كثيرٌ من السيدات عندما تتجاوز الأربعين من عمرها ينتابها أحيانًا بعض القلق والاكتئاب، كلما شعرت بتقدم السن بها، وخاصةً حين تبدأ تشعر بترهُّل العضلات، والبُطء في الحركة، فما العلاج؟ وكيف يمكن تأخير ترهُّل العضلات كظاهرة مصاحبة للتقدم في السن؟!

 

يجيب د. عبد الحميد يوسف كمال- مستشار منظمة العمل الدولية- عن هذا التساؤل؛ فيقول إن هذه المشكلة تؤرِّق الكثير من السيدات في سنِّ ما بعد الأربعين؛ حيث إن هذه السن متهمة بتغيير جسم المرأة، وفي هذه السن تشكو الكثير من النساء من العديد من الأعراض، ومنها الاكتئاب والقلق، والشعور بالوحدة، وهشاشة العظام، وبداية حدوث ترهُّل للعضلات.

 

وقد أثبتت الدراسات العلمية أن جميع هذه الأعراض ترجع إلى أسباب وراثية وبيئية، مثل نوع التغذية، والتعرض للضغوط النفسية، واعتقادات المجتمع الخاطئة حول كبار السن؛ حيث يرى البعض أن عليهم أن يخلُدوا إلى الراحة، وقد يعيبون عليهم إذا ما حاولوا ممارسة الرياضة.

 

العوامل البيئية

وعلى الرغم من أن العوامل الوراثية تلعب دورًا مهمًّا في تحديد شكل واتجاه التغييرات المتوقّعة في أواخر سنوات أعمارنا، إلا أننا يجب أن نأخذ في اعتبارنا العوامل البيئية الأخرى، والتي يمكن أن تكون ذات تأثيرات إيجابية في تحسين نوعية حياتنا، مثل نوعية التغذية، وعدم التعرض للضغوط النفسية، والأهم من كل ذلك هو ممارسة الرياضة، والتي تنحصر في ثلاث فوائد:


أولاً: الفوائد الفسيولوجية "الجسمية" للأنشطة البدنية لكبار السن، وتنقسم إلى فوائد فورية، وهي تنظيم حركة، ومستويات الجلوكوز في الدم، وتنشيط مستوى الأدرينالين ونورأدرينالين، وتوفير النوم الهادئ كمًّا وكيفًا.

 


أما الفوائد ذات المدى البعيد فتتمثَّل في التقدم الجوهري في وظائف أعضاء القلب والأوعية الدموية، ونسبة استهلاك الأوكسجين، والتحكُّم في نسبة الكوليسترول، وبالتالي تأجيل أو تجنُّب أمراض قلبية معروفة، حسبما تشير تقارير الجمعية الأمريكية للقلب.

 

بالإضافة إلى تقوية العضلات؛ مما يساعد على اعتماد كبار السن على أنفسهم، وتأخير ترهُّل العضلات إلى أكبر زمن ممكن، عن طريق الحركة الديناميكية، وذلك إلى جانب مرونة عامة في أجزاء ومكونات الجسم، خاصةً بالنسبة للقدم والساقين والركبة والأجزاء السفلية من الظهر، وكذلك الحفاظ على التوازن والتآزُر الحركي، وتأخير حدوث نكسات حركية، مثل الوقوع أو صعوبات في الجلوس والقيام، وتأخير حدوث ذلك كظاهرة مصاحبة على التقدم في السن، ومعالجة البطء في الحركة العامة إلى أكبر مدى زمني ممكن.

 

الانتعاش الدائم

ثانيًا: وللرياضة أيضًا فوائد نفسية فورية، وتتمثل في توفير الاسترخاء والراحة المصحوبة بالانتعاش الدائم، والإقلال من الضغوط وعوامل القلق، وارتفاع الروح المعنوية والمزاج الرايق.

 

أما الفوائد ذات المدى البعيد فتتمثَّل في تحسن الحالة الصحية العامة والروح المعنوية، وغالبًا يتحقق ذلك بعد مزاولة برنامج منظَّم مخطط لمدة 10 أسابيع، وكذلك تحسن الصحة النفسية والعقلية، بما في ذلك تجنُّب الاكتئاب والقلق العصبي، خاصةً بالنسبة للحالات المتوسطة والبسيطة، وتقدم معرفي عن طريق الحفاظ إلى أطول مدى ممكن على تنشيط وتفعيل الجهاز العصبي المركزي، وتحسن ملحوظ في التآزر الحركي والأدائي، وأخيرًا إمكانية اكتساب مهارات جديدة يمكن تعلمها والتدريب عليها.

 

للرياضة أسرار

وهناك فوائد اجتماعية أيضًا للرياضة، وتنقسم إلى فوائد فورية؛ حيث يتجه كبار السن عادةً إلى الجلوس؛ مما يزيدهم خمولاً، لكن مشاركتهم مع الغير في أنشطة رياضية أو حركية تساعدهم على تفعيلهم وتنشيطهم لأداء دور أكثر نشاطًا وتأثيرًا في المجتمع والاندماج الاجتماعي والثقافي، من خلال المشاركة مع الغير في أنشطة حركية أو اجتماعية أو ثقافية، خصوصًا على مستوى الألفة بين جماعات صغيرة متآلفة، أو تزاول أنشطةً ترفيهيةً مشتركة.

 

أما عن الفوائد ذات المدى البعيد؛ فنجد أن الانتظام في أداء نشاطات مشتركة مع الغير سيظلُّ من احتمالات الانسحاب أو التكاسل.

 

ويحرص كبار السن على الالتقاء بزملاء الجماعة في المواعيد النشاطية المحددة المتفق عليها، والالتزام الجماعي يشجعهم على الإقدام وعدم التكاسل، وكذلك التوسع في صداقات حديثة بحكم وحدة الهوايات أو النشاطات، من خلال الحياة المشتركة والتآلف تدريجيًّا مع جماعات صغيرة تزداد وتتسع رقعتُها، وهنا يزداد حرص كبار السن على أداء الدور المتوقع منهم في نطاق برنامج نشاطه الحركي والثقافي والترفيهي؛ التزامًا بالروح الجماعية.

 

بالإضافة إلى تدعيم فكرة تواصل الأجيال والخبرات بين كبار السن وغيرهم من المشاركين في البرنامج، من الأصغر سنًّا، كالمدربين الرياضيين والاجتماعيين والنفسيين وهيئة العلاقات العامة بالنادي مثلاً.

 

"روشتة" تفصيل

ليس في الإمكان أن نحدِّد "روشتة" موحدة يمكن تطبيقها لكل كبار السن، إذا أخذنا في الاعتبار الاختلافات والفروق الفردية في الصحة العامة واللياقة الجسمية والقدرات والخبرات السابقة، إنما يحتاج الأمر إلى تفصيل "روشتة" لإشباع احتياجات خاصة لهذه الشريحة من المواطنين، وقد يحتاج الأمر إلى تفصيل "روشتة" فردية لتلبية احتياجات شخص بعينه لظروف خاصة به.

 

ومن هنا يتعيَّن تشجيع كبار السن على الاستعانة بآراء متخصصين، وعلى وجه خاص الأطباء، إضافةً إلى أخصائيِّي الطب الرياضي، وأخصائيِّي العلاج الطبيعي، وربما يحتاج الأمر إلى استشارة النفسيِّين، وذلك كله لتفصيل برنامج النشاط الحركي الأمثل لكل منهم، وفق الظروف الفردية لكل حالة؛ فمثلاً.. كلٌّ من مريض القلب أو الفشل الكلوي أو الشلل، يحتاج أن تؤخذ حالته في الاعتبار عند وضع البرنامج النشاطي الحركي لهم.

 

كما أن النصيحة موجَّهة لكل من بلغ الأربعين وما فوق وتعوَّدوا على الجلوس في أداء أدوارهم العملية، أن يُجري فحوصًا طبيةً للاطمئنان على حالته وبشكل دوري؛ تمهيدًا لانتقالهم من حركة الكمون والجلوس، إلى مزاولة أنشطة بدنية ورياضية تدريجيًّا.

 

أفضل صورة

التمارين الرياضية ذات الإيقاع البسيط المتناغم والمتكرر والذي يَستخدم ويَستثمر مجموعة عضلات الجسم ذات فائدة مثلى في تجديد وتفصيل القدرة التنفسية، وأفضل صور هذا النشاط هو مزاولة نشاط المشي الرياضي، وكذلك العدْو بدون إسراع، وأيضًا ركوب الدراجات، ومزاولة السباحة لمسافات بسيطة ثم متوسطة.

 

واختيار أيٍّ من هذه النشاطات إنما يخضع في المقام الأول لأفضليات واهتمامات، ككبار السن أنفسهم، إضافةً لذلك فإن هناك أنشطةً أخرى يمكن لكبار السن مزاولتها، مثل الأشكال المختلفة والحركات التدريبية الخفيفة، بدون ألم، وبدون مخاطر.

 

وللحصول على نتائج إيجابية؛ فإنه أصبح معروفًا أن تكرار التدريبات الحركية مرتَين أو ثلاثًا أسبوعيًّا على الأقل، ورغم ذلك فإن تكرار هذه النشاطات 5 أو 6 أيام أسبوعيًّا يُعتبر اتجاهًا آمنًا وأكثر إيجابيةً دون مخاطر، والأهم من كل ذلك هو الانتظام والاستمرار لتحقيق الفوائد الفسيولوجية والسيكولوجية والاجتماعية؛ خشية حدوث انتكاسة يصعب تداركها عند التوقف.

 

ومعظم التمارين والأنشطة البدنية والحركية لكبار السن مقدَّرٌ لها أن تستمر حوالي من 45 دقيقة إلى 60 دقيقة، منها 15- 20 دقيقة للتسخين والإحماء وتليين العضلات، 20- 30 دقيقة لإنعاش الجهاز التنفسي، ومن 5- 10 دقائق للتهدئة، وهذه الفترات تتميَّز بالمرونة، لكن إحماء الجهاز التنفسي تتطلب مدةً لا تقل عن 20 دقيقة لتنشيط الدورة الدموية، وكبار السن الذين تعوَّدوا في حياتهم العملية على الجلوس في مقاعدهم أو الضعفاء منهم؛ فإن استمرار النشاط بالنسبة لهم قد لا يكون منطقيًّا على الأقل عند بداية مزاولتهم أي نشاط جسماني، ولأمثال هؤلاء فإن هناك تمارين أكثر بساطةً وأكثر مناسبةً؛ أخذًا في الاعتبار بطء هؤلاء في استعادة الحركة من جديد.

 

على قدر لحافك

إنه لخطأ كبير الاعتقاد بأن تكثيف البرامج الحركية أمر ضروري لتحقيق مزيد من الفوائد الفسيولوجية، والقول الشائع: "لا مكسب بدون تعب" ليس صحيحًا في حالتنا هذه، وربما يكون المثل الأكثر تقبُّلاً هو "على قدر لحافك مدّ رجليك" وهكذا، وإلا فالنتائج سوف لا تكون مرغوبًة؛ فالأفضل هو المزاولة التدريجية في مختلف النشاطات الحركية، مع إمكانية زيادة كثافتها إذا توافرت القدرة والرغبة في ذلك.

 

فاكس إلى كل من بلغ الأربعين

وحيث إن الفوائد السابق الإشارة إليها بالنسبة لكبار السن مؤكدة؛ لذا فإن النصيحة الموجهة لكل من بلغ الأربعين وما فوق ضرورة ممارسة الرياضة وبانتظام، وألا نتكاسل، ومن المعروف أن تكاسلنا بعد الأربعين والخمسين من العمر أمرٌ تمرَّسْنا عليه، وإن كان البعض يبرِّر ذلك بعدم سماح الوقت أو المال أو الدافع، أضف إلى ذلك الخوف من المخاطر أو عدم القدرة على تحمل شروط القبول في الأندية لمزاولة بعض الأنشطة، وهذه كلها حججٌ وحواجزُ خادعة.

 

كذلك فإن اتجاهات المجتمع ومعتقداته وتصوراته الاجتماعية عن كبار السن، وإمكانية مزاولتهم نشاطات رياضية وعدم الاهتمام الذاتي بهذا النوع من النشاط أمر شائع بين كثيرين من كبار السن وذويهم؛ مما يمثِّل دورًا سلبيًّا؛ لعدم اعتراف المجتمع بأهمية النشاط والتريُّض لكبار السن.

 

وقد أشار كثيرٌ من الباحثين أن المجتمع لديه اتجاهاتٌ مسبقةٌ مما هو مناسب لسلوكيات كبار السن، وقد يرى أن كبار السن عليهم أن يخلدوا إلى الراحة، وقد يعيب عليهم إذا ما حاولوا بذل نشاطات حركية وتعمَّدوا عدم إسناد أي مسئوليات لذويهم من كبار السن، على أساس أنه جاء وقتَ راحتهم، ونفس المشاعر وربما مضاعفة بالنسبة للمرأة، وكل هذه أمور تمثل حواجز معنوية ومجتمعية، يتعيَّن إبدالها أو تعديلها.