"نحن ننتظر لحظة الموت".. كلمات بات صداها يتردد في كل مكانٍ من قطاع غزة المُحاصَر بأوامر فلسطينية وصهيونية معًا، فانتظار الموت هو الشيء الوحيد الذي بات بمقدور المرضى الفلسطينيين فعلُه في ظل حصارٍ مُطبَّقٍ ظالمٍ ربما كان أشدَ من حصار العراق في أوائل التسعينيَّات من القرن الماضي!، وما يتعرض له أهلنا في قطاع غزة- نتيجة الحصار الظالم- لا يمكن لأحد أن يتصور مدى النتائج الكارثية التي من الممكن أن تَلحق به؛ فالماء ملوث، والكهرباء مقطوعة، والأبواب موصدة، والمستشفيات باتت فارغةً تمامًا من الأدوية، والضمائر نائمة، ولا تكاد تسمع أو تشاهد سوى الطائرات الصهيونية الحاقدة وهي تقتل هنا وهناك!.
وبعد كل هذا الصمت والوقت، تتفق حكومة رام الله مع الكيان الصهيوني على وقف إمداد الوقود لمستشفيات قطاع غزة جرَّاء القرار الصهيوني الذي حكم بالإعدام على مرضى قطاع غزة، يتبعه قرار آخر لحكومة فيَّاض بعدم دفع مستحقات شركة توليد الغاز للموارد البترولية للقطاع؛ مما يعني شلَّ الحياة في القطاع الصحي بأكمله؛ مما يهدد حياة آلاف المرضى بالموت المُحتَم بعد أن سقط منهم فعليًّا ثلاثون شهيدًا.
الأوامر الصادرة من رام الله لم تنتهِ عند هذا الحد!، فقد استشاط الحكوميُّون في رام الله غضبًا من القرار المصري بالسماح لحجاج بيت الله الحرام من أداء فريضة الحج لهذا العام عبر خروجهم من معبر رفح الحدودي، ولم يشفع لحجاج بيت الله الحرام أن أعمارهم تجاوزت الستين والسبعين عامًا، ليؤكد مسئولو السلطة الفلسطينية بأن عددًا لا بأسَ به من الحجاج في طريقه للحج، ولكن هذه المرة إلى إيران؛ وذلك للتدرُّب على السلاح وحمله بعد ذلك على الأكتاف والإتيان به إلى معبر رفح عبر الحدود المصرية الفلسطينية!!.
للأسف نقولها بأن مؤتمر أنابوليس جاء في ظل الحصار المفروض على قطاع غزة، وابتدأ المؤتمر وانتهى كما بدأ، أو لنقل بأنه انتهى بتطبيع عربي دولي مع الكيان الصهيوني، وبدون أي مقابل يُذكر، وفيه أعلن بوش عن يهودية الدولة، كما أعلن أولمرت عن قدومه للمؤتمر "مضطرًا" من "القدس" وليس من أي مكان آخر، في دلالةٍ واضحةٍ على أن يهودية الدولة والقدس عنصران مهمان لا مجال للتفاوض عليهما، ولن يكونا يومًا على طاولة المفاوضات التي يرسم خطوطها أصلاً العدو الصهيوني نفسه.
من الواضح أن محمود عباس قد قدَّم القضية الفلسطينية- على ما تحمله من دلالات عظيمة تخصُّ أكثر من مليار ونصف المليار مسلم- على طبقٍ من ذهب في المؤتمر، وبالتالي فالقضية الفلسطينية اليوم تدخل منعطفًا حادًّا وطريقًا مُظلِمًا، ربما يأتي على ما تبقى لدى الفلسطينيين من مطالب حتى يفاوضوا عليها في المستقبل!، وبكل "خُبث"، تحدَّث أولمرت عن معاناةِ شعبه جرَّاء العمليات الاستشهادية، في حين أن عباس لم يذكر أهل غزة بمعاناتهم المتراكمة سوى للتنديد والوعيد والتهديد.
نسف المجتمعون في أنابوليس اتفاقيات العرب جميعًا، بما فيها اتفاق "مكة المكرمة" الذي هلل له الفلسطينيون طويلاً قبل أن تُجهز عليه عصابات دحلان الماضية، وعاد العرب من حيث كانوا كما لم يكونوا، وتنازل عباس عمَّا لا يملك، وظهر بوش وأولمرت كحمامتي سلامٍ وديعتين، كما ظهر أهل غزة على أنهم "إرهابيون" قساة، وانقلبت الموازين هناك!.
لا يريد الفلسطينيون أن يكون لهم صوت هناك، ولا يهمهم أن يأتي قرار فك الحصار من هناك؛ فهناك- أي أمريكا- هي التي حجبت الصوت والصورة عنهم أصلاً، وهي التي اتخذت قرار الحصار ابتداءً، فكيف يُطلب من القاتل الصلاة على القتيل؟!، ورغم الجراح النازفة، والعيون الدامعة، والآهات المتحشِّرجة في الأعناق، خرج الفلسطينيون بمئات الآلاف؛ ليجددوا رفضهم للذل والعار، وليجددوا تأكيدهم أن القضية الفلسطينية ما زالت حيةً في القلوب والعقول، والذين ذهبوا إلى أنابوليس لا يمثِّلون حتى أنفسهم.