محمد السروجي

سيُعقد مؤتمر الخريف بلا جدول أعمال محدد، ولا أمل في إعلان مبادئ، ولا حتى بيان مشترك، وبالتالي لا جدول زمنيًّا للتنفيذ، بل هناك اختلاف شديد حول اسم هذا الملتقى، هل هو مؤتمر دولي؟ أم اجتماع وزاري؟ أم لقاء سياسي؟ لكنه في جميع الأحوال سينعقد؛ لأن إدارة المشروع الصهيو أمريكي أرادت ذلك!!.
وبالتالي ستشارك كل الدول العربية- حتى التي أعلنت الرفض مسبقًا، السعودية وسوريا- تحت غطاء التناغم مع الإجماع العربي المشترك (في فروض الولاء والطاعة لأمريكا)، وجميع الأطراف ذاهبة تحمل حقائب المصالح الشخصية، وتبقى القضية الفلسطينية بثوابتها المعروفة، ومأساة إخواننا في غزة والضفة بعيدة عن أجندة المجتمعين، بل العكس هو المتوقع!! تشديد الحصار، وتحريض على الصدام، ونسف الحوار بين الإخوة الفرقاء في فتح وحماس!!.
تشديد الحصار
الواقع الفلسطيني في غزة كارثي بكل ما تحمله الكلمة من معنى كارثي على المستوى الاقتصادي؛ حيث البطالة التي تجاوزت 90%، وانهيار مستوى الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية بل والإنسانية (الغاز والمياه والكهرباء والصرف الصحي)، وعلى المستوى الأمني؛ حيث سياسة الأرض المحروقة التي تمارسها أذرع صقور حركة فتح المنتشرة بالقطاع (الفصائل والقبائل والأفراد)، ومحاولة تكرار سيناريو الفلتان الأمني مرةً أخرى.
وعلى المستوى السياسي؛ حيث الحصار المفروض من إدارة المشروع الصهيو أمريكي، وبدعم دول الجوار وعلى المستوى الإعلامي؛ حيث الرؤية الانتقائية أحادية الجانب في التعامل مع الأحداث والمعلومات والتصريحات المفروضة إقليميًّا ودوليًّا، وأخيرًا على المستوى الحدودي؛ حيث غلق كافة المعابر والمنافذ وشل حركة القطاع، هذا الوضع المؤلم سيجد أصواتًا كثيرةً لتأكيده بل وتشديده!!.
تحريض على الصدام
برغم قسوة الواقع إلا أنه في الفترة الأخيرة طرح ملف أشدَّ سخونةً وأكثرَ خطورةً بعد حالة التحريض التي يمارسها الجانب الصهيوني- بإعلان غزة كيان معادٍ- ومطالبة مندوب فلسطين في الأمم المتحدة رياض منصور؛ باعتبار حماس ميليشيا خارجةً عن القانون توقع البعض اجتياح صهيوني وفي أي وقت، فما هي دوافع هذا الاجتياح؟ وهل هو قرار عسكري أم مناورة سياسية؟ وهل سيتم ضمن سلسلة الإجراءات المؤيدة لسلطة عباس وإضعاف حماس؟ وما رؤى وفرص كلا الطرفين في التصعيد؟ وهل ما زالت فرص الحوار قائمةً بين كافة الأطراف خاصةً الإخوة الفرقاء؟
يرى كثير من الباحثين السياسيين والعسكريين داخل الكيان الصهيوني أن فرص الاجتياح لقطاع غزة في الوقت الحالي ضئيلة لأسباب كثيرة منها:
* كفاءة كتائب القسام على المستوى التسليحي والتدريبي والتي تحولت حسب تصريحات الاستخبارات الصهيونية إلى جيش نظامي قوامه 20 ألف مقاتل تدرب قادته في إيران ولبنان وسوريا، وأن ما تعلمه حزب الله في سنواتٍ أنجزته حماس في شهور (قد تكون تقارير مغالية ومحرضة بهدف تبرير اجتياح غزة).
* صواريخ المقاومة التي حولت الجنوب الصهيوني إلى كابوس بالإضافة إلى الثمن المعنوي الباهظ في ظل ضعف السيطرة على منافذ تهريب السلاح كما يزعم الكيان الصهيوني.
* خوف حكومة أولمرت من تجربة عسكرية جديدة قد لا تحقق أهدافها وتزيد من إخفاقات جيش الاحتلال بعد إخفاقات حرب يوليو 2006م، مع حزب الله.
* عدم الانتهاء، بل تعقد ملفات أطراف الصراع الأخرى (إيران وسوريا).
* انتفاضة الشعب الفلسطيني المتوقعة في غزة والقطاع والتي ستطيح بسلطة عباس بسبب التنازلات المتتالية وفساد وزراء حكومة فياض (اتهام محمود الهباش وزير التضامن الاجتماعي باختلاس 370 ألف دولار من أموال دور اليتامى).
* رد الفعل الشعبي العربي والإسلامي في ظل أوضاع داخلية محتقنة ومتوترة، خاصةً دول الجوار في مصر والأردن بل وداخل "إسرائيل".
وعلى الطرف الآخر فإن حماس حريصةٌ على سقف محدود من التصعيد كورقة ضغط، لكنها لن تدفع بالكيان الصهيوني لاتخاذ القرار الصعب باجتياح غزة لأسباب عدة منها:
* الوضع المعيشي المتردي والأمني المتوتر داخل القطاع.
* الحفاظ على الكيان السياسي للحركة وجناحها العسكري لمعركة أكثر حسمًا.
* غياب الدعم الإستراتيجي العربي والإسلامي على المستوى الرسمي.
الحوار التائه
حيث زيادة الفجوة بين الإخوة الفرقاء فمجموعة عباس ولت وجهها شطر المربع الصهيوأمريكي وظهرها للمربع العربي؛ بل إنها تعاني خلافات داخلية بين قيادات الصف الأول التي أدارت المفاوضات والمساومات والقيادات الوسيطة التي باتت على قناعة بعدم جدية الخيار السلمي مع الكيان الصهيوني ومجموعة حماس التي تتعلق بها آمال معظم الشعب الفلسطيني الذي منحها تفويضًا في انتخابات يناير 2006م، وتقف به على الحد الفاصل والصعب؛ حيث خصومة الجانب الصهيوأمريكي وجفوة الجانب العربي، لكن يبقى باب الأمل في الحوار بين الإخوة الفرقاء (حماس وفتح) من جهة، وبين حماس والكيان الصهيوني من جهةٍ أخرى مفتوحًا خاصةً في ظل الجولات والعروض المطروحة حاليًا والتي تؤكد أن الرهان على مؤتمر الخريف خاسر وعلى صقور حركة فتح خاطئ.
----------
* مدير مركز (الفجر) للدراسات والتنمية- m_srogy@yahoo.com