في خطوةٍِ نادرةِ الحدوث، سحبت الولايات المتحدة مشروع قرارٍ كانت قد تقدَّمت به إلى مجلس الأمن بدعم المفاوضات الفلسطينية- الصهيونية التي انطلقت من مؤتمر أنابوليس، ليس من عادة واشنطن أن تتراجع حتى تحت ضغط الحلفاء عن مشاريع قراراتٍ تتقدم بها إلى مجلس الأمن، وانفردت في كثيرٍ من الأحيان بالتقدُّم بمثل هذه المشاريع رغم معارضة بعض الحلفاء الأوروبيين، لكن هذه المرة تراجعت واشنطن وسحبت مشروع قرارها الذي طرحته بصورةٍ غير رسمية على مجلس الأمن.

 

والسبب معارضة "إسرائيل" لهذا المشروع الذي حشدت له واشنطن- قبل أن تسحبه- دعمًا واسعًا وتأييدًا مباشرًا من كل أعضاء مجلس الأمن ورئيسه الحالي المندوب الإندونيسي والممثل العربي الوحيد مندوب دولة قطر؛ مما جعل المندوب الأمريكي زلماي خليل زاد- قبل أن يسحب المشروع- يشيد بالدعم الهائل لمشروع القرار، خاصةً من قِبَل مندوبي فرنسا والصين وقطر وأندونيسيا، لكن خليل زاد تبخَّر من المواجهة بعد أن اضْطُرَّ لذلك بتعليمات من حكومته بسحب المشروع الذي أجهد نفسه في إقناع أعضاء مجلس الأمن بقبوله ودعمه، وانبرت شخصيات أمريكية مسئولة في تبرير سحب بلادها لهذا المشروع؛ الأمر الذي تسبب بحرجٍ كبيرٍ للمندوب الأمريكي في مجلس الأمن والولايات المتحدة نفسها التي اضْطُرَّت لسحب مشروعها بعدما حصلت على موافقة كل الأطراف المعنيَّة في مجلس الأمن بدعمه والوقوف من خلفه.

 

"إسرائيل" عارضت المشروع بكل قوة، مما أدَّى بطبيعة الحال إلى سحبه من مجلس الأمن، وتُبرِّر الدولة العبرية اعتراضاتها بأن هذا المشروع- مع أنه غير رسمي- يؤدي إلى دور تلعبه المنظمة الدولية في أمر المفاوضات الثنائية الفلسطينية الصهيونية، و"إسرائيل" تفضِّل بيانًا رئاسيًا عِوَضًا عن قرار غير رسمي، والموقف الصهيوني غير مفاجئ على الإطلاق؛ إذ إن الدولة العبرية رفضت في كل الأحيان أن تلعب الأمم المتحدة دورًا مباشرًا في العملية التفاوضية على كافة المسارات، وأصرَّت على الدوام أنَّ دور الامم المتحدة- وحتى الحلفاء بمن فيهم وعلى رأسهم الولايات المتحدة- هو دعم المفاوضات الثنائية مع الفلسطينيين دون تدخِّل مباشر أو غير مباشر في المفاوضات، وعندما أرادت الولايات المتحدة أن تمنح مؤتمر أنابوليس ونتائجه الهزيلة بعض القوة التي قد يمنحها مشروع القرار المشار إليه.. تصدَّت "إسرائيل" للولايات المتحدة التي اضطرت بدورها للانصياع للإرادة الصهيونية علنًا.

 

الولايات المتحدة ليست الوحيدة التي أصيبت بحرجٍ كبيرٍ وراءَ تراجعها عن مشروع القرار، بل إن كافة الدول الأعضاء في مجلس الأمن التي أعربت عن دعمها المطلق لمشروع القرار باتت أيضًا في وضع حرج وصعب بعدما تبيَّن لها أنها دعمت مشروعًا لن يرى النور وبعدما سوَّقت للمشروع بحيث باتت تدافع عن أهميته وضرورة صدوره عن مجلس الأمن لتفاجَأ بأن واشنطن قد سحبت المشروع بعدما اعترضت "إسرائيل" التي ادعت أن واشنطن لم تُطلع الأطراف المعنيَّة حوله.

 

واللافت للنظر أن المندوب الفلسطيني في الأمم المتحدة رياض منصور كان له موقف مشابه- مع اختلاف الأسباب بطبيعة الحال-؛ إذ إنه اعتبر أن ما حدث في أنابوليس لا يستحق قرارًا من مجلس الأمن-.. لماذا؟!.. يجيب منصور: "لأن ذلك سيدخلنا في مناقشات حول بنودٍ قد يؤدي التوافق عليها إلى تراجعٍ عن قرارات قوية سابقة للمجلس، ونحن لا نريد أن نُخفِض سقف ما أنجزته القرارات السابقة".

 

ولا شك أن الأسباب التي عرضها المندوب الفلسطيني وجيهة للغاية، لكنها مقلقة بالغ القلق؛ إذ إن في هذه الأقوال اعترافًا ضمنيًّا بأن ما سينتج عن المفاوضات الثنائية مع "إسرائيل" هو أقل بكثير من قرارات الأمم المتحدة التي يَخشى عليها منصور الذي يفضِّل عدم إقحام الأمم المتحدة للإبقاء على قراراتها الصادرة حول الصراع العربي- الصهيوني؛ إذ إن تبنِّي مجلس الأمن للمفاوضات الثنائية الفلسطينية- الصهيونية التي انطلقت من مؤتمر أنابوليس قد يشير إلى تبنِّي نتائج هذه المفاوضات التي يعلم الجميع أنها ستكون ذات سقف أدنى، وربما بكثيرٍ عن سقف قرارات الأمم المتحدة ذاتها، وهو اعتراف بأن المفاوضات الثنائية لا تتماشى مع قرارات الأمم المتحدة ذات العلاقة، وإلا لما كانت هذه الخشية من مشروع قرار صادر بشكل غير رسمي عن مجلس الأمن.

 

 الصورة غير متاحة

 بان كي مون

مع ذلك، فإن الأمم المتحدة تحاول أن تُسجِّل اختراقًا للمفاوضات الثنائية الصهيونية- الفلسطينية في نفس الوقت الذي تسحب فيه الولايات المتحدة مشروعها المشار إليه، فقد عيَّن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، الدبلوماسي الهولندي روبرت سيري منسقًا خاصًا لعملية السلام في الشرق الأوسط؛ ليكون مبعوث الأمين العام للجنة الرباعية الدولية.

 

"سيري" كان أحد العاملين على دبلوماسية هادئة بين عامي 1986- 1992م، والتي أدَّت إلى حوار فلسطيني- صهيوني تكلل باتفاق أوسلو، خاصةً عندما كانت هولندا تتولى رئاسة الاتحاد الأوروبي الدورية في ذلك الوقت.

 

أما الاختراق الثاني للأمم المتحدة في المفاوضات الثنائية الفلسطينية- الصهيونية، فقد تمثَّل في تعيين الروسي فلاديمير جورياييف مديرًا تنفيذيًّا لسجل الأمم المتحدة للأضرار الناشئة عن بناء الجدار العازل في الأراضي الفلسطينية المحتَّلة، وهو جسم تابع للأمم المتحدة ومقرُّه فيينا، إلا أن هذين الاختراقَيْن لا يشكلان في واقع الأمر اختراقًا حقيقيًّا لدور الولايات المتحدة التي تقود من الناحية الفعلية مجلس الأمن وتهيمن على قراراته، حتى وهي تتراجع عن مشروعها، فإن ذلك مدعاة للتأكيد على أن واشنطن هي اللاعب الأساسي صاحب القرار النهائي الذي لا وصايةَ عليه من أحد إلا "إسرائيل" التي كانت وراء اضطرار واشنطن سحبَ مشروع قرارها في اللحظات الأخيرة.

---------

* الأيام الفلسطينية 2/12/2007م