- الفراغ وحب التقليد وراء الطمع والمظاهر الخادعة

- الاقتراض دائرة مغلقة ممنوع الخروج منها

- كثرة الطلبات تُعكِّر هدوء البيت وسكينته

 

تحقيق: مروة مصطفى

ديون وقروض وهموم، وأقساط وجمعيات لتلبية الاحتياجات وحالة من التذمر تُصيب الأسرة المصرية بمختلف طبقاتها، فالدخل غير كافٍ، والحاجات لا تنتهي، ولأن المعادلة صعبة والواقع مرير تبحث الأسرة عن السبيل لتحقيق الأمل من أجل بيوتٍ بلا ديون.

 

حفيظة ياسين تحكي لنا عن يوم من 30 عامًا لم يكن في بيتها شيء من الطعام سوى الفول المدشوش، وكان عمال البناء يعملون في البيت وتريد أن تجهز لهم طعامًا، وتعلم أن زوجها ليس معه نقود فصنعت من هذا الفول طعميةً وبمهارتها وتدبيرها أعدت وليمةً أُعجب بها الجميع وبتصرفها بأقل التكاليف، فما كان من زوجها إلا أن قبَّل يدها احترامًا لما فعلت ولقبها بالزوجة الأصيلة، ودعا لها بالستر في الدنيا والآخرة.

 

محمد الشافعي يسترجع ذكرياته معنا من عشرين عامًا؛ حيث كان موظفًا وراتبه قليل، فأحبَّت زوجته أن تُجهز له أصنافًا من الطعام الذي يحبه فاشترت نصف كيلو لحم وقسمته 3 أقسام؛ الأول سلقته واستفادت بالشوربة للطبخ بها، والثاني مفروم لعمل الطاجن الذي يُحبه، والثالث بفتيك، واستكملت باقي الأسبوع بالأكلات الأخرى كالعدس والكشري، وها هو يحفظ لها الجميل حتى بعد وفاتها، ويقول إنها لم تدفعه للاقتراض رغم ضيق العيش، وكانت تعيش بأقل القليل راضيةً محتسبةً.

 

كفاح الحياة

اعتماد مصطفى- التي كانت تسافر مع زوجها ليعمل سائقًا لأتوبيس مدرسة- فكَّرت في تأجير مقصف المدرسة، وكانت تصنع الحلوى الشرقية وتغلفها وتبيعها للتلاميذ حتى تساعد في توفير دخلٍ جيدٍ لأسرتها، وها هي الآن بمساعدتها لزوجها تمتلك عمارتين لها ولأولادها.

 

أما ميرفت أحمد- بكالوريوس تجارة- فبعد زواجها وإنجابها مرَّت بزوجها ضائقةٌ ماليةٌ لاستغنائهم عنه في العمل فلم يصبح لديهما دخلٌ للمأكل والمشرب، طلبت منه الاقتراض من أهله أو أصدقائه فرفض، فلم تجد أمامها حلاًّ سوى عمل مشروعٍ منزلي هو شراء الورد وأدوات زينة البيت كمادة خام وتصميمها كبوكيهات بأشكالٍ متنوعة، فكان مشروعًا مربحًا لها ساعدها في الإنفاق على بيتها، وأيقنت أن اقتراضها كان بمثابة حلٍّ وقتي كان سيسبب مشكلات أكثر.

 

الفراغ القاتل

وتُبدي ميرفت محمد- الاستشارية الاجتماعية- تقديرها للزوجة القنوعة المدبرة بالمقارنة بالزوجة الباحثة عن الكماليات وتضغط زوجها ماديًّا ونفسيًّا لتلبية رغباتها، وترجع السبب الأساسي في ذلك إلى الفراغ، فترى أنه الدافع للنظر إلى ما عند الغير وحب التقليد والاقتناء، وبوقفةٍ قليلةٍ مع النفس نطرح من خلالها هذا التساؤل: هل أنا فعلاً احتاج لهذا الشيء مما يضطرني للاقتراض من أجله؟

 

 الصورة غير متاحة

الهدوء والرضا مفتاح السعادة الزوجية

وعند ذلك فقط أستطيع اتخاذ القرار السليم بشرائه من عدمه بكل قناعةٍ ورضا داخلي، وتلفت نظر الفتيات المقبلات على الزواج إلى أن الإحساس بالتجديد واستكمال الاحتياجات خطوةً خطوةً بجهدٍ وتدبيرٍ سيولد لديهن شعورًا باللذة، ويجعل لكل قطعةٍ ذكرياتها الجميلة، ولنقتدي بسيدنا علي- رضي الله عنه- عندما قال لنفسه لما اشتاقت لشيء "أوكلما اشتهيتِ اشتريتِ".

 

وتهمس في أذن المتزوجات بأن هدوء البيت وسكينته غاية بيد كل امرأةٍ يجب ألا تعكره بكثرة الطلبات، فلو طبقتِ هذا ستجدين بنفسك سعادة مصدرها انتصاركِ على نفسك وقهر رغباتكِ، ولا تدفعي زوجكِ للاقتراض من أجل كمالياتٍ حتى لا تُدخلي نفسك في متاهةٍ أنت أكثر مَن سيتعب فيها.

 

 آداب الدين

ويوضح د. مجدي شلش- أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر- أن الاقتراض ليس واجبًا ولا حرامًا، والأصل فيه الإباحة إذا كان الإنسان بحاجةٍ إلى شيء مهم ويستطيع السداد بطريقة أو أخرى، والاقتراض من أجل الكماليات ليس حرامًا، ولكن العقل يقول إن الكماليات عملية نسبية تختلف من شخصٍ لآخر، والعرف حوَّلها إلى ما يُشبه الضرورة بسبب المدنية التي استحدثت، وأثَّرت على أحوال الناس فأخذنا سلبياتها وزيفها مثل الطمع، والنظر إلى ما عند الآخرين.

 

وعن الحكم الشرعي للتقسيط يرى د. مجدي جوازه استنادًا إلى رأي الجمهور من العلماء لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (البقرة: من الآية 275)- أما عن "الجمعيات" فيصفها بأنها أفضل نظام اجتماعي تعاوني، وينادي بتطبيقها عن طريق مؤسسات كبيرة لتفعيل دورها وحل الكثير من الأزمات مع التثقف بآداب الدَين وضرورة قضائه في حالة الموت، واعتبار "الجمعية" دَينًا واجبَ السداد.

 

وينصح كل زوجةٍ أن تتقي الله في نفسها وزوجها، فقد قال- صلى الله عليه وسلم- لهند بنت أبي سفيان عندما اشتكت إليه أن أبا سفيان رجل شحيح: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف"، وهو ما نطالب به الزوجات لقوله تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا﴾ (الطلاق: من الآية 7).

 

ويُذكِّر الزوجاتِ بأن النظر إلى ما عند الله أفضل من النظر لما عند الناس فيقول تعالى: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (131)﴾ (طه).

 

الاستهلاك الترفي

وترى د. زينب الأشوح- أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر- أنه لو رجعنا لموروثاتنا سنجد جداتنا تردد: "على قد لحافك مد رجليك"، ولو نظرنا لديننا نجد الآية القرآنية: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27)﴾ (الإسراء)، وفي عرف الاقتصاد نحارب النسق البذخي الاستهلاكي الاحتكاكي، والاستهلاك الترفي؛ كل هذه المصطلحات التي تقع في بوتقة التبذير والإنفاق على رفاهيات سفيهة مثل الإنفاق ببذخٍ على الأفراح الكبيرة حتى للفئات الفقيرة، ومن أمثلة الاستهلاك الترفي الموبايلات الكثيرة المنتشرة بدون داعٍ.

 

ونحن لا نطالب بعدم الإنفاق، ولكن يجب أن نراعي أن هناك نوعين من الإنفاق أولهما يرتبط بحدِّ الكفاف، وما يتعلق بالمأكل والمشرب والملبس والمأوى، فعلى الإنسان أن يُغطي احتياجاته الضرورية منها، إن لم يستطع فهذه مسئولية المجتمع ككل، والآخر يتعلق بحدِّ الكفاية، هو ما يتناسب مع المكانة الاجتماعية لكل فرد.

 

وعندما تطلب الزوجة من زوجها ما لا يطيق تضطره لأخذ الرشوة والسرقة، وغيرها من المخالفات، والحل الاقتصادي لتدبير ميزانية البيت هو كتابتها واضحةً مقسمةً إلى بنود:

أولاً: ثوابت مثل الإيجار ومصاريف الكهرباء والتموين.

 

ثانيًا: بنود جارية مثل المواصلات وأخرى يصعب تحديدها.

 

ثالثًا: بنود احتياطية: تكون على هيئة مدخرات للطوارئ (علاج- هدايا)، ومن المهم وضعها في حصالة صعبة الفتح.

 

والدخل أقسمه تبعًا لهذه البنود، وعندما أجد عجزًا أعود مرةً أخرى لأرتب إنفاقي واستغنى عن أشياء ثانوية إلى أن يتحقق الاستقرار في الميزانية، أو ألجأ إلى تحسين الدخل من خلال عملٍ إضافي، أو قيام الزوجة في المنزل بعمل مربات ومخللات، أو أشغال يدوية وغيرها من أساليب الإنتاج المنزلي.

 

وترى د. زينب أن التقسيط حل فاشل ومكبل لأصحابه، وتشفق على الناس من مغرياته؛ حيث أصبح بدون مقدم ولكنه بفوائد كبيرة مبالغ فيها، وشجَّع على أنماط الاستهلاك البذخي والترفي، وتعرف نماذج كثيرة نذكرها للشباب عن أسرٍ بدأت من الصفر، كان لا يلزمهم الثلاجة أو الغسالة الأوتوماتيك، فالرضا بالقليل يحقق السعادةَ الحقيقيةَ.

 

الفجر والاستغفار

 الصورة غير متاحة

الجئي إلى الله طلبًا لسعة الرزق وسداد الدين

وهذه نصائح ذهبية استمعي لها لكي لا تلجئي للاقتراض إلا في الضرورة، فكان النبي- صلى الله عليه وسلم- يقول عن الدَين: "اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال"؛ لأن الدين مذلة بالنهار وانكسار بالليل، ولكن ما رأيك في الاقتراض من الله؟

 

فلتكن خططنا هي السير على تلك الخطوات:

أولاً: الاستغفار يزيد الرزق لقوله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12)﴾ (نوح).

 

ثانيًا: صلاة الفجر تبارك في الرزق، وصلاة الضحى كذلك؛ يقول أحد الصالحين: "طلبنا البركة في الرزق فوجدناها في صلاة الضحى"، فإن الله عزَّ وجل القادر على زيادة الرزق والإقراض بغير مطالبة ولا معايرة، فلنلجأ ونبتهل إليه ونرضى بقضائه.