- الانقلاب الثوري على السلطة القائمة يأتي بحاكم جديد مستبد
- جماعة الأمة القبطية هي البذرة الأولى لأقباط المهجر
كتب- عمرو محمود
حصل الباحث كامل عبد الفتاح أحمد عبد الفتاح بحيري على درجة الدكتوراة مع مرتبة الشرف كلية الآداب، جامعة بنها: كان موضوع الرسالة "التطور الفكري لدى جماعات العنف الدينية من سنة: 1951م وحتى: 1981م"، قسم التاريخ، تحت إشراف الدكتورة آمال كامل بيومي السبكي.
أكد الباحث أن العودة إلى الدين ظاهرة اجتماعية تتغلغل في أوساط اجتماعية عديدة وانفجرت عدة تنظيمات إسلامية سياسية وظفت نمطًا من التأويلات الفقهية لتبرير العنف الاجتماعي والسياسي ضد الصفوة الحاكمة، وذلك يشير إلى أن الظاهرة الإسلامية في مصر أصبحت إحدى الظواهر السياسية والاجتماعية الأبرز في حياة المجتمع والدولة والنظام السياسي المصري.
اعتمد الباحث في الدراسة على الوثائق الفكرية للجماعات الإسلامية المنشورة مثل وثيقة "رسالة الإيمان" للدكتور صالح سرية، ووثيقة "الخلافة" لشكري مصطفى ووثيقة "الفريضة الغائبة" لمحمد عبد السلام فرج، وغيرها من الوثائق التي نشرها الدكتور رفعت سيد أحمد في كتابه الوثائقي "النبي المسلح"، وكذلك الوثائق المهمة التي عثر عليها عبر صفحات الإنترنت، ومنها الوثائق والخطب التي نشرت على مواقع الرئيسين عبد الناصر والسادات، وكذلك موقع مجلس الشعب المصري، ومواقع الحكومة المصرية والهيئة العامة للاستعلامات وغيرها، بالإضافة إلى المواقع المسيحية كموقع الكنيسة المصرية، ومواقع نصارى المهجر حيث نشرت مطالب الأقباط ووثائقهم وكذلك مواقع الجماعات الإسلامية.
وكذلك البيانات الرسمية الصادرة عن الدولة أو عن الهيئات الإسلامية، أو المسيحية، بل وتتبعت المنشورات التي تم توزيعها في تلك الفترة أو التي نشرها بعضهم في بطون الكتب، وتتبعت القوانين والقرارات والدساتير التي تخص الدراسة، والتي صدرت منذ قيام ثورة يوليو وحتى اغتيال السادات.
والبحوث والدراسات التي أجراها المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية حول الجماعات الإسلامية واستطلاع الرأي العام في مصر حول تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية على جرائم الحدود.. وغيرها، والتسجيلات الصوتية لمرافعات الدكتور عبد الله رشوان في قضايا الفنية العسكرية، والتكفير والهجرة وجماعة الجهاد، واعترافات الدكتور صالح سرية وكارم الأناضولي أمام المحكمة في قضية الفنية العسكرية، والمناقشات التي دارت على الفضائيات العربية حول قضايا وموضوعات الدراسة، كما اطلع على أعداد تقرير الحالة الدينية الأول، والثاني، ولم يصدر غيرهما؛ حيث تم عرض شامل للظاهرة الدينية؛ ولكن لوحظ وجود تقسيم طائفي في التقارير حيث كتب المسلمون عن الظاهرة الإسلامية وكتب المسيحيون عن الظاهرة المسيحية.
أوضحت الرسالة أن الكتابات العلمية والصحفية ركزت على عوامل نشوء الظاهرة الإسلامية السياسية فقط وتقسيماتها التنظيمية ومواقفها وسياساتها تجاه الدولة، كما ركزت على سياسات الدولة الأمنية تجاهها، أو دراستها كحركة اجتماعية أو تحليل لرؤى الصحافة للجماعات الإسلامية، وذلك في الوقت الذي غاب فيه رصد بقية الظواهر الدينية المسيحية، رغم أن الحوادث الطائفية التي تقع بين الحين، والآخر بين طرفين، ولا يمكن أن يتم تحميل أحد الأطراف وزرها، لذا تتطلب دراسةً على الجانبين.
باستثناء بعض الدراسات النادرة التي قامت بها مراكز بحثية لم تمحص مواقفها وانتماءاتها المرجعية وباستثناء بعض الدوريات التي عالجت ظواهر خاصة كدراسة ظواهر العنف في مصر، وكتابات الدكتور رفعت سيد أحمد حول تنظيمات الغضب الإسلامي، يمكن القول مع بعض التحفظ إن الدراسات في هذا المجال في طور أولي ولا تزال تقع في دائرة العلوم السياسية، والاجتماعية، ومناهجها التنظيمية والسلوكية وتفتقر إلى التحليل الذي يتلاءم مع الظاهرة بسماتها، وخصائصها المصرية كما أنها لا تتعمق في دراسة الأطر الفكرية وأبعادها المختلفة.
تقسيم الرسالة
تناولت الرسالة "التطور الفكري لدى جماعات العنف الدينية في مصر من 1952: 1981"، كما حدد المكان بمصر حتى لا يتطرق إلى الجماعات الدينية خصوصًا الإسلامية خارج مصر، وإن كان قد تطرق لمسيحيي المهجر، وذلك لتأثيرهم المباشر على مسيحيي الداخل. كما حدد بداية الفترة الزمنية للدراسة بعام 1952 لأنه العام الذي قامت فيه ثورة 23 يوليو 1952م والذي يعد بداية عهد جديد وحقبة تاريخية جديدة في تاريخ مصر الحديث، كما امتدت الدراسة لتشمل عهد الرؤساء محمد نجيب وجمال عبد الناصر، والرئيس محمد أنور السادات باعتبار الأخير من أعضاء مجلس قيادة الثورة ويعد عهده امتدادًا لثورة يوليو، واختتمت فترة الدراسة بعام 1981م، لأنه العام الذي شهد قمة الصراع الديني في مصر باغتيال الرئيس السادات.
الدراسة تم تقسيمها إلى مقدمة، وتمهيد تاريخي وخمسة فصول وخاتمة ثم ملاحق الدراسة ثم المصادر والمراجع؛ وقد تناولت المقدمة أسباب اختياري لموضوع الدراسة، أما التمهيد التاريخي فقد تناول جذور العلاقة بين الإخوان المسلمين والضباط الأحرار، كما تناول علاقة الإخوان بثورة يوليو.
وتناول الفصل الأول التدابير الخاصة بحماية ثورة يوليو من خلال موقف الرئيسين جمال عبد الناصر، والسادات من الديمقراطية والأحزاب والدستور والتنظيمات السياسية التي أقيمت في عهد كل منهما. كما تناول موقف كل منهما من القضاء والعدالة ومدى استقلال القضاء في عهديهما.
وتناول الفصل الثاني التوجه الديني للرئيس جمال عبد الناصر من خلال السيطرة على المؤسسات الدينية مثل السيطرة على الأوقاف، وإلغاء المحاكم الشرعية، والسيطرة على الأزهر، والتوظيف الناصري للدين، وخطة القضاء على الإخوان المسلمين، كما تناول التوجه الديني للرئيس السادات من خلال مواقف السادات من الإخوان المسلمين، التيار الإسلامي في الجامعات، الأزهر، الشريعة الإسلامية، قانون الأحوال الشخصية، وموقفه من الثورة الإيرانية.
وتناول الفصل الثالث موقف المسيحيين من الثورة، كما تناول الجماعات الدينية المسيحية وجماعة الأمة القبطية، ومسيحيي المهجر، ومدارس الأحد، وموقف الرهبان الجامعيين من الكرسي البابوي، وعلاقة البابا كيرلس بالرئيس عبد الناصر، وجميعها تعد الدراسة الأولى في الجامعات المصرية، وأخيرًا التبشير بالدين المسيحي بين المسلمين.
![]() |
|
الرئيس الراحل محمد أنور السادات |
وتناول الفصل الخامس جماعات العنف الإسلامية في عهد السادات مثل جماعة الفنية العسكرية وجماعة التكفير والهجرة وجماعة الجهاد من خلال دراسة نشأة كلا منهم، وتحليل الأطر، والمواقف الفكرية، وحوادث الصدام مع السلطة التي انتهت بحادث المنصة واغتيال السادات، والخاتمة أوضحت الصعوبات التي واجهتني وخلاصة ما توصلت إليها الدراسة.
توصلت الدراسة إلى أن ثوار يوليو قد رفعوا شعار إقامة حياة ديمقراطية سليمة، لكن الشعار تحطم بانفراد عبد الناصر بالسلطة وإلغاء الدستور وحل الأحزاب السياسية، وفشلت جميع التنظيمات التي أقامتها السلطة لتطويع واحتواء الحركة السياسية في أعقاب حل الأحزاب السياسية لأن ولادتها كانت مصطنعةً بناءً على إرادة السلطة لتبرر سياساتها أمام الرأي العام، فقد كممت الأفواه، ولم يسمح بأي معارضة، وتعددت الدساتير المؤقتة، وتعددت معها أشكال الاعتداء عليها، كما عانى المعارضون من أشكال الإهانة والتعذيب وغابت العدالة تحت وطأة سياط التعذيب والقوانين الاستثنائية والمحاكم العسكرية، واختتم عبد الناصر حكمه بمذبحة مدوية للقضاء والعدالة.
كما تبين أن الرئيس السادات- الذي شارك في كل ما وقع في عهد عبد الناصر من أحداث- قد بدأ عهده بإغلاق المعتقلات والإفراج عن المعتقلين السياسيين وإصدار الدستور الدائم، ونشر حرية الصحافة، وإعادة القضاة المفصولين إلى أعمالهم، وأنشأ المنابر ثم أعاد العمل بنظام الأحزاب السياسية، وسمح لكل الاتجاهات بالعمل السياسي إلا التيار الإسلامي بحجة عدم قيام حزب على أساس ديني، وأثبتت التجربة الحزبية أن السادات أراد ديمقراطيةً وأحزابًا تحت السيطرة، وكانت القوانين الاستثنائية سيفًا مصلتًا على الرقاب، وعندما اشتدت المعارضة لنظام السادات قام بالانقضاض على الديمقراطية التي بدأها فصادر الصحف واعتقل الصحفيين وألغي تراخيص الصحف المعارضة وأصدر في سبتمبر 1981م قرارًا باعتقال 1536 من خصومه السياسيين من جميع الاتجاهات ثم نقل 64 من أعضاء هيئات التدريس في الجامعات إلى أعمال إدارية، وبذلك عادى جميع طوائف الشعب مرةً واحدةً، وجمع البلد كلها في خندق واحد ضده، ووصف السادات ديمقراطيته بأن لها مخالب وأنيابًا.
وأكدت الرسالة أن الدين مَثَّل أحد مصادر شرعية النظام الناصري وكان له دور حيوي في عمليات التنمية وتأييد قرارات التأميم والقوانين الاشتراكية، وتم توظيف المؤسسة الدينية، وعلى رأسها الأزهر في الدفاع عن النظام الاشتراكي الناصري، وكذلك في الهجوم على الحلف الإسلامي باعتباره صورةً أخرى لحلف بغداد الاستعماري.
وقد تنوعت استخدامات الثورة للدين ففي البداية تم استخدام الدين من أجل تحويل الانقلاب العسكري إلى ثورة شرعية، ثم تمت السيطرة على المؤسسات الدينية عن طريق تأميم الأوقاف الإسلامية وإلغاء المحاكم الشرعية؛ ثم جاءت السيطرة على الأزهر من خلال قانون تطوير الأزهر، كما حاول الرئيس عبد الناصر القضاء على الإخوان المسلمين حتى لا تكون هناك معارضة على أرضية إسلامية ضده، وجاءت هزيمة 1967م فاستخدم الدين مرة أخرى في التعبئة والمقاومة.
ثم جاء السادات فظهر بمظهر ديني تميز به عن سلفه عبد الناصر، وأطلق على دولته دولة العلم والإيمان، واتجه لإتمام المصالحة- التي بدأها في عهد عبد الناصر- مع الإخوان المسلمين وسمح للإسلاميين ببعض الحرية التي منحها لكل الفئات، واعتمد بشكل أساسي على المؤسسة الدينية الرسمية وعلماء الدين لإضفاء شرعية دينية على سياساته وتوجهاته، ثم جعل مبادئ الشريعة الإسلامية مصدرًا رئيسيًّا للتشريع في المادة الثانية من الدستور، وأمر بوضعها في قوالب قانونية ثم عَدل السادات الدستور 1980م وجعل الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع؛ لكن بعد تقنين الشريعة الإسلامية وضعت العقبات أمامها ولم يؤد ذلك إلى تطبيقها، كما لم يمنع ما يخالف الشريعة ولم يهيئ المجتمع لتطبيقها، ثم انقلب على التيار الإسلامي المعارض لسياساته، وغَيّر اللائحة الطلابية، وأعلن معاداته للثورة الإيرانية ثم استضاف الشاه المخلوع في مصر، وأعلن أنه لا سياسة في الدين، ولا دين في السياسة، وانتهى به المطاف لاعتقال العلماء والسخرية منهم ومن الزي الإسلامي. فأثبت السادات أن توجهه الديني كان مجرد وسيلة سياسية.
اتضح من الدراسة أن قرار حل الأحزاب السياسية خصوصًا حزب الوفد أدى إلى اختفاء القيادات السياسية المسيحية، وعندما اصطدم عبد الناصر بالإخوان المسلمين أبدى المسيحيون ارتياحًا لضرب الإخوان، ورغم إقصاء الإخوان حدث ضمور في تمثيل المسيحيين في المجالس النيابية، واتضح استحالة وصولهم إلى المجالس النيابية عن طريق الانتخابات، فأغلق عبد الناصر بعض الدوائر على مرشحين مسيحيين؛ فلم تكن تجمعات المسيحيين قادرةً في أية انتخابات على إنجاح مرشح مسيحي، واستخدم رئيس الجمهورية حقه في تعيين عشرة أعضاء في مجلس الأمة بأن أصبح أغلب المعينين من المسيحيين لاجتذابهم.
وقد تأثر أثرياء المسيحيين بصدور قوانين الإصلاح الزراعي وقوانين يوليو الاشتراكية؛ لأن نسبتهم بين الأغنياء أعلى من نسبتهم العددية داخل المجتمع، لذا كانت خسارتهم أعلى من غيرهم. فقد حظي المسيحيون بالدور السياسي والثراء قبل الثورة وتمتعوا بوضع اقتصادي أفضل من بقية المصريين في ظل الاحتلال البريطاني والحماية الأجنبية، كما أدت سياسات الثورة إلى انزواء الصفوة المسيحية، وهروبها بعضها إلى الخارج بعد انخفاض دورها كممثل للكنيسة، وبذلك أُتِيح للكنيسة دور أكبر في تمثيل المسيحيين لدى الدولة، وإن ظل محدودًا في الحقبة الناصرية.
وألغت الثورة المحاكم الشرعية والمجالس الملية، كما ألغت الكثير من المدارس الأجنبية، والتنصيرية وأخضعتها لرقابة الدولة، وحققت المساواةَ بتعميم مجانية التعليم وإلحاق الطلبة بالتعليم العالي عن طريق مكاتب التنسيق، كما التزمت الدولة بتعيين الخريجين بالوظائف عن طريق مكاتب العمل ثم القوى العاملة مما حقق المساواةَ في فرص العمل للخريجين والالتزام في ترقية العاملين بالحكومة والقطاع العام بنظام الأقدمية دون تمييز بين المسلمين والمسيحيين، ولكن طالب المسيحيون بزيادة وجودهم في المناصب العليا بنسبة تفوق نسبتهم العددية.
وتوصلت الدراسة إلى وجود جماعات مسيحية تخفي أهدافها وتتبع مبدأ التقية- طبقًا لكتابات الدكتور رفيق حبيب- وترفض المجتمع وتنعزل عنه وتحاول خلق مجتمع بديل، ثم تنعزل عن الكنيسة وتتهمها بالخروج عن الدين وتتجه إلى طريق التكفير فتكفر قيادات الكنيسة ثم تكفر أعضاء الكنيسة لاتباعهم لهذه القيادات وتتسع دائرة التكفير لتشمل الأسرة والمجتمع.
والقائد في الجماعات المسيحية يميل إلى الاتجاه الديكتاتوري حيث تكون له سلطة دينية مطلقة "ثيوقراطية"، ثم يصبح القائد ممثلَ الله على الأرض وتتحقق لقادة الجماعات الدينية درجة من السلطة تؤهلهم للتحكم في مصير أعضاء الجماعة حسب إرادتهم الشخصية.
مدارس الأحد
كانت مدارس الأحد إتمامًا لمشروع حبيب جرجس لمواجهة تأثيرات المنصرين الأجانب، وحماية النشء المسيحي من الإرساليات الأجنبية التبشيرية وغيرها، واستطاعت التوسع في مجالات النشاط لتشمل الجوانب الدينية والحياتية والاجتماعية. فكانت مجالاً يجد فيه الأطفال والشباب فرصةً لممارسة النشاط الاجتماعي، ومن خلال هذه البيئة استطاعت الكنيسة تنشئة جيل كنسي أرثوذكسي له انتماءاته المحددة، ومن خلالها تكون الفرد الكنسي أو عضو الكنيسة.
وقد أفرزت تلك المدارس أعضاء الكنيسة وقيادتها وكوادرها الجديدة ثم أصبحت المؤسسة التكوينية التي تمد الكنيسة برعاتها، كما خرجت أيضًا جماعة الأمة القبطية من عباءة مدارس الأحد حيث رفعت شعارات "الإنجيل دستورنا"، و"القبطية لغتنا"، و"الموت في سبيل المسيح أسمى أمانينا"، على غرار شعارات الإخوان، واقتحمت دار البطريركية وأجبروا "الأنبا يوساب" على التنازل عن العرش البطريركي في 24 يوليو 1954م، وقد أثارت الجماعة العديد من الأفكار مثل فكرة القومية المصرية، وأن الأقباط البقية الباقية من سلالة المصريين القدماء، وأنهم أصحاب الأرض أما المسلمون فدخلاء يجب طردهم. رغم إجماع علماء تاريخ الأجناس على وحدة العنصر المصري منذ ما قبل التاريخ حتى وقتنا الحالي.
وقد استغل المسيحيون هجرة الكثير منهم إلى أمريكا وكندا "بلاد المهجر"، وتكونت جماعات تحمل أفكار جماعة الأمة القبطية، وغالت فيها إلى أقصى مدى فاستعانوا بالغرب واستخدموا الضغط الدولي على الحكومة المصرية، وادعوا أن المسيحيين مضطهدون وتميزت دعاواهم بالمغالاة والطائفية وعدم مراعاة مصلحة الوطن، وتصوروا أن الدفاع عن مسيحيي مصر يكون من المهجر بعيدًا عن حق المواطنة والوطن؛ لأنهم اهتموا بالدفاع عن طائفة من أبناء مصر، وليس الدفاع عن مصر كلها، وبهذا أصبحوا خطرًا على الوحدة الوطنية، وظهر لبعضهم نزعات تغريبية من حيث التعلق بالنمط الغربي، والاستعلاء الحضاري بالحديث عن كونهم القطاع الأرقى، أو الجنس الفرعوني النقي.
وأصبح للكنيسة امتدادات في الخارج بعيدًا عن سلطة الدولة إضافة إلى أن الدولة ليس لها سلطة أصلاً على الكنيسة في داخل مصر، فالكنيسة مستقلة في كل شئونها، ولديها الحرية في الاتصال، وإقامة علاقات مع الخارج في كل بلاد العالم، وأصبح لها فروع في كل العالم.
وبناءً على التطورات الجديدة التي طرأت على البناء الكنسي في مصر فقد هاجرت مجموعات من الشباب المسيحي من المجتمع إلى الكنيسة؛ لاعتقادهم أن السيطرة على شئون الكنيسة تتركز في أيدي الرهبان الذين يرأسون الأديرة أو يشغلون مراكز الأساقفة، وبالتالي يكونون المجمع المقدس، وكان واضحًا لهؤلاء الشباب أن قوة الكنيسة، وقوة المجتمع القبطي تكمن في الأديرة ولكي ينفذوا إلى أعماق المجتمع القبطي فلا بد من السيطرة على الإكليروس.
كان ذلك في وقت مشاركة الأقباط بقوة في الحياة السياسية من خلال حزب الوفد قبل ثورة 23 يوليو؛ فالمجتمع لم يكن هو الذي عزل المسيحيين أو أن السياسيين هم الذين عزلوهم بل المسيحيون هم الذين انسحبوا بناءً على عقائدهم ورغبة في اختراق الكنيسة والقضاء على نظامها التقليدي، ووصولاً إلى السيطرة على الإكليروس، والكنيسة ثم السيطرة على المجتمع، وعلى رأس الرهبان الجامعيين كان نظير جيد الذي أصبح فيما بعد "الأنبا شنودة الثالث"، وغيره الكثيرون.
أما على جانب العلاقات السياسية بين الكنيسة والثورة، فقد تميزت العلاقة بين الرئيس عبد الناصر والبابا كيرلس في إطار من التفاهم، والود لأن البابا لم تكن لديه أية تطلعات سياسية أو دنيوية، وركز جهوده في رفع مستوى الطائفة دينيًّا وثقافيًّا، وهي أمور كانت تتماشى مع التقاليد الأصيلة للكنيسة المصرية في الفصل بين الدين والدولة وفي نفس الوقت تتفق مع اتجاه الرئيس عبد الناصر في إبعاد الصبغة الدينية عن شئون الحكم، وتم توظيف التوافق الشخصي بينهما من أجل المصالح المشتركة للدولة والكنيسة.
لكن استغل بعض المسيحيين فرصة الحرية الدينية المكفولة لهم من الدولة في محاولة نشر التنصير بين المسلمين، واشتركت الكنيسة "الأرثوذكسية" في الهيئات والمنظمات التنصيرية العالمية، وفي مجلس الكنائس العالمي الذي هَدَفَ إلى نشر المسيحية بين المسلمين، وتمكن من السيطرة على حركة التنصير العالمية.
التنصير
أثبتت الرسالة قيام بعض الجمعيات المسيحية بنشاط تنصيري، وانتشار كتب تشكك في عقيدة المسلمين صادرة من الكنيسة الأرثوذكسية، وبعضها صادر عن دور نشر تنصيرية في أوروبا، والولايات المتحدة مطبوعة باللغة العربية وبعضها الآخر مجهول الهوية، مما أثار المسلمين ومهدت الطريق للعنف الديني، وزاد من التوترات الطائفية قيام بعض الشباب المسيحي بتوزيع المنشورات التنصيرية.
![]() |
|
البابا شنودة |
كما بالغ المسيحيون في حساب عددهم بهدف زيادة تمثيلهم في الوظائف الكبرى والمجالس النيابية في الدولة، وقد رفض السادات الحديث عن النسبة العددية للمسيحيين في الوظائف العامة حتى لا ينتقل إلى وضع طائفي كما في لبنان ولكنه استجاب لبعض مطالب البابا فكان له رأي مسموع من الحكومة في اختيار أعضاء المجلس الملي، وفي تعيينات مجلس الشعب، وكان رئيس الوزراء يطلب منه ترشيح بعض الأشخاص لكي تختار الحكومة المعينين من بينهم، وزاد السادات من عدد الوزراء المسيحيين، وقام بتعيين اللواء فؤاد عزيز غالي قائدًا للجيش الثاني الميداني بعد حرب أكتوبر 1973م، ثم محافظًا لسيناء.
وقد بدأت أحداث العنف الطائفي بحادث الخانكة الذي ثبت أنه كان مفتعلاً وجاء في مرحلة حساسة من تاريخ مصر كانت تحتاج لتضافر الجهود، والوحدة من أجل مواجهة الاحتلال "الإسرائيلي" للأراضي المصرية لكن رئاسة الكنيسة لم تراع الظرف التاريخي، وواجهت الموقف بحدة، وقام البابا شنودة باستعراض القوة بأن أرسل الكهنة بالعشرات إلى المبنى الصغير المحترق لإقامة القداس، فغضب الرئيس السادات وخشي من أن انفجار المسألة الطائفية من شأنه أن يعرقل احتمالات المعركة المحتملة مع "إسرائيل"، ثم عالج الموقف بحكمة، وطلب من مجلس الشعب أن يبحث- بطريقة محايدة- الاحتكاكات الطائفية لخطره على وحدة الأمة، وحلاًّ لمشكلة بناء الكنائس وعد السادات البابا شنودة ببناء خمسين كنيسةً سنويًّا، وسمح لأول مرة ببناء كنائس في المدن الجديدة حين أمر بوضع حجر الأساس لكنيسة العاشر من رمضان بمشاركة رجال الأزهر، وقد اعترف البابا شنودة بعدم وجود مشكلة في بناء الكنائس فلا يوجد قبطي يفتقد مكانًا يتعبد فيه، والواقع أكد أن عدد الكنائس بالأرقام الرسمية وبالمشاهدة يزيد كثيرًا عن احتياجات المسيحيين ناهيك عن الحديث عن مساحاتها الضخمة التي تزيد أضعافًا عن مساحات المساجد.
وكانت سياسة السادات تجاه الأحداث الطائفية المتفرقة بعد تحقيقات النيابة العامة، بحث إيجاد سبيل للمصالحة بين المسلمين والمسيحيين، للقضاء على الضغائن، وكان يجتمع- حلاًّ لذلك- مع المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ومع الأساقفة والمطارنة وأعضاء المجمع المقدس.
الشريعة والمسيحيون
وقد رفض المسيحيون الشريعة الإسلامية- رغم محاولة العلماء المسلمين طمأنتهم بأنه لن تمس عقائدهم ولا شرائعهم- واعتبروا أن مصالحة السادات للإخوان المسلمين ومنحه الحرية للجماعات الإسلامية موجهًا ضدهم، ومن ثم تصاعدت ضغوطهم على الدولة منذ إعلان الدستور الدائم 1971م، فاستغلوا حادث الخانكة بقوة لتحقيق مطالبهم، وعقدوا المؤتمر القبطي يناير 1977م، وقرروا الصيام، وأن يظل المؤتمر منعقدًا حتى العدول عن التفكير في تطبيق قوانين مستمدة من الشريعة الإسلامية؛ فأثار شيخ الأزهر الدكتور عبد الحليم محمود، الذي رد بعقد المؤتمر الإسلامي في يوليو 1977م، وقرر أن أي قانون أو لائحة تعارض تعاليم الإسلام تعتبر ملغاةً وكأنها لم تكن، وأعلن أن تطبيق الشريعة الإسلامية وأحكامها لا يرتهن بقيام البرلمان بإصدار تشريعاته، وأن التأخير في تطبيق الشريعة الإسلامية مراعاةً لمشاعر غير المسلمين لا يمكن قبوله.
فضاعف البابا شنودة من ضغوطه وأصر على معارضة قانون الردة ودعا إلى صيام جماعي والصلاة في جميع الكنائس في الأسبوع الأول من سبتمبر 1977م، حتى ألغت الحكومة مشروع القانون، وعندما قرر الرئيس السادات تعديل الدستور وجعل الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، قرر البابا عدم الاحتفال بذكرى تقلده الكرسي البابوي، واعتكف في دير الأنبا بيشوي، ثم استغل البابا حدوث صدام بين الطلاب المسيحيين والطلاب المسلمين في بيت الطلبة في الإسكندرية في 18 مارس 1980م، واتخذ قرارًا بعدم إقامة المراسيم والاحتفالات والاستقبالات الخاصة بعيد القيامة، وعدم تبادل التهاني المعتادة مع رئيس الجمهورية، وأمر كل رجال الكنيسة بعدم تَقَبُل التهاني بعيد القيامة من أي مسئول رسمي تبعث به الدولة لتهنئة الأقباط كما جرى التقليد من قبل، وقد ساء السادات تصرف البابا لأن النزول بالأزمة إلى الشارع يعنى تمامًا احتمال وقوع أحداث دامية، وخاصةً في الأحياء الشعبية، أو القرى الصغيرة، وإذا تدخلت الدهماء فإنه لا توجد حكومة تستطيع أن توقف أنهار الدماء.
وكان الموقف نتيجةً لاعتراض البابا؛ استغلت القوى المسيحية الغربية مواقف البابا، وانطلقت الحملات الإعلامية الشرسة ضد مصر في العواصم الأوروبية وكانت احتجاجات البابا شنودة إيذانًا بهجوم مسيحيي المهجر على السادات في خطابهم الموجه إلى مصر وخارجها، والذي يدور حول الاضطهاد، وعندما سافر السادات إلى الولايات المتحدة الأمريكية في اليوم التالي لعيد الفصح الذي تقرر عدم الصلاة فيه، فوجئ بمنشور يتضمن حيثيات قرار المجمع المقدس يوزع في أمريكا أمام "البليرهاوس" واستقبله الأقباط المسيحيون أمام البيت الأبيض وأمام الأمم المتحدة بالمظاهرات.
أيد البابا زيارة الرئيس للقدس وباركها، وأعلن أن السادات رجل واحد بملايين الرجال، ولتحسن العلاقة بين البابا والسادات منح السادات الميدالية الذهبية التي حصل عليها من مجلس الكنائس الميثودي العالمي بأمريكا جائزة السلام لعام 1978م للبابا شنودة، لكن العلاقات توترت مرة أخرى عندما رفض البابا تشجيع الأقباط للسفر إلى بيت المقدس، ووجه نصيحةً إلى الأقباط البارزين في مجال السلطة بأن يقللوا من ظهورهم في مجال العلاقات مع "إسرائيل" وقرر حرمان من يسافر إلى تل أبيب من التناول، وبذلك أقام البابا حكومةً دينيةً مسيحيةً تحكم الشعب القبطي ولا يستطيع أحد أن يخرج على سلطة البابا الذي يتحدى الحاكم وسلطة الدولة.
أوجدت مواقف البابا تيارًا معارضًا له في الكنيسة القبطية تزعمه متى المسكين الذي رأى أنه كلما خرجت الكنيسة عن اختصاصاتها، ونزعت إلى السلطان الزمني، وطالبت بحقوق عنصرية وطائفية؛ فشلت في تأدية رسالتها، لذلك يجب عليها ألا تتدخل في الأمور الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية لأنها ليست من اختصاصاتها لكن مقالات متى المسكين، وغيره لم تجد صدًى واسعًا بين الأقباط بسبب سيطرة البابا على الكنيسة وشعبها.
ونتيجة الاعتداءات المسيحية على الدين الإسلامي رفض الإمام الأكبر الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الأزهر مؤتمرات الحوار بين الأديان، وأعلن أنه رغم أن المسلمين يحترمون المسيح، وأمه عليهما السلام؛ إلا أن المسيحيين يهاجمون رسول الإسلام ويهاجمون مبادئ الإسلام، ويرفضون مجرد الاعتراف بوجود دين يسمى الإسلام، رغم أن الإسلام هو العامل الأكبر في تثبيت المسيحية حين اعترف بوجود المسيح عليه السلام وحين برأ أمه، وطالب بالاعتراف بالدين الإسلامي وبرسوله حتى ينال المسلمون في أوروبا ما يناله اليهود من الاعتراف بأعيادهم وبشعائرهم.
ونتيجة لزيادة الشحن الطائفي شهدت مصر في يونيو 1981م أسوأ حوادث الفتنة الطائفية في حي الزاوية الحمراء، وأهمية الحادثة في كونها أظهرت الاستقطاب الطائفي الشديد الذي جرى في المجتمع المصري. كما أظهرت الأساليب الملتوية للمسيحيين لبناء الكنائس على أرض أوقاف المساجد، وتسبب الحدث في استنفار بين المسلمين واستطاعت قوات الأمن وأجهزة الشرطة السيطرة على الموقف كليًّا مما قلل عدد الإصابات والإتلاف في الممتلكات وقد أمر الرئيس السادات بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق عن أحداث الفتنة الطائفية عام 1981م في مجلس الشعب، وقد ألقت اللجنة بالمسئولية عن الأحداث الطائفية على الجماعات الإسلامية وعلى سياسة البابا شنودة الذي يسعى للصدام وإشعال الفتنة.
![]() |
|
المستشار حسن الهضيبي |
اتفقت الجماعات الإسلامية على أن نظام الحكم في مصر لا يطبق الشريعة الإسلامية لكن اختلفوا في التعامل معه، فبينما رفض الإخوان المسلمون كل أشكال التكفير واستخدموا كل وسائل الدعوة المتاحة لحث الحكومات المتعاقبة على تطبيق الشريعة الإسلامية، لكن خرجت جماعات منشقة تحت سياط التعذيب فوقعت في مستنقع التكفير.
وقد حاولت جماعة الإخوان تصحيح الأفكار والمفاهيم الخاطئة، فكتب المرشد حسن الهضيبي مؤلفه "دعاة لا قضاة"، للرد على الأفكار المتطرفة، وأحدث الكتاب والمناقشات التي دارت حوله أثرًا محمودًا، وأدى إلى ترك كثير من الأفراد للتكفير، فيما عدا شكري مصطفى الذي تزعم فكر التكفير ونصب نفسه إمامًا لمؤيديه وسجل فكره الجديد، واعتبر أنه لا توجد جماعة على الحق غير جماعته، واستغلت جماعة التكفير والهجرة الفراغ الثقافي والقيمي الذي يعانيه الشباب، وحاول كسب المؤيدين من خلال علاقات الصداقة والقرابة فتميزت جماعته بطابع أسري كما تميزت بإقامة بيئة متكاملة منعزلة عن المجتمع خصوصًا في الصعيد تمهيدًا للوصول إلى القوة اللازمة للانقضاض على المجتمع.
وكانت آثار النكسة قد أحدثت في نفوس الشباب رد فعل عنيفًا إلى الدين، فكانوا آذانًا صاغيةً لدعوة التكفير، ثم وقعت الجماعة في خطيئة اختطاف الدكتور محمد حسين الذهبي، وزير الأوقاف وقتله مما أثر بالسلب على العلاقة بين الدولة والجماعات الدينية.
في المقابل اقتصرت جماعات الجهاد على الحكم بالكفر على الحكام، ومن عاونهم، واعتمدوا الجهاد، وقتال الحكام كوسيلة للوصول إلى الحكم وتطبيق الشريعة الإسلامية، وتعتبر جماعة الفنية العسكرية إحدى جماعات العنف التي استفادت من الناقمين على الحكم الناصري لقيامه بالتنكيل بالإخوان المسلمين، وتلك التي نشأت محاولةً الانتقام من نظام عبد الناصر، ويمكن القول إنها جمعت بين تيار الجهاد الذي نشأ منفصلاً عن الإخوان وبين ذلك الذي تأثر بالفكر الإخواني فوقعت أحداث الفنية العسكرية، ثم توحدت معظم فروع جماعات الجهاد في التنظيم الذي نجح في اغتيال السادات، ولكنه لم ينجح في تحقيق أهدافه في الوصول إلى السلطة، وتطبيق الشريعة الإسلامية.
موقف الإخوان من العنف
وقد ندد الإخوان المسلمون بحوادث الفنية العسكرية ومقتل الذهبي وأثبتت الرسالة أن لا علاقة للإخوان بقضايا العنف المتمسح بالدين، كما أثبتت وجود تحولات فكرية بين الجماعات فبعض عناصر جماعة الفنية العسكرية أصابته تحولات فكرية كبيرة فمنهم من انتقل إلى التكفير والهجرة، ومنهم من تحول فكره إلى النقيض وهاجم بشدة من قاموا بتنفيذ عملية الفنية العسكرية، وقد بقي البعض على فكره الجهادي، ومنهم من اعتنق الفكر القطبي، وانشق البعض على جماعة التكفير وانضم لجماعة الجهاد.
كما أثبتت الرسالة فشل أسلوب الانقلاب على السلطة فاستخدام العنف في سبيل الوصول إلى السلطة مرفوض؛ لأنه سيولد عنفًا أشد والانقلاب العسكري سيستبدل ديكتاتورية بأخرى، والأولى اعتماد أسلوب تداول السلطة بشكل سلمي، والاعتراف بحق الآخر في التعبير الحر والتنظيم العلني الشرعي الملتزم بالقانون حفاظًا على وحدة الوطن وحماية حق المصريين جميعًا في الحرية والديمقراطية.


