظة لتتابع معها التلاوة والحفظ، ويستمعان دائمًا لآيات القرآن الكريم أثناء انشغالهما بأعمال أخرى في البيت وفي السيارة.

 

وظهرت موهبة يمنى في الحفظ في الرابعة والنصف من عمرها؛ حيث كان والدها يحفظ سورة المائدة ويستمع إليها في البيت والسيارة؛ فوجدها تردُّه في الآيات؛ فبحث عن دار لتحفيظ القرآن الكريم؛ حيث تابعتها المحفِّظة، وما لبثت أن بدأت حتى أذهلت أمَّها بقدرتها على الحفظ وحبِّها الشديد له، وانتظارها ختم السورة لتبدأ حفظ سورة أخرى، وتسأل عن معاني الآيات، حتى دفعت أمَّها للقراءة في تفسير القرآن الكريم ولا تكتفي بما تتلقَّاه مع محفظتها بالدار، بل تجلس إلى محفِّظة أمها بالبيت وتتابع معها وتسألها، حتى حفظت في 14 شهرًا من سورة الناس حتى سورة طه.

 

ولما أذهلتهم بقدرتها على الحفظ ضاعفت الكمية حتى حفظت باقي المصحف (من الفاتحة حتى سورة مريم) في الفترة من 22 أبريل حتى آخر شهر يونيه، وهكذا أتمت حفظه كاملاً في السادسة من عمرها خلال عام ونصف العام، أما أخوها محمود فقد ختمه في أربع سنوات.

 

المواظبة وإحسان النية

 

أم وليد- حاصلة على بكالوريوس علوم- وهبت نفسها لتعلم القرآن الكريم وتعليمه، فبدأت بحفظه وابنها، وبدأت الحفظ تدريجيًّا ببضع آيات، ثم نصف ربع، حتى وصلت إلى ربع يوميًّا، وكلما قطعت شوطًا في الحفظ وكلما داومت على القراءة وجدت الحفظ أسهل، وقرأته على 4 شيوخ، حتى حصلت على إجازة تلاوته وحفظه بقراءة حفص عن عاصم، ووهبت نفسها لتعليمه؛ فافتتحت دارًا لتحفيظ القرآن الكريم، إلى جانب تدريسها القرآن بقسم النساء بأحد معاهد الدعاة ومعهد للقراءات، ودأبت على تعلمه؛ فالتحقت بمعهد لإعداد معلمي القراءات، أما ابنها فأتم حفظه في العاشرة من عمره.

 

ماجدة- مهندسة زراعية- لديها 4 أولاد، أخذت على عاتقها مسئولية تحفيظهم القرآن، وجعلته قضيتها الأساسية؛ حيث يبدأ يومها مع أسرتها بصلاة الفجر، وينتهي بصلاة العشاء طوال العام، ويواظب أولادها على الحفظ مع الشيخ بالمسجد حتى في أيام الدراسة، إلى جانب متابعتها لهم، وقد أتمَّ الابن الأول طارق حفظ القرآن الكريم في التاسعة من عمره، إلى جانب تفوقه في الدراسة فحصل في الشهادة الابتدائية على المركز الأول على المدرسة بمجموع 98%.

 

وعندما اشترك في مسابقة الكريم التي نظمتها وزارة الأوقاف حصل على المركز الأول على مستوى الجمهورية، وانبهر الممتحنون بمستواه في الحفظ والتلاوة، برغم صغر سنه، ونصَحَه أحدهم بالالتحاق بمعهد القراءات، فكان يذهب إلى المدرسة الإعدادية صباحًا ثم معهد القراءات مساءً، وبعد انتهائه من امتحانات المدرسة الإعدادية التابعة لوزارة التربية والتعليم يجتاز امتحانات معهد القراءات في شهر يوليو، وبفضل الله حصل على المركز الأول على المدرسة في الشهادة الإعدادية بمجموع 96% في نفس العام الذي حصل فيه على الإجازة في القراءات والمركز الأول على المعهد؛ مما يجيز له الالتحاق بكلية القراءات بجامعة الأزهر، ولكنه اختار أن يلتحق بالثانوية العامة ليصبح طبيبًا.

 

وحفظ باقي الإخوة أيضًا (ابن وبنت) القرآن الكريم، ووجدت الأم أن حفظ القرآن أصبح ميسورًا لها من مواظبتها على تحفيظ أولادها؛ حيث وجدت نفسها تردِّد الآيات غيبيًّا عند سماعها أو تلاوتها، فأقبلت على حفظه؛ حيث ختمته هي وزوجها خلال عام واحد، وهكذا أصبحت أسرتهم بفضل الله أسرةً قرآنيةً.

 

وهكذا نجد أن حفظ القرآن الكريم ليس بمعجزة، وأمامنا الآن فرصة ذهبية لحفظه؛ لنبدأ بحفظ آية وآيتين يوميًّا وتدريجيًّا سوف نكتشف أننا نحفظ سورًا ما كنا نظن أننا نحفظها كلها، ونسير في طريق الحفظ حتى نجد أنفسنا حفظنا القرآن كله، ولا يكفي أن نحفظه، بل علينا أن نقتدي به في أفعالنا لنستعيد مكانتنا بين الأمم.

 

وسائل معينة على الحفظ

 

ويلخص د. قاسم إسماعيل- بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر- الوسائل المعينة على الحفظ فيما يأتي:

- تخصيص وقت محدد للتلاوة والحفظ يوميًّا؛ بحيث لا يطغى على أي واجب آخر.

- الاستعانة بمعلِّم أو تسجيلات متقنة ومحاولة التقليد.

- وضع جدول زمني للحفظ دون تعجُّل؛ فلا يشترط الكثرة، ولكن لا بد من المداومة، فخير الأعمال أدومها وإن قل.

- محاولة فهم ما يُتلى ويُحفَظ؛ فذلك أدعى لسهولة حفظه.

- تفريغ الذهن حين التلاوة والحفظ من كل الشواغل.

- والمداومة من خلال أصدقاء يدركون أهمية الحفظ؛ فمن شأن ذلك أن يشجِّعَ الهمم ويقوِّيَ العزائم.

- الالتزام بتحسين مخارج الحروف، ومعرفة علامات الوقوف؛ فذلك المقصود بالترتيل، وهو الذي يبرز روعة القرآن وجلاله.

- استعانة السيدات أثناء العمل المنزلي بمداومة الاستماع إلى تسجيلات المصحف المعلم في الجزء الذي حفظنه أو يُرِدْنَ حفظه، وفي ذلك تشجيع أيضًا للكبار والصغار أن يردِّدوا ما يسمعونه.

 

الكتاتيب

وتقول الحاجة فاطمة أبو السعود- مسئولة قسم النساء بالمعهد الدولي للقرآن الكريم سابقًا- إنها عندما تزور قريتها تسعد بأطفال الكتاتيب، البنين والبنات، الذين يحفظون الكثير من أجزاء القرآن الكريم ويردِّدونه عن ظهر قلب.

 

وتضيف أن كثيرًا من أولياء الأمور يأتون بأولادهم إلى مراكز تحفيظ القرآن؛ لذلك لا بد من انتشار الكتاتيب التي تستوعب هؤلاء الأطفال منذ طفولتهم، وتحميهم بحفظ القرآن وتلقينهم الإسلام الصحيح.