الثابت أن القدس هي كل ما يحيط بالمسجد الأقصى، من مساحات اتسعت أو ضاقت، والدليل على ذلك أن الله سبحانه وتعالى أكد في القرآن الكريم أن الإسراء تمَّ بعبده محمد- صلى الله عليه وسلم- من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى, وكان المسجد الأقصى في ذلك الوقت هو قبلةَ الصلاة قبل أن تتحوَّل القبلة إلى المسجد الحرام في مكة المكرمة.

 

واستهلَّت الآية الكريمة الحديث عن الإسراء برفعة ذات الله وتمجيده وتنزيهه عن كل شك فيما يقول, وذلك بقوله تعالى ﴿سُبْحَانَ الَّذِيْ﴾ (الإسراء: من الآية 1) وهو استهلالٌ يأتي في مقام العمل المعجِز الذي لا يأتي به إلا الخالق, وسبحان الله عما يصفون في مقام التنزيه عن كل شكٍّ في قدرته؛ فهو القادر الذي لا يُسأل، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو بكل شيء عليم.

 

بهذه الإشارة أكد القرآن أن الإسراء حقٌّ، وإن جاوز أفهامَ الناس، وتحدَّى مواقف الكفار ومعهم اليهود، الذين أوغرت صدورهم منذ نزول الوحي بالدين الخاتم على النبي الأمي؛ ما يعني انتقال السيادة منهم إلى غيرهم، حسب فهمهم الضيِّق.

 

النقطة الثانية هي أن الله بارك في كل رقعة تُحيط بالمسجد الأقصى, فتمتدُّ المباركة إلى كل رقعة مهما اتسعت، ويطلق عليها بيت المقدس، ونعالج هذَين الموضوعين في الحلقات التالية؛ حيث تحاول "إسرائيل" أن تطمس العلاقة الدينية بين المدينة المقدَّسة وسائر المسلمين، وتختزلها في مضمون سياسي، يخضع لقواعد اللعبة السياسية وميزان القوة المختلّ بين الطرفَين "الإسرائيلي" والفلسطيني, ما دام من شأن هذا المسعى "الإسرائيلي" حصْر المشكلة بين الطرفين دون أن يكون للعالم الإسلامي دخلٌ في ذلك.

 

الحلقة الأولى: الحقائق القرآنية بشأن القدس والإسراء

فقد كرَّم الله المكان إكرامًا لهذه البقعة الطاهرة، وإذا كان القرآن لم يَذكر القدس فلأن المدينة نفسها اكتسبت التقديس والاسم من جوارِها للمسجد الأقصى الذي كان مسجدًا حتى قبل أن يُبنَى في شكل المساجد المعروفة؛ فقد كان مكانًا يُسجَد فيه لله بصلواتِ الأمم السابقة، قبل أن يصدر التكليف في رسالة محمد بالصلاة، وما تتضمنه من السجود في مسجد كما هو معلوم.
ويدلنا القرآن الكريم على أن تغيير القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام يُشير إلى ثلاث دلالات:

الدلالة الأولى: أن الله جلَّت قدرته يتَّصف بطلاقة القدرة، وهو سبحانه صاحب الأمر والنهي في تحديد القبلة للمصلين, ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ (البقرة: من الآية 115), مؤكدًا في بيانه الحكيم ﴿وَللهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ (البقرة: من الآية 115) فلا يجوز مناقشة ما يعدُّ من صميم تدبير الله تعالى عظُمت قدرتُه, أو المجادلة البشرية فيما لا يفيد.

 

الدلالة الثانية: هي أن سبب تحويل القبلة ليس قطعًا أن الله فضَّل البيت الحرام على بيت المقدس؛ فكلها بيوت الله، وقد حاول المستشرقون أن يقدِّموا تفسيرًا لهذه الحادثة- أي تغيير القبلة- يتفق مع تفكيرهم المادي, فقالوا إن القبلة تعني الرئاسة الدينية والتجارية والسياسية, وقد ظلت فترةً في يد الشام في عهد المسيحية, وجاء الدور على العرب بعد أن نزل الدين الجديد.. هذا هو السبب في نظرهم في تصدِّي اليهود والمسيحيين للدين الجديد.

 

الدلالة الثالثة: أن القرآن أشار صراحةً إلى أن الله سبحانه قرَّر تغيير القبلة إلى المسجد الحرام في مكة، رغم أن بيت المقدس كان لا يزال تحت سيطرة الرومان قبل أن يفتح في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه, وسبب ذلك التحويل هو لفتة إكرام لرغبة نبيه في أن تظل صلاته صوبَ مكة؛ لقوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ (البقرة: من الآية 144)، وهو سرٌّ ظل رسولنا- عليه الصلاة والسلام- يحتفظ به بينه وبين ربه، ولا يصارح أو يجاهر به أحدًا, حتى منَّ الله عليه بتحويل القبلة، ولا نزاع في أن بيت المقدس مقدَّسٌ عند أتباع الدين من أصحاب الرسالات السماوية الثلاث، ولكلٍّ منهم آثارٌ تدل عليه.

 

وقد ركَّزت "إسرائيل" على ما تدَّعيه من آثار في القدس، لكي تدلل على أحقية اليهود دون غيرهم بها، وحتى بهذا المعيار فإن للمسلمين والمسحيين آثارَهم القاطعة في أهمية المدينة المقدسة لهم، ولكنَّ القضية لا يمكن أن تُحسَمَ في صدد تبعية المدينة بقدر ما فيها من آثار لأيٍّ من أتباع الرسالات الثلاث، فتجري المفاضلة بينها على هذا الأساس, وإنما حوَّلت "إسرائيل" الأمر إلى هذه الزاوية حتى تحطِّمَ مقدساتِ المسلمين, كما أن كل هذه المقدسات في مكان يتبع فلسطين تحت الحكم العربي.

 

ولو طبقنا معيار "إسرائيل" لأصبح ما بين (لحم) و(المقدس) ملكًا للمسلمين في العالم, ولأصبحت المقدسات الإسلامية في مكة والمدينة ملكًا لعموم المسلمين, وهو يتناقض مع السيادة الإقليمية للدول التي يقوم عليها النظام الدولي.

 

ولكن الحديث عن معايير تبعية المدينة سياسيًّا أو دينيًّا شيءٌ والموضوع الذي نعالجه اليوم شيءٌ مختلفٌ؛ حيث تحاول "إسرائيل" بكل الطرق أن تُنهي البعد الديني القرآني بالذات في علاقة المسلمين ببيت المقدس, وهي تعلم قطعًا أن استعمار فلسطين بأكملها كبلد إسلامي أثَارَ كل العالم الإسلامي.

 

واطلعتُ على مذكرات وزير الدفاع الأمريكي عام 1947، الذي حذر حكومته من مساندة قرار تقسيم فلسطين وتحويل اليهود من مهاجرين إلى مشاركين في أرض فلسطين من غضبة الشرق الإسلامي الذي يشعر أن جزءًا من الأمة الإسلامية يتعرض للإغارة والاستلحاق.

 

الحلقة الثانية: إنكار العلاقة القرآنية بين المسلمين والقدس

في ضوء الحقائق الدينية السابقة الثابتة ثبوت الحقائق القرآنية, عمدت "إسرائيل"- بعد حملاتها المتكررة لفصم العلاقة بين الإنسان والمكان في القدس, وذلك بتهويد المدينة المقدسة بكل معنى الكلمة، وتغيير هويتها الجغرافية والحضارية والسكانية, حتى تعدها لوهمها السياسي بالادعاء بأنها العاصمة الأبدية والدائمة لـ"إسرائيل"- إلى فكِّ الارتباط بين الإسلام والمدينة المقدسة, تمامًا كما حاولت أن تدَّعي بأوهام الحقوق التاريخية التي تستعيدها في هذه الأيام.

 

ولا شك أن الباحثين الصهاينة يبذلون جهودًا خارقةً لتزوير الحقائق القرآنية وترويج نتائج أبحاثهم على أنها اكتشافاتٌ علميةٌ وفكريةٌ, جنبًا إلى جنب مع محاولات طمس الأسماء والأماكن حتى تنتهي الذاكرة الجغرافية والتاريخية.

 

فقد سبق للباحثين الصهاينة أن نشروا عام 2002 بحثًا مطوَّلاً حول القدس في القرآن الكريم، وحجتهم باختصار أنه بعد الاحتفال الكبير بالقرآن الكريم- وكأنهم اكتشفوه وهم الذين عملوا على طمسه واختراقه بمختلف "الإسرائيليات" لزعزعة قدسيته في نفوس المسلمين- عمدوا إلى الاحتفاء به من جديد، وسبب الاحتفاء الجديد هو أن القرآن أنصفهم وأكد لهم مقولاتهم بأنهم شعب مختار تعددت فيه أنبياء حكام على خلاف الأمم الأخرى.

 

ولكن البحث الجديد قال ببساطة إنه ما دام لم يرِد في القرآن كلمة بيت المقدس أو القدس، فليس للمسلمين علاقة دينية أو تاريخية بها, وأن العلاقة سياسية, بدأت عندما استولى المسلمون من الرومان على بيت المقدس، وأبى حكامها أن يسلموها لقائد الجيش، وأصرُّوا على أن يكون التسليم سياسيًّا، فتسلَّم منهم عمر مفتاح بيت المقدس بعد أن قدَم لهم ما عُرف في التاريخ الإسلامي بـ"العهدة العمرية" التي أمَّنهم فيها على أملاكهم ودينهم وكرامتهم, وهو عهدٌ يشبه تمامًا دستور المدينة الذي وضعه الرسول صلى الله عليه وسلم.

 

فإذا أوهم اليهود العالمَ أن المسلمين لم يُشِر قرآنُهم إلى بيت المقدس, فإن القضية قضية سياسية لا قدسية فيها، وتكون القدس لمن غلب، وما دام اليهود هم الغالبين فلا مجال إذن لإثارة مشاعر المسلمين وتحفيزهم للدفاع عن مكان لا قدسية له في كتاب المسلمين, وبذلك تظل القدس مدينة السلام لليهود وعاصمة ملكهم القديم, وتكون مطالبتهم بها امتثالاً لأمر مقدس في كتابهم.

 

ولما كان بيت المقدس مرتبطًا بالمسجد الأقصى، والرابطة الدينية بين رسولنا الكريم والمسجد الأقصى هي واقعة الإسراء ثم المعراج, فقد ركَّزت الأبحاث الصهيونية الحديثة على نفس واقعة الإسراء, والتأكيد على أنه حتى لو كان المسجد الأقصى قد اختِير حقًّا قبلةً للمسلمين عندما فُرضت عليهم الصلاة, فقد استمرت سنواتٍ قليلةً منذ واقعة الإسراء التي تراها الأبحاث الصهيونية أكذوبةً لبسط السيادة الدينية على بيت المقدس.

 

ولكن الردَّ على هذه الترَّهات مرتبطٌ بمرجعية المعلومات، وهو القرآن الكريم، الذي لا يعترفون به, بل إنهم كتبوا بأيديهم توراتهم حتى تكون على هواهم، كما أخبرنا القرآن الكريم.
فقد أشرنا إلى أن الإسراء ثابتٌ بنصِّ القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه, وأن الإخبار عن هذا الإسراء قد جاء بعبارة استهلال لإجلال الله وقدرته عن مقاييس العقول البشرية؛ فالذي خلق الإنسان من طين، وخلق السموات بغير عمد ترونها, وجعل عيسى وأمه آيتَيْن.. قادرٌ على أن يُسرِيَ بعبده- صلى الله عليه وسلم- ولو كره المشركون, وما تقوله الدراسات الصهيونية الحالية لا تزيد على ما قيل عند وقوع الإسراء الذي اتخذه كفار مكة سندًا للطعن في صدق الرسول الكريم والتشكيك في عقيدة أبي بكر الذي صدَّهم بمنطِقِه "نصدقه في خبر السماء ولا نصدقه في الإسراء؟!".

 

ولعلنا نلاحظ أن الدراسات "الإسرائيلية" المعروفة بـ"الإسرائيليات" قد بدأت منذ بداية الرسالة الإسلامية, ولكنَّ التشكيك هذه المرة في الإسراء دون المعراج؛ لأن الإسراء هو الانتقال الإلهي بالرسول- صلى الله عليه وسلم- انتقالاً ماديًّا من مكة إلى بيت المقدس، والذي سماه القرآن الكريم الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى, فهي علاقة بين اثنين من أقدس بيوت الله على هذه الأرض, وليس انتقالاً من مدينة إلى أخرى، وهو انتقال بين إقليمين متنافسَين في السيادة والتجارة.

 

أما المعراج فهو لا يهم اليهود؛ لأنه انتقال بالنبي الكريم من المسجد الأقصى إلى السماء؛ حيث جرت الأحداث التي أخبر عنها النبي الكريم وأخبر عنها القرآن الكريم أيضًا، ومن الملاحظ أيضًا أن اليهود لم يشكِّكوا في القرآن الكريم نفسه بصفته معجزةَ النبي، وإنما شكَّكوا في بعض رواياته بطريقة انتقائية كما هي سُنَّتهم في النظر إلى الأشياء.

 

الحلقة الثالثة: ادعاء الصفة السياسية غير الدينية للقدس ومراميه

القصة كلها لن تنتهي، ولكنها تهدف إلى فصم كل علاقة بين المسلمين وبيت المقدس للقول بأن القضية سياسية، وقد أفصحت هذه الدراسات صراحةً عن ذلك بقولها إنه يخلص إلى أن قضية القدس لم تكن قضيةً دينيةً عند الفلسطينيين, ولكنها أصبحت قضيةً سياسيةً منذ احتلال القدس الشرقية عام 1967م، كما صارت هذه القضية جزءًا مهمًّا من مشروعات التسوية, والهدف من هذه النتيجة واضح، ويمكن تلخيصه فيما يلي:

أولاً: أن القضية تخص الشعب الفلسطيني وحده، ولا علاقة لها ببقية المسلمين؛ لأنها ليست قضيةً دينيةً بعد أن أكدت الدراسات الصهيونية عدم وجود رابطة دينية في القرآن الكريم.

 

ثانيًا: أن القضية ما دامت سياسيةً لا دينيةً فإن تسويتها تخضع للقواعد السياسية وأوضاع وموازين القوة, وهي تسوية ثنائية بين "إسرائيل" والفلسطينيين, وليس في القضية مقدسٌ يمتنع المساس به أو التضحية في سبيله.

 

ثالثًا: فك الارتباط بين الديني والسياسي في قضية القدس يُعَدُّ أكبر انتصار لـ"إسرائيل"؛ لأنه يفتح الطريق إلى إزالة العداء بينها وبين العالم الإسلامي الذي لا تربطه بالقضية الفلسطينية سوى قضية القدس، وبالتحديد منذ حريق المسجد الأقصى عام 1969م.

 

وأخيرًا.. فإن مؤدى الطرح الصهيوني هو أن منظمة المؤتمر الإسلامي لم يعُد لها سبب للبقاء؛ لأنها قامت من أجل القدس باعتبارها الرابط لكل المسلمين, بل إن ميثاق المنظمة جعل عاصمتها القدس الشريف، وأن بقاءها في جدة مؤقتٌ إلى أن يتم تحرير القدس التي تحرَّرت مرةً من الصليبيين, ويُرجى تحريرُها من الصهاينة الغاصبين.

 

والفرق بين الغصب الصليبي والغصب الصهيوني هو أن الغصب الصهيوني يَعتبر كل فلسطين هي "إسرائيل" القديمة وعاصمتها أورشليم أي مدينة السلام أي القدس، وأن "إسرائيل" هي التجسيد الحي لاسترداد فلسطين والقدس.

 

ألا تلاحظ أن اجتهاد البحوث الصهيونية في نفي الصلة الدينية الإسلامية يتناقض مع اعتماد المشروع الصهيوني على الرابطة الدينية الموهومة بفلسطين والقدس؟! أم أن الصهاينة أحرارٌ في حشد الدين وتسخيره لحججهم، بينما يزوِّرون الحقائق القرآنية على هواهم؟!

 

وقد أعلن د. محمود حمدي زقزوق- وزير الأوقاف المصري، في محاضرة بدار الأوبرا المصرية يوم 27/9/2007م- ما سبق أن أعلنه شيخ الأزهر عام 2001م من أنه قد يكون من المفيد أن يقوم المسلمون بزيارة القدس والمسجد الأقصى دعمًا للفلسطينيين ولشدِّ أزرهم في التصدي للصهاينة الذين يتآمرون على المدينة ومسجدها الأقصى, كما سوف يفيد الفلسطينيون من المساندة السياسية للمسلمين في هذا الشأن, فضلاً عن الدعم الاقتصادي إذا تدفَّق السيَّاح المسلمون إلى هذه الأراضي المقدسة.

 

ولا شك أن الدوافع لهذه الدعوة نبيلةٌ، ومراميها مشكورةٌ، ولكن استغلال "إسرائيل" لها سوف يفسد الآثار المتوقَّعة، خاصةً أن "إسرائيل" ماهرة في استغلال كل المناسبات, وسوف تمنح تأشيرات الدخول للداخلين؛ مما يفتح الباب لأوسع عملية تطبيع إسلامية مع "إسرائيل", فيكون الاقتراح فتحًا مبينًا لها وتدميرًا كاملاً لجدار العزلة الإسلامية ضدها!!