غسان مصطفى الشامي

* انظر إليهم بصمتٍ مطبق.. حالهم يغني عن سؤالهم.. استمع إلى أحاديثهم عن آلامهم العارية التي لا تخجل من السير تحت ضوء الشمس وفي وضح النهار.. أُحاول الغَوص في بحور أفكارهم حين يصمتون أمامي.. أنصت إلى صراخ أرواحهم حين تعلن دمعةٌ مكابرةٌ نفاذَ صبرهم على الصمت.. إنهم مرضى غزة.. تلفح وجههم المعاناة، وترسم تعابير وجوههم خارطة الوطن السليب.. وعبراتهم أشلالاً من دمٍ الشهيد..!!
* الحصار الشديد الخانق المفروض على قطاع غزة وإغلاق المعابر منذ أشهرٍ طوال، يُلقي بظلاله الكئيبة على الأوضاع الإنسانية في القطاع الصامد؛ فهو يتسبَّب في تدهور كارثي يطال كافة القطاعات الحيوية، وينتهك كافة الحقوق وكافة التشريعات والمعاهدات الدولية ، ليَبقى نحو مليون ونصف المليون مواطن فلسطيني داخل سجنٍ كبير، وَسط ظُروف إنسانية قَاهرة في إطار سياسة العقوبات الجماعية التي تفرضها قوات الاحتلال على أبناء شعبنا الفلسطيني الذي يسجل يوميًّا أروعَ أمثلة الصمود الأسطوري في وجه العقوبات الجماعية والحصار الظالم، فأكثر من ألف مريض في قطاع غزة تتعرض حياتهم لخطر الموت جراء الحصار المفروض على القطاع الذي يمنعهم من المغادرة، وهم بحاجة ماسَّة للعلاج الفوري خارج قطاع غزة.
* في غزة هاشم هذه المدينة الآمنة الجميلة، يعيش المرضى فيها بؤسًا وشقاءً كبيرًا؛ فهم يعانون الأمرَّين جراء هذا الحصار، الذي حرمهم من الحُصول على أبسط حُقوقهم الآدمية التي كفلتها لهم كافة الشرائع والقوانين؛ فهم في انتظار الموت البطيء، والمتجول في مشافي قطاع غزة يقف على المعاناة الشديدة لهؤلاء المرضى الذين تقطعت بهم السبل، من أطفال ونساء وشيوخ، ومرضى سرطان ومرضى الفشل الكلوي، جميعهم حالهم يغني عن سؤالهم، وكل يوم يأملون الفرج القريب لكربهم وينتظرون حل أزمتهم المتفاقمة.
* على سرير المرض في قطاع غزة تشاهد المئات من الحالات وهم في حيرة من أمرهم وإلى من المشتكى؟! الطفلة "ديانا" ابنة الخامسة عشر ربيعًا ما بقي لها "جثة هامدة لا تقوى على شيء.. ما زالت في طفولتها لكنها ليست كغيرها من الأطفال الذين يمرحون ويلعبون، فقد ابتلاها الله بالمرض من صغرها، لكن الحصار لم يرحمها، وزاد معاناتها، واستغاثاتها لم تصل بعد إلى آذان صاغية"؛ فهي تُعاني من مرض السكري منذ ثلاث سنوات وتحتاج لفحوصات ومضخة تكلفتها 15 ألف دولار لا توجد إلا في الخارج، لكن الحصار قتل حلمها بالعلاج، وأرقدها المشفى في انتظار الموت بلا رحمة، مثل هذه الطفلة يعيش الآلاف من المرضى في قطاع غزة يعانون الويلات جراء الحصار الظالم المفروض على قطاع غزة!!.
* فها هم مرضى الفشل الكلوي في قطاع غزة يعانون أيضًا من الموت البطيء، في ظل نقص الأدوية الخاصة بهم المنقذة لحياتهم، خاصةً أن أجسام العديد منهم تتسمَّم بسبب عدم توفر هذه الأدوية، وبسبب عدم مقدرة أهالي المرضى على شراء تلك الأدوية لتكلفتها العالية.
وبحسب وزارة الصحة الفلسطينية، فإن الحصار المفروض على قطاع غزة حال دون وصول الأدوية الخاصة بمرضى الكلى؛ الأمر الذي يهدِّد حياة المئات من مرضى الكلى بشكل مباشر؛ بسبب انخفاض معدلات غسيل الكلى، كما أن المشكلة تكمن في أن مريض الكلى ليس كأي مريض عادي؛ "إذ إن خفض معدلات الغسيل من ثلاث مرات أسبوعيًّا- على سبيل المثال- إلى مرة واحدة، نتيجة نقص الأدوية يعني أن المواد الكيماوية والسامة تتراكم داخل جسده، ما يؤدي إلى ما يعرف بالموت البطيء".
* لعل آهات المرضى وأنينهم وعذاباتهم توقظ الضمير العالمي من سباته العميق، والقلوب التي تجمدت في ثلاجاتها، من أجل إنقاذ حياة هؤلاء المرضى الذين ينتظرون الموت البطيء.
----------------