طرحت "إسرائيل" شرط اعتراف الفلسطينيين بـ"يهودية الدولة" قبل أي تقدم قد يحرزه الاجتماع الدولي في أنابوليس، وقبل صوغ أي وثيقةٍ تعرض على الاجتماع ليجري على أساسها التفاوض، مع العلم أن "يهودية الدولة"، وبتقدير مراقبين، ما هو إلا شرط فارغ من مضمونه، لكنه خطر في منظومة العمل لعقد الاجتماع وفي أي مفاوضات فلسطينية- إسرائيلية تليه؛ ذلك أن قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة عام 1947م يقول بتقسيم فلسطين دولتين واحدة لليهود وأخرى للعرب.
وقتذاك كانت فلسطين تحت الانتداب البريطاني، وكانت غالبية سكانها من الفلسطينيين (مسلمين ومسيحيين ودروزًا ويهود) وأقلية من المهاجرين اليهود.
وجاء تعبير يهودية الدولة تأكيدًا لقرار التقسيم وترجمة لوعد وزير خارجية بريطانيا آنئذ آرثر جيمس بلفور عام 1917م، الذي منح اليهود حق "إقامة وطن قومي" لهم في فلسطين في صك الانتداب.
من هذا المنطلق؛ فإن ترويج الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش- في مؤتمر أنابوليس- ليهودية دولة "إسرائيل" ليس اختراعًا جديدًا جاء به بوش، غير أن الحقائق على الأرض تقول إن إيمان الإدارات الأمريكية جميعها بيهودية "إسرائيل" سبق اعترافها بـ"إسرائيل" نفسها. فقد جاء في نصِّ الإعلان الذي أصدره الرئيس الأمريكي الأسبق هاري ترومان للاعتراف بـ"إسرائيل"، ما يلي: "تم تبليغ هذه الحكومة أن "دولة يهودية" قد تم إعلانها في فلسطين، وقد تمَّ طلب الاعتراف بها من قِبل الحكومة المؤقتة؛ لذلك تعترف الولايات المتحدة بالحكومة المؤقتة بصفتها "حكومة أمر واقع" للدولة اليهودية الجديدة" هاري ترومان 14 مايو 1948م.
بالتالي؛ كانت أمريكا تُدرك منذ اللحظة الأولى أن "إسرائيل" ليست إلا دولة يهودية، وجاء ذلك متسقًا مع إعلان تأسيس دولة "إسرائيل"، والموقَّع في 14 مايو 1948م؛ حيث عرّف قادة الصهيونية الأوائل "إسرائيل" بوضوح كدولة يهودية.
وشددت الوثيقة على أن السلطة والسيادة في "إسرائيل" هي للشعب اليهودي، ومما جاء في هذا الإعلان: "إن هذا الحق هو الحق الطبيعي للشعب اليهودي لكي يكون سيد مصيره، شأنه في ذلك شأن كل الأمم في سيادة دولهم"، وتواترت في الإعلان عبارات تؤكد هذه النقطة؛ كمقولات: "الشعب اليهودي.. في بلاده الخاصة به"، "الشعب اليهودي يبني وطنه القومي"، "الدولة اليهودية"، "حق الشعب اليهودي في تأسيس دولته"، "الشعب اليهودي في إقامة دولته"، "شعب يهودي سيد".
وبناءً على ذلك؛ يمكن القول: إن الإيمان بيهودية "إسرائيل" أمر كان واضحاً لدى أمريكا ومؤسسي الكيان الصهيوني منذ اللحظة الأولى، غير أن اعتراف الفلسطينيين ومن ورائهم الدول العربية بذلك له تداعيات كثيرة، جعلت "إسرائيل" تنتظر اللحظة المناسبة لطرح هذا الأمر عليهم، وتتمثل تلك التداعيات بـ"إسقاط حق العودة، والتضييق على عرب 48 ومن ثَمَّ ترحيلهم".
ومن أجل ذلك؛ كانت فكرة "حل الدولتين" دولة يهودية، وأخرى فلسطينية؛ فالهدف من وراء ذلك الحل هو تأكيد يهودية دولة "إسرائيل"، وتأكيد الانفصال عن الفلسطينيين لقطع الطريق على العالم حتى لا يفرض على الإسرائيليين مستقبلاً خيار الدولة الواحدة، في وقتٍ يكون فيه الميزان الديموغرافي في فلسطين لصالح الشعب الفلسطيني.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فـ"إسرائيل" تريد أن تجعل من "الدولة اليهودية" مبدأ من يحاربه فقد حارب السامية، ففي إحدى حلقات التقرير التلفزيوني المسائي نايت لاين Nightline (عام 2004) الذي يُقدّم على شبكة ABC-TV، طرح مقدم البرنامج السؤال التالي: هل من العداء للسامية أن تنتقد سياسات حكومة "إسرائيل" تجاه الفلسطينيين؟، فأجاب ضيف البرنامج، وكان رئيسًا لرابطة مكافحة "التشهير" (اليهودية): إن "إسرائيل" دولة ذات سيادة، وانتقاد سياساتها مسموح به بطبيعة الحال، لكنه حذَّر من أن معارضة مبدأ الدولة اليهودية سيكون تجاوزًا للخطوط، وعداءً محضًا للسامية.
وعودٌ على بدء، نقول: بأن هاجس يهودية الدولة يتزايد الترويج له وبقوة داخل النخب الحاكمة والمسيطرة داخل "إسرائيل"، ويبدو أن تراجع طموحات المشروع الصهيوني الأول و"الرواد الأوائل" الذين أكدوا على يهودية الدولة العبرية، والذين لم يترددوا في إطاحة شعارات التحرر القومي وبناء الدولة الديمقراطية على مذبح التمسك بالهوية اليهودية للدولة، باتت تجد صداها اليوم عند الأحزاب السياسية الإسرائيلية بمختلف تلاوينها، وكذلك قطاعات واسعة من المؤسسة السياسية والعسكرية وحتى الأكاديمية الإسرائيلية.
ويبدو الهدف من طرح هذه الفكرة اليوم هو تكريس وترسيخ "يهودية دولة "إسرائيل"، أي أنها دولة لليهود وليس لمواطنيها بما يكرس في الواقع تعريفها العنصري، بدعمٍ من الإدارة الأمريكية والمحافظين الجدد الذين يتزعمهم جورج بوش، الذي قال في يونيو 2003ن بأن "أمريكا ملتزمة بقوة بأمن إسرائيل كدولة يهودية مفعمة بالحيوية"، وها هو الآن يكررها مرةً ثانيةً في أنابوليس!.
بينما يبقى الرفض الفلسطيني ومن ورائه الرفض العربي الاعتراف بـ"يهودية" دولة "إسرائيل" كسدٍّ للأبواب والنوافذ أمام مقاربة إسرائيلية لحلِّ قضية اللاجئين الفلسطينيين، وكذلك معظم قضايا الحل النهائي الأخرى!.
--------
* صحيفة فلسطين 4/12/2007