لا أحب تعبير: "سقط شهيد"، أو "سقط شهداء"، وإنما يجب أن نقول: "ارتفع شهيد أو شهداء".
كيف يسقط مَنْ أصبحت أرواحهم في حواصل طير خضر تسرح في رياض الجنة ثم تأوي إلى قناديل معلقة في عرش الرحمن سبحانه وتعالى؟! عرش الرحمن!! هل ندرك قيمة هذا التعبير؟!، هل يمكن أن يرتفع كائن في الكون إلى هذه المنزلة؛ عرش الرحمن؟! الشهيد يرفعه ربُّه إلى هذه المنزلة.
قلوبنا تحزن لأجل هؤلاء الشهداء.. حبات القلوب، وأحباب الروح، وإخواننا على الطريق.. قلوبنا تحزن، لكنهم لا يحزنون!! بل إنهم يفرحون.. قطعًا يفرحون؛ فقد جاء في الكتاب الحكيم: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (170)﴾ (آل عمران).
هذه الأيام الأخيرة حسم فيها الكيان الصهيوني القول، وبيَّن المواقف، بهذه العمليات من الاغتيال الإجرامي.. بيَّنتْ بوضوح: مَنْ هم أعداؤه، ومن هم (أصدقاؤه).. مَنْ الذين يُسَبِّبُون له القلق والاضطراب على الحاضر والمستقبل، ومن الذين يبحثون عن أمنه وسلامته واستقراره، ويبيعون من أجل ذلك الوطن والأسرى واللاجئين.
الكيان الصهيوني بيَّن مَن الذين يقاومون وجوده، ويُصَبِّحونه ويُمَسُّونه بالصواريخ والهاونات، ومن الذين يستقبلونه بالأحضان والقبلات.
لكِ اللهُ يا حماس..!! ما أطولَ صبركِ على أعوان المحتل وتجَّار القضية!! وما أشدَّ صبرك على مَن باعوا إخوانهم في الوطن، واشتروا صداقة المحتل المجرم!، ولم تهتز لهم شعرة من أجل الشهداء، والضحايا من الأطفال والنساء!، ثم يصفون عمليات المقاومة بأنها عمليات "حقيرة"، هكذا قالها عباس بوضوح!!.
وأنا أقول لك يا عباس:
ما الذي رجعتَ به من "أنابوليس"؟! خيبة الأمل أم خُفَّي حُنين؟ المؤامرة على حماس أم الغيبوبة عن قضية الوطن؟!
لقد رجع عباس بإنجاز ضخم اسمه "بدء المفاوضات"، وهو إنجاز يصب في مجرى الغيبوبة.
الغيبوبة هي المفاوضات التي تأكل القضية من سنة 1947 إلى اليوم، وإلى متى؟! ألا تكفي 60 سنةً من القرارات والاجتماعات والمفاوضات، ما بين قرارات أمم متحدة، ومبادرات شرقية وغربية، بدءًا من قرار الأمم سنة 1947 بتقسيم فلسطين، إلى هدنة 1948، إلى قرارات 242، 338، إلى مبادرات روجرز، وكيسنجر وكارتر، وتينت، وخريطة الطريق، مرورًا بكامب ديفيد، ومدريد وأوسلو؟
كلام في كلام، وورق وملفات، ووفود واجتماعات، ولا شيء!!
حيلةٌ خبيثةٌ يتقنها الصهاينة، وغيبوبةٌ عميقةٌ يعيشها حكام العرب وقادة فتح، بدءًا من أبي عمار، وانتهاءً بعباس.
قَبِل أبو عمار- رحمه الله وغفر له- الاعترافَ بالكيان الصهيوني، وتنازل عن حقِّ المقاومة، ودخل في مفاوضات سبع سنوات بعد أوسلو، ولم يحصل على شيء، وكان جزاؤه القتل مسمومًا لأنه توقف عن مسلسل التنازلات، فكان عباس هو المرشح لإكمال الطريق التفاوضي التنازلي..
الهم طويل، والكلام كثير، لكن ما أريد قوله: كفى، كفى، على الجميع أن يفيق من الغيبوبة، غيبوبة المفاوضات التي يراد لها أن تأكل القضية عامًا بعد عامٍ.
وأقول لحماس:
﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ (الأحزاب: من الآية 22).. طريقكم مفروش بلون الدم ورائحة المسك، لقد قال المجاهد هنيَّة: نحن ما جئنا لنكون وزراء بل لنكون شهداء.
أنتم الذين أوجعتم العدو.. أنتم الذين أصبتموه في القلب: لأول مرة يستشعر الخوف "على وجوده"، أنتم الشعب الحقيقي، أنتم الواقفون على الخط الأول، أنتم الذين فُزْتُم بأرض الرباط، أنتم الذين حُزْتُم شرفَ الدفاع عن أرض المقدَّسات، وعن ماضي الأمة وحاضرها، وأنتم الذين رويتم شجرة الأمل في مستقبل أعز وأكرم.
وأقول لأحباب حماس:
تعالَوا ننتقل من موقع المتعاطف إلى موقع الداعم والمُؤازِر؛ بالدعاء في كل الأوقات، وبتوصيل الدعم للمحاصَرين، ولو في صورة غذاء ودواء وفرش وغطاء، فلربما وصل الدعم إلى المقاوِمين في ساحة الشرف.
الله أكبر، الله أكبر، إن جند الله هم الغالبون ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ (الشعراء: من الآية 227).