إثارة الفتن والقلاقل باتت هي السلاح الأهم والأقوى في المواجهات بين الدول وتستخدم أيضًا من قبل القوى المعارضة في مواجهة الحكومات التي تحكم بلادها.
وهذا ما نراه اليوم واضحًا وجليًّا في حرب حركة فتح ضد الشعب الفلسطيني وحكومته في قطاع غزة والضفة الغربية، وإنْ كانت هذه الحرب في الضفة تأخذ أسلوبًا آخر غير الأسلوب المستخدم في قطاع غزة.
وهنا وقبل أن أتطرق إلى هذه الحرب ومراحلها سأبدأ بالتطرق إلى بعض الأحداث ذات التشابه في الأسلوب والأهداف والمراحل مع هذه الحرب.
أولاً: حصار الخندق في عهد رسول الله، فقد كانت تلك الحرب تستهدف القضاء على دولة الإسلام وإسقاطها، فقد كانت الخطة ذات محورين أولهما حصارٌ يُضرب حول المدينة يُجوع أهلها وينشر الرعب في أوساط سكانها حتى ينفضوا عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أو حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله؟
أما المحور الثاني فكان إتاحة الفرصة لأتباع هذه الخطة ممن هم داخل المدينة بأن يبدءوا دورهم في نشر الرعب في المدينة؛ وذلك عبر مهاجمة بيوت المسلمين ونسائهم ليشغلوهم عن التصدي لهذا العدوان، وهذه المهمة كانت موكلة لليهود، وكانت تلك الخطة تستهدف في النهاية إسقاط أول حكومة إسلامية في التاريخ، وأما عن خطوات التصدي لهذه الخطة من قِبل النبي- صلى الله عليه وسلم- فتمثَّلت بعملٍ واحدٍ عقب ارتداد قريش والطائف عن المدينة بعد الريح المرسلة عليهم، تمثَّل ذلك العمل بطرد اليهود المشاركين في هذه الخطة من المدينة حتى لا يترك المجال لفرصة خيانةٍ أخرى.
ثانيًا: أما الحرب الأكثر شبهًا وحداثةً فهي حرب العراق، فقد حاولت أمريكا هزيمة نظام حزب البعث الحاكم في العراق، فكانت الحرب والتي حوت في صفحاتها عدة مراحل، وهي كالتالي:
1- حصار شديد يُضرب على العراق يترك أهله جياعًا ومرضى، ويُضعف قوته العسكرية، ويشتت قواه الداخلية، فاتحًا الباب على مصراعيه للشعب كي ينقلب على انتمائه لوطنه وحكومته بغض النظر عن الأيديولوجية التي تتبعها تلك الحكومة.
2- استنزاف العراق عسكريًّا عبر الاجتياح الجوي المتكرر لسمائه، والقصف المتكرر لمناطقه.
3- توفير الدعم المباشر لعناصر الفتنة، والذين مثَّل أكراد العراق النسبة الأكبر منهم، ليثيروا القلاقل والفتن وليشكلوا جزءًا كبيرًا من الضغط العسكري على الحكومة لجعل جهودها تتشتت بين العدو الخارجي والداخلي؛ مما أفرز في النهاية حكومةً في كردستان العراق، وهي دولة عدو من نفس الدين، ولكن في خاصرة الوطن تطعنه من حيث لا يُتوقع الطعن، والتي كان لها دور كبير وفاعل في إسقاط الحكم فيما بعد، والتي يُراد لها الآن أن تقوم بدورٍ فاعلٍ في تقسيم الدول المحيطة مثل إيران وتركيا، كما فُعل بالعراق، بحجة الحقِّ في قيام دولةٍ للأكراد.
ما أردتُ استخلاصه من هذه الحرب هو أن ما يجري إنما هو تقليد وتكرار لمخططات استخدمت في حروبٍ سابقةٍ في التاريخ السحيق، وحتى في التاريخ المعاصر، ففتح ومعها الصهاينة وأمريكا تسعى للنيل من حركة حماس في فلسطين وإسقاط حكومتها؛ وذلك عبر خطة ذات ثلاث محاور.
أولاً: حكومة عدو في خاصرة الوطن
ويتم ذلك من خلال إقامة حكومةٍ في جزءٍ من الوطن لا تُسيطر عليه حركة حماس، وهذا الجزء يكون مستباحًا لأجهزة فتح وللعدو الصهيوني، وفيه يتم القضاء على حركة حماس في الضفة عبر إصدار قوانين ومراسيم تُجرِّم كل مَن له علاقة بحماس أو متعاطف معها أو متعاطف مع نهج المقاومة أو مَن لا يتعاطف مع أطراف هذه الحرب، وتُعطي شرعيةً قانونيةً لمحاربة المؤسسات ذات العلاقة بحماس خاصة أو التي تلتزم بنهج دعم المقاومة بشكلٍ عام.
ثانيًا: الحصار
ويتم ذلك بفرض حصارٍ على المناطق التي تُسيطر عليها حماس أي قطاع غزه، ويشترك في هذه الحصار بشكلٍ مباشرٍ كلٌّ من فتح وما يُسمَّى بإسرائيل وأمريكا وبعض الحكومات التي تُسمى زُورًا وبُهتانًا عربية، وأبجديات هذا الحصار كالتالي:
1- حصار بري وبحري من قِبل دولة العدو الصهيوني للحدود مع قطاع غزة.
2- حصار بري لقطاع غزة من قِبل حكومة مصر ومحاربة كل مَن يحاول مساعدة أهل القطاع بالطرق الرسمية أو من وراء حجاب.
3- جعل حياة الفلسطينيين بالداخل صعبة وعدم السماح بإدخال مستلزمات الحياة الأساسية، وفرض حصار مالي على المؤسسات المالية في القطاع.
4- إيجاد المزيد من المشاكل لحركة حماس عبر جعل حياة مواطني قطاع غزة العالقين بالخارج أو المقيمين بالخارج صعبةً؛ وذلك عبر إذلال مَن هم عالقون منهم على الحدود المصرية الفلسطينية ومَن هم عالقون بالخارج، وكذلك فصل الكثير من الطلبة الفلسطينيين من الجامعات التي يدرسون بها أو عدم إعطائهم إقامات في البلاد التي يدرسون بها، وكذلك فصل الكثير من وظائفهم ممن يعملون في دول عربية.
5- الإيحاء في بعض الأحيان والتصريح في أحيان أخرى لمَن هم بالداخل والخارج بأنَّ حماس هي السبب في معاناتهم اليومية، وهذا ما جرى تحديدًا في مطار العريش عندما بدأ ضباط مصريون بإثارة حنق المحتجزين هناك عبر نشر روايات عن تنسيق حركة حماس مع العدو الصهيوني لإدخال عناصرها إلى قطاع غزة دون الاهتمام بباقي العالقين ممن لا ينتمون إلى صفوفها، وهذا ما يجري في مطار القاهرة لمواطني قطاع غزة الذين يصلون للمطار وتقوم السلطات المصرية بردهم على أعقابهم؛ وذلك طبعًا بعد إعطائهم دروسًا في تحميل حماس مسئولية معاناتهم.
6- رفض الاستماع لكلِّ المبادرات التي تُقدمها حماس لحلِّ الأزمة والاستماع فقط لطرفٍ واحدٍ؛ ألا وهو حكومة عباس، وليت الأمر ينتهي عند ذلك فقط, بل وحتى التسويق لهذه الحكومة ولأكاذيبها عبر فضائيات تلك الدول.
ثالثًا: الفتن
بما أن حركة حماس تمكَّنت من توفير الأمن في قطاع غزة، وهو المطلب الأهم لسكان القطاع بعدما حُرموا الأمن طويلاً، وبما أن حماس تُمثِّل الذراع الأطول والأصلب في التصدي لاجتياحات العدو المتكررة، فكان لا بد من العمل على إفشال هذا النجاح وإضعاف تلك الذراع؛ وذلك عبر نشر الرعب وتشتيت جهود المقاومة بين العدو الداخلي والخارجي، عبر دعم عناصر فتح والعملاء لتقويض الأمن خلال تفجيرات تتم هنا وهناك وتستهدف شخصيات ومؤسسات لهدم دعائم الأمن في غزة ولسلب حركة حماس إنجازاتها التي حققتها في القطاع.
أعتقد أن حركة حماس تصدَّت لبعض بنود هذه الخطة ولكنها لا زالت تحتاج إلى عملٍ أكبر للقضاء على باقي بنود هذه الخطة، وأنا أرى أن عليها أن تقوم بما يلي:-
1- تقديم كل المساعدات الممكنة للفلسطينيين المحاصرين بالخارج سواء كانت مساعدات مالية أو معنوية لمكافحة الحرب الإعلامية الموجهة لهؤلاء لتحريضهم على حركة حماس.
2- الضرب بيدٍ من حديد على مثيري القلاقل وتقديمهم لمحاكمات عاجلة وسريعة، وإصدار أحكام قاسية ضدهم؛ ليكون ذلك درسًا رادعًا لمَن يخضع للإغراء ويسير على نفس طريقهم.
3- إصدار الأوامر لعناصر حماس في الضفة بعدم قبول الأمر الواقع، وعدم الاستسلام لأي مخططٍ يستهدف حياتهم وحرياتهم والتصدي بكل الوسائل الممكنة لذلك.
4- إصدار بيان أو توكيل من النواب المعتقلين لدى الاحتلال يُسقطون به مراسيم عباس وحكومة فياض، وهذا أعتقد يُغني عن حضورهم لجلسات المجلس التشريعي ويُسلب عباس كلَّ مراسيمه.
5- عدم التغني الدائم بشرعية عباس فيما يتغنى هو بعدم شرعية حكومة حماس, فتنازل واحد يجر خلفه عشرات التنازلات.
إنَّ الثقةَ بنصرِ الله تستلزم أيضًا عملاً دءوبًا، وأعتقد أنَّ على حركة حماس العملَ بشكلٍ أكبر للتصدي لهذه المؤامرة، ونحن على ثقةٍ بأن النصرَ ملازمٌ للحقِّ ولأتباع الحق مهما مكر الباطل وتجبر.. ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال: من الآية 30).
----------
* كاتب فلسطيني