لا شك أن وجود الأب مع الأولاد له تأثيرٌ إيجابيٌّ؛ لاكتمال دور الأسرة، وتحقيق أهدافها، والنهوض بها، ولكن تحدث بعض الظروف التي قد تضطَّرُّ الأب إلى أن يتغيَّب عن أولاده وبيته، وهو ما يؤثر سلبًا على الصغار والكبار، ويزداد هذا التأثير سوءًا عندما يكون هذا الغياب خارجًا عن إرادته، وليس من أجل العمل أو العلاج لا قدَّر الله، وإنما هو بسبب ظلمٍ وقع عليه، واضطهادٍ موجَّهٍ له؛ لأنه كان إيجابيًّا، ولم يكن منكفئًا على نفسه وأسرته فقط، وإنما كان يحاول إصلاح مجتمعه من حوله قدْرَ استطاعته، ويسعى لإرضاء الله في عمله ومعاملاته، فيصبح جزاؤه الزجَّ به خلف الأسوار، وحرمانَه من أسرته ومن عمله، بل ومن أمواله التي سعى سعيًا دءوبًا لسنوات متواصلة من أجل تحقيقها وتحقيق نجاحٍ قليلون هم الذين استطاعوا تحقيقه بطرق شريفة.
وتتجه عواطف الصغار هنا تجاه الأم، التي تتحمَّل مسئولياتٍ فوق طاقتها بكثير، ويظل داخلهم الخوف والتساؤل: "هل يمكن أن تتركينا يا أمي كما حدث مع أبي؟!".
ولا تتوقف المعاناة عند الصغار، وإنما تمتدُّ إلى الأبناء الأكبر سنًّا، سواءٌ في أعمار المراهقة أو الجامعة، أو حتى الذين تخرَّجوا في جامعاتهم، وتزوَّجوا واستقلوا بحياتهم، فالجميع يحتاجون خبراتِ آبائهم، ويحتاجون نصائحهم،.. إنهم اعتادوا أن يلجئوا إليهم في أوقات الأزمات ليشكوا لهم همومهم ويستمعوا إلى اقتراحاتهم لحلِّ هذه المشكلات، أو يشعروا بأيديهم الحانية وهي تربت على أكتافهم وتُشعرهم أنهم يملكون دائمًا ملجأً وحمايةً، مهما ساءت الظروف.. إنه الشخص المستعدُّ دائمًا للتضحية براحته من أجل راحتهم.. إنه الشخص الذي يحبهم حقًّا دون مقابل، والوحيد في هذا العالم- بعد الأم- الذي يتمنَّى من كل قلبه أن يراهم أفضل منه.
ولا تتوقَّف المعاناة من غياب ربِّ الأسرة على معاناة الأبناء، ولكنها تمتد إلى معاناة الزوجة، التي يصبح من واجبها القيام بدورها الأصلي، والقيام بدور الأب الغائب في الوقت ذاته، ويصبح تعويض الأبناء عن غيابه عبئًا قاسيًا، مع احتياجها أن تبرِّرَ لهم هذا الظلم، وتبذل الجهد مع الأبناء؛ ليظلوا أسوياء نفسيًّا، رغم ما لمسوه بأنفسهم من ظلم وقهر، بالإضافة إلى كمٍّ ضخمٍ وهائلٍ من المسئوليات والمتطلَّبات والالتزامات التي يجب أن تتابع كل صغيرة وكبيرة فيها بنفسها، وعليها مع كل ذلك وفوقه أن تتابع الجلسات، وتُحضر الطعام لزيارة الأب خلف القضبان، ثم إنَّ عليها أن تؤازرَه وتساندَه وتهوِّنَ عليه وتخفِّفَ عنه ولا تُشعِرَه بأي قلق أو معاناة..
ومع أُسَرِ الإخوان المعتقلين كان لـ(إخوان أون لاين) هذه الجولة؛ لنلمس آلامهم من غياب الأب؛ علَّنا نؤازرهم وندعو لهم.
![]() |
|
د. عصام عبد المحسن بين زوجته وابنته الكبرى |
تؤكد زوجة الدكتور عصام عبد المحسن صعوبةَ ملء فراغ غياب الوالد عن المنزل، وتشير إلى أن المهام والمسئوليات التي كان يقوم هو بها بشكل تلقائي كثيرةٌ جدًّا، حتى إنهم لم يكونوا يشعرون بوجود هذه الأعباء، أما الآن.. وبعد غيابه، ورغم توزيع هذه المهام والمسئوليات على أفراد الأسرة جميعًا، إلا أنهم لا يستطيعون أن يملأوا فراغ غيابه عن المنزل، ويقوموا مجتمعين بما كان يقوم به هو منفردًا.
وتوضِّح أنه رغم المجهود الخارق الذي تقوم به الأسرة جميعًا، إلا أن هذا المجهود لم يعوِّض غياب الأب نفسيًّا أو معنويًّا، رغم أن الأولاد قد يلجأون إليها لأخذ رأيها في بعض الأمور، إلا أنها ترى أن رأيَ الأم في أغلب الأحيان يغلب عليه الجانب العاطفي، ولا غنى في كل الأحوال عن رأي الأب وحكمته وخبرته وطريقته في الإقناع.
النصر بعد حين
للأطفال الصغار معاناتهم الخاصة في هذه المحنة؛ فالمشكلة لا تقتصر على غياب الأب، وإنما تمتد إلى جوانب أخرى، تشير إلى بعضها زوجة جمال شعبان، فتقول: في بداية المحنة توقَّعنا جميعًا أن غياب الأب لن يطول، وإن طال فسوف يقتصر على شهرين على الأكثر، إلا أننا الآن وبعد مرور عام على بداية هذه المحاكمات وبعد تصاعد وتيرتها بشكل غير مسبوق، أصبح الأبناء يعانون من حالة إحباط فائقة ومستواهم الدراسي تأثَّر!!
لقد أصبح من العسير شرْحُ قيم الحق والعدل والإنصاف لهؤلاء الأبناء بعد هذا القدر الهائل من الظلم الذي رأوه، لم يعودوا يستطيعون أن يستمتعوا بأي وسيلة من وسائل الترفيه، والتي يحاول الأهل والأصدقاء أن يقدموها لهم ليعوِّضوهم عن غياب والدهم، حتى إن ابني خالد (12 سنة) قال لي: "إحنا ما ضحكناش ضحكة من قلبنا من ساعة ما بابا اتاخد"!! رمضان والأعياد التي مرَّت علينا بدونه لم يكن لها مذاق، وكل محاولات إسعادهم باءت بالفشل أمام تعليقهم: "مفيش حاجة تساوي إن بابا يبقى معانا"، والأماكن التي ذهبنا إليها معه من قبل أصبحنا نتجنَّبها.
لقد أصبح نومهم مليئًا بالكوابيس، وفقدوا الإحساس بالأمان، وفي نهاية كل زيارة يسلِّمون عليه أكثرَ من ست مرات، ربما ليشبعوا منه، والكارثة الكبرى- من وجهة نظري- هي في شكِّهم في جدوى الدعاء، فهم يشعرون أنهم دعوا كثيرًا، وأصدقاءهم ومعارفهم دعوا كثيرًا، ويتردَّد السؤال الحائر على ألسنتهم أو في قلوبهم حتى ولو لم يفصحوا عنه: "متى يتقبَّل الله الدعاء؟!"، ويصبح إقناعهم بعدل الله وقبوله الدعاء ونصره الذي سيأتي بعد حين مجهودًا إضافيًّا ومعاناةً إضافيةً.
![]() |
|
أيمن عبد الغني |
حالة فقدان الثقة وفقدان الأمان والأسئلة الحائرة، هي نفس ما يعاني منه أبناء المهندس أيمن عبد الغني، تقول زوجته: رغم صغر سِنِّ أبنائي إلا أن الظروف التي مرُّوا بها وفقدانهم لوالدهم بسبب الاعتقال عدة مرات على مدى السنوات الماضية، جعلتهم يسألون أسئلةً أكبر من سنِّهم بكثير، وأصبح من العسير عليَّ أن أشرحَ لهم القيمَ الصحيحةَ وسط كل هذه الفوضى التي يرونها بأعينهم، لم يعد في مقدوري أن أشرحَ لهم أن القاضي لا بد أن يكون عادلاً وأن يحكم بالعدل؛ لأنهم يردُّون بسخرية: إن هذا لا يحدث في الحقيقة.
وعندما سألتني ابنتي: "يعني إيه حكومة؟" أجبتها أنها الجهة المسئولة عن حماية الناس ورعايتهم، فردَّت: "إزاي إذا كانت هي اللي بتقبض عليهم؟!" ولم أعُد أدري كيف أشرح لهم أننا نعيش في عالم "غلط" وأوضاع "غلط"، ولكن عليهم أن يقتنعوا في الوقت ذاته أن هذا "الغلط" هو استثناءٌ وليس أصلاً، وزاد الموقف سوءًا أحكام الإفراج التي حصل عليها والدهم، والتي كنا على إثرها نقوم بتنظيف المنزل والاستعداد لاستقباله، ثم تواجهُنا الحقيقة المؤسفة، وهي أنه لم يخرجْ ولم يعُدْ!!.
لقد بدأ الأولاد يتعاملون مع هذا الوضع على أنه الأصل في حياتهم، ولا يتوقَّعون أيَّ وضع آخر مختلف، لقد فقدوا طفولتهم الحقيقية، فإجازاتهم يقضونها في الزيارات، ولم يعودوا يستطيعون المواظبة على التدريبات، ويعانون من الشرود في المدرسة، ويبدو عليهم الحزن حتى لِمَن لا يعرفنا، أو يعرف ظروفَنا، لم نعُد نستطيع التواصل مع أقاربهم من أهل زوجي في الزقازيق لعدم قدرتنا على السفر إليهم، وقلة تمكنهم من زيارتنا، ويحتاج الأطفال إلى دعم معنوي هائل، كيف يمكن أن تقدمه لهم الأم التي تحتاج هي نفسها إلى الدعم والمساندة؟!
الدعم المعنوي
هذا الدعم المعنوي هو ما تعتبره زوجة أحمد أشرف أقسى وأصعب ما تعاني منه مع الأبناء، وخاصةً الصغار؛ فالأم التي من واجبها أن تبدو قويةً وصامدةً وتمنحَهم الشعور بالأمان الذي يفتقدونه، هي في واقع الأمر تعاني بشدة من داخلها من فقدان هذا الإحساس بالأمان، بعد ما مرَّت به من مفاجأة وقت الاعتقال، وبعد طول المحنة وتكرار الصدمات في مناسبات مختلفة، سواءٌ الإفراجات التي لم تنفَّذ، أو الإحالة إلى القضاء العسكري، أو المهازل التي يتابعُها الجميعُ، جلسةً وراء جلسة، ورغم أن الأبناء جميعًا يحاولون بذْلَ جهدهم والنجاح في دراستهم، معتبرين هذا هديةً ثمينةً يقدمونها إلى أبيهم في محنته، إلا أنهم يعانون من الفتور والإحباط، ولم يعد هناك ما يتحمَّسون له، فحتى شراء الملابس الجديدة والمستلزمات للعام الدراسي الجديد للصغار لم أجِدْ فيه ما كنت قد اعتدت عليه منهم من حماس وفرحة، ولكن الأمور تتم في فتور، وبالرغم من أن هذه المحنة أسهمت في دفع الإخوة الكبار إلى تحمُّل المسئولية ومحاولة تعويض الصغار عن غياب الأب، إلا أن الصغار يشعرون دائمًا بافتقاد أبيهم، ويكرِّرون طوال الوقت: "كان أبي يفعل كذا.. كان أبي يقول كذا.. أوصانا أبي بكذا"، وكأنما هو معهم، ولم يغب عنهم.
![]() |
|
زوجة حسن مالك |
وتصف زوجة حسن مالك أُسَرَ المعتقلين بأنها مترابطةٌ، وليست مثل بعض الأسر الـ(تيك أواي)، وتتابع: بالتالي فإن رب البيت هو عماد الأسرة وأساسها وأمانها، وبالرغم من أن الأبناء الكبار يحاولون أن يملأوا الفراغ مع إخوتهم الصغار، إلا أنهم يحتاجون خبرةَ والدهم بجانبهم في هذه المرحلة من عمرهم؛ حتى يستطيعوا أن يصبح كل منهم بحقٍّ رب أسرة، والحمل الذي تحمله الأم في ظل هذه الظروف هو حمل خارق، وخاصةً أن كلاًّ من الأبناء له نفسيته وخصوصيته التي عليها أن تتعامل معها، وكلما شعرت أنها استطاعت مساعدة أحد الأبناء نفسيًّا تجد الابن الثاني يعاني، وهكذا دواليك.
والمعاناة لا تقتصر على الصغار، فبنات الدكتور فريد جلبط يعانين من افتقادهن لوالدهن، خاصةً أنه كانت له مع كل واحدة منهن جلسةً أسبوعيةً، يتكلم معها، ويستمع إلى مشاكلها، وما يضايقها، وما تحلم به وتتمناه، لقد أصبح افتقادهن لهذه الجلسة عبئًا رهيبًا على عاتق الأم، التي لا يمكنها أن توزع جهدها ما بين الابنتين الكبريين، وما بين الصغار التي لم يعد بإمكانها أن تتابعهم كما ينبغي؛ نتيجةَ مجهود السفر من أجل الزيارات والجلسات، فأصبح الغياب ليس قاصرًا على الأب وحده، وإنما امتدَّ إلى غياب الأم أيضًا بسبب هذه الظروف القهرية وغير الطبيعية.
وتظل الأسئلة التي بلا إجابة تطارد وتحاصر الأم بعد كل جلسة: "توقعاتكو إيه يا ماما؟.. بابا ممكن يخرج إمتى؟.. هو حيخرج ولا لأ؟.. هو بابا ليه فضل قاعد في البلد دي اللي بيؤذوه فيها مش كان يسافر أي بلد تانية؟!".
![]() |
|
سندس سيد معروف |
بنات سيد معروف تحمَّلْن المسئولية قبل الأوان، وأصبحن أكبر من أعمارهن بكثير؛ نتيجة هذه المحنة التي يعشنها، وقد احتاجت والدتهن إلى بذل جهد كبير في بداية الأزمة حتى يفِقْنَ من صدمتهن، وتشرح لهن الحكمة من الابتلاء، وتساعدهن أن يؤمنَّ بقدر الله وقضائه ويرضَين بما كتبه الله لهن.
وتحاول الفتيات في أيام الزيارات والتي يحتجْنَ في أوقات كثيرة أن يتغيبْنَ عن المدرسة ليتمكنَّ من زيارته.. يحاولن أن يتكلمن معه كما لو كان موجودًا معهن، ولم يتغيب لحظةً حتى يعوِّضن افتقادَهن له قدر الإمكان.
ولم يكتشف د. محمد بليغ قدر تعلُّق أبنائه به إلا بعد مروره بهذه المحنة؛ فبالرغم من أن صُغراهم في الثانوية العامة، إلا أن تعلقها بأبيها شديدٌ للغاية، ولم تتحسَّن حالة الابنة الأكبر النفسية، إلا بعد أن سافرت لقضاء العمرة، إلا أن دعم الأم لأبنائها ودعم الأب من وراء القضبان مكَّنهم من أن يجتازوا الصدمة الأولى، ويعيدوا ترتيب حياتهم، وأصبحوا جميعًا على يقين أن هذه المحنة هي الخير لهم طالما أن الله اختارها لهم، وأنها ستكون فاتحة خير على الجميع، في أخلاقهم، وفي دراستهم، وفي علاقتهم ببعضهم البعض، ووضع الأب خطةً لما بعد خروجه بإذن الله حتى يرتِّب فيها وقته بين عمله وبين أسرته ليعوِّضهم ما افتقدوه خلال هذه المحنة.
أسر واحدة
"أسر تشتَّتَت، لكن.. عائلة كبيرة تشكَّلت"، هذه الحقيقة التي أقرها سعد الشاطر في إحدى كلماته بأحد المؤتمرات المتعلقة بالدفاع عن المحالين إلى بالمحاكمات العسكرية، فرغم تشتت الأسرة بافتقادها لربها وعمادها، إلا أنه قد تشكَّلت أسرة أكبر وأقوى، تشكَّلت عائلة مكونة من أسرة قيادات الإخوان المعتقلين، رابطة هي أعمق وأقوى من الدم.. آلام مشتركة، وآمال واحدة، شجون وهموم موحدة، محاولات لمسح دموع بعضهم البعض بألوان مختلفة، أحلام وقلوب متعلقة بشيء واحد، وهو عودة الأب، الرابط هنا أقوى من الدم، فهم شركاء المحنة والدعوة؛ لدرجة أن أبناء المعتقلين يخرجون بأشكال مختلفة من الإبداعات، يعبِّرون بها عن عمق رابطتهم، منها رسومات ومنها أنشودات!!.
أحلى عائلة
"أحلى عائلة" هو الاسم الذي أطلقته فاطمة محمد بليغ (19 سنة) على العائلة المكوَّنة من أسر المعتقلين، وقد أرجعت السبب إلى أن الشخص دائمًا يعيش مع أسر المعتقلين كل الظروف الصعبة أو السعيدة، فقد تشاركنا معًا ظروف المحاكمات، وتشاركنا في الأفراح والمستشفيات والسجن وعروض النيابة، بل وحتى الجنازات والمؤتمرات، وهي ظروف كفيلة أن تصنعَ عائلةً واحدةً، فجميعنا يفرح مرةً واحدةً لقبول طعن مثلاً، وجميعنا يحزن مرةً واحدةً بسبب مرض أحد منا أو وفاة.. العلاقة ليست علاقة رحم، ولكنها أيضًا ليست علاقة مصلحة مشتركة تنتهي بانتهاء المصلحة، فلقد أصبحنا نتقابل ونعرف عن بعضنا أكثر ممن نلتقي أو نعرفه عن أهلنا بالدم، بل ألغت "أحلى عائلة" كل الحواجز والروتينيات الموجودة في المجتمع، ورفعت التكليف الذي ذاب تمامًا واختفى، خصوصًا مع مرور عام كامل، فيكفينا أن نشعر بأن آباءنا يأكلون ويشربون وينامون معًا بغرفة واحدة منذ عام كامل.
اللافت للنظر أن هذا الأمر مرتبطٌ بتلك القضية فقط، ولم يكن من قبل في أي قضية سابقة، فقد سألت فاطمة أبناء تم اعتقال آبائهم من قبل، إلا أنهم ذكروا أنهم كانوا يعرفون باقي الإخوة المعتقلين بشكل سطحي وجاف؛ حيث يستقلُّ كلٌّ منهم في الزيارة بوالده على مقعد وينعزل مكتفيًا بالمصافحة على باقي أسر المعتقلين.
سعد خيرت الشاطر- الطالب بالفرقة الأولى بكلية إدارة أعمال بالجامعة الألمانية- الذي وصف محنة الاعتقال بأنها أسر تشتَّتت، لكن عائلة جديدة تكونت من أسر المعتقلين، جمعتهم محنة الاعتقال، خلقت فرصًا خصبةً للتعارف والتوحُّد، جعلتهم جميعًا يدًا واحدةً، مكونةً من كافة الأُسَر؛ ولأن الجماعة أفضل من الفرد، فاستطاعوا أن يهوِّنوا على بعضهم البعض كلَّ المحن.
ووصف سعد قلقَ الأُسَر حين مرضت مريم أخته، تمامًا مثلما تجتمع أي عائلة يربطها الدم، وهو نفس ما حدث حين دخلت والدته المستشفى، وتجمَّع الجميع حولها ليهوِّنوا عليها، وهو مثل تجمع العائلات المترابطة القوية، ولكنَّ الرابط هنا أقوى من الدم، فهم شركاء المحنة والدعوة.
بصدق المشاعر
وتصف زوجة المهندس أحمد شوشة (أحلى عائلة) بأنها تشعر أنهم أصبحوا أهلاً فعلاً، ليس عندهم حرج أو تكليف من بعضهم، فحين سافرت فاطمة محمد بليغ للعمرة كانت تشعر أنها افتقدتها كأولادها تمامًا، وحين تزوَّجت مريم الشاطر وسافرت، بكت كأنها هاجر ابنتها تمامًا، وحين خُطِبت نيِّرة عصام عبد المحسن فرحت كفرحة أمها.
وتقول نهال: فوجئت ذات مرة برسالة من منال زوجة أحمد النحاس تهنئني بمناسبة يوم ميلادي، وتعجبْت كيف عرفَت؟! لأفاجأ أنها عرفت من الأولاد، واحتفظت بتلك المعلومة حتى أرسلت لي الرسالة لإدخال السرور على قلبي.
كذلك حين عاد عبد الرحمن من امتحاناته التي قام بها خارج مصر، وعرف النتيجة وأخبرنا بها بالزيارة، شعرت بأن الجميع فَرِحٌ كأنه ابنُهم فعلاً، شعرت بصدق المشاعر، هذا هو الشيء الذي يرطِّب القلوب فعلاً.
![]() |
|
ياسر عبده |
وتشعر أسماء ياسر عبده- الفرقة الثالثة فنون جميلة- بأن (أحلى عائلة) تعوضها أوقاتًا كثيرةً، خصوصًا العلاقات التي أصبحت علاقاتٍ مستمرةً، مثل العلاقة مع عائلة د. عصام عبد المحسن عفيفي؛ نظرًا لمجاروتهم لهم في السكن، فيذهبون إلى الزيارات معًا والمحاكم أحيانًا، كذلك علاقات الصداقة التي تشكَّلت مثل العلاقة مع هاجر أحمد شوشة، فتحوَّلت العلاقات بين أسر المعتقلين إلى روابط صداقة وأخوَّة، وكلما طالت فترة الاعتقال كلما رفعنا التكليف بيننا، وعلى الرغم من أن في بداية أي تعارف يحرص الشخص على إظهار أفضل وجه له يختفي بمرور الوقت وكثرة الاحتكاك، وربما يظهر بعض العيوب، إلا أن حتى تلك العيوب- وتكمل أسماء- التي ظهرت أشعر وكأني أحبُّها!، فأحب كل أفراد عائلتي الكبيرة بمميزاتهم وعيوبهم.
وأضافت أسماء: "بحسّها جدًّا في المناسبات، لما نكون كلنا سوا، وده كان في فرح سارة الشاطر أو بسمة أبو زيد، ونتشارك الظروف والأحاسيس التي يمرُّ بها أحدُنا، فمثلاً حين تُوفِّي والد "عمو أحمد أشرف"، كنا بالزيارة ورأينا حجم حزنه، حين عدنا إلى البيت كنا مثقَلين بالحزن تمامًا مثله، وكأنه والده ووالدنا!.
والتقطت الخيط والدة أسماء التي أجرت عمليةً منذ عشرة أيام تقريبًا، ولم يخبر زوجها أحدًا من الإخوة، وحين عرف المهندس خيرت بعدها بيومين من ابنته عاتبَه بشدَّة، ثم أفردوا لها الدعاء بعد صلاة العشاء وفي القنوت والقيام، وتقول: أنا أثق أن هذا الدعاء رفع عني بلاءً كثيرًا.
وتضيف: كم كان رائعًا حرص الإخوة على أن يطمئنوا زوجي عليَّ، من خلال زوجاتهم اللواتي زُرْنَني، فكان يعود الأخ من الزيارة ليخبر زوجي أن زوجته زارتني، ويحاول أن يطمئنه عليَّ، فـ(أحلى عائلة) هي عائلات الـ32 أسرة، فعلاً أشعر بأنهم شيءٌ واحدٌ، أي خبر يحدث في أسرة تعرفه باقي الأسر سريعًا، بل ويحرص الإخوة على مشاركة بعضهم البعض في ذلك.
وفي إحدى الجلسات كان زوجي يريد أشياء، ولم يكن متيسِّرًا الذهاب وقتها، فأرسلت طلباته مع عائشة عبد الرحمن سعودي، وفوجئت بعدها أن والدها لم يحضر الجلسة ولا أعرف أكانت تعرف أنه سيتغيَّب وذهبت خصِّيصًا أم لا، إلا أنني دعوت لها كثيرًا وما زلت، وهو نفس ما يحدث مع أسرة د. عصام عفيفي؛ نظرًا لتجاورنا في السكن، ولصعوبة ذهابي لزوجي بعد العملية، فإني أرسل معهم رسائل وطلبات لزوجي دائمًا وكأنهم أهلي.
![]() |
|
صادق الشرقاوي |
عبد الله صادق الشرقاوي (22 سنة) وصف عائلته الكبيرة الجديدة بأنها "حاجة جميلة جدًّا" فبقينا عائلة كبيرة على طول مع بُعدها، أي ظرف يمر عند أحدنا كأنه يمرُّ عندنا جميعًا، ودلَّل على ذلك بيوم زواج أخته سمية، فكانت نفس الفرحة التي بعينَي والده هي نفسها نفس الفرحة التي بعين كل الإخوان المعتقلين مع والده، ونفسها بعين كل الأسر التي حرصت على أن تشاركهم الفرحة.
إلا أن عبد الله كان صاحب الرأي الأكثر صراحةً والأكثر موضوعيةً؛ حيث رأى أن مجتمع أسر المعتقلين أو مجتمع (أحلى عائلة) على الرغم من مزاياه، إلا أنه يشبه المجتمع الريفي إلى حدٍّ كبير، فكما ينتشر الخبر بالمجتمعات الريفية بسرعة البرق هو نفس ما يحدث بمجتمع (أحلى عائلة)، وهو ما يخدش الخصوصية، وبالتالي في رأي عبد الله مجتمع المعتقلين "مفيهوش خصوصية"، فمن الممكن أن الخبر الذي يحدث بالبيت بعد ساعة واحدة أجد الجميع يعرفه!!.
عبد الرحمن ممدوح الحسيني (23 سنة) هو أيضًا كان له نظرة مختلفة؛ حيث رأى أن هذا الإحساس كان على أشدِّه منذ ثلاثة أشهر مضت على الأقل، ربما يُرجِعُها للفعاليات التي تخلق اللقاءات، أما الآن بعد عام كامل فالوضع خفَّ كثيرًا واختلف، على حدِّ قوله.
فرح وشوق
منال حسين- زوجة المهندس أحمد النحاس- قالت بفرح: النهاردة يوم ميلادي، وأول ناس كلموني كانوا أفراد عائلتي من أُسَر المعتقلين، بل وكمان كلموا أخويا لأنه توأمي، وقدموا لنا نحن الاثنين هدايا كثيرة، وكان أول اتصال من أسرة حسن مالك، ثم فوجئت بهدية رائعة من أسرة محمود عبد الجواد، وبباقة ورد من زوجي؛ ذلك فضلاً عن مواقف كثيرة في مناسبات مختلفة، كنجاح أولادي، ومثلاً حين مرضت زوجة المهندس خيرت، شعرنا كأنها فرد من عائلتنا فعلاً، بل وأصرَّ أولادي على السفر من الإسكندرية إلى القاهرة فقط لرؤيتها، ولم نكن نشعر بمشقة داخلية تمامًا، بل كنا نشعر بفرح وشوق وقلق عليها.
وأنا دائمًا حين أنزل إلى مصر أقيم عند أسرة حسن مالك، ولا أشعر بغربة أو حرج مطلقًا، بل أشعر كأنه بيتي تمامًا، وأولادها هم أولادي؛ لدرجة أنني لو لم أنزل القاهرة لزيارة أنزل فقط لأقابل عائشة وأنس، وكذلك ينزل معي أولادي لنفس السبب، فلو لم يتصلوا علينا لأيام أشتاق لابني وابنتي جدًّا.
وأضافت: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ (الأنفال: من الآية 30).. من مميزات الاعتقال أننا أصبحنا معًا، فلو لم نخرج من الاعتقال إلا بالثواب والأجر، فيكفينا مكسب الأسرة الكبيرة التي خرجنا بها، نحن عائلة واحدة نتشارك كافة المناسبات كأي عائلة مترابطة.
جمال شعبان

آمال إبراهيم- زوجة المحاسب جمال شعبان- تقول: رغم الابتلاء.. ربنا يفتح أبواب رحمة تهوِّن آلام الابتلاء، فالعائلة الكبيرة فعلاً مفرحة ومترابطة، ومن قبل كنا ندعو ونقول يا رب فكّ أسر والدنا، ونفرح بدعاء الناس له، لكن الآن حين يخبرنا أحد أنه يدعو له فنطلب منه أن يدعو له ولإخوانه؛ لأنهم لو خرجوا جميعًا ببراءة عدا واحد منهم فقط سنشعر بحزن شديد.
وأكملت: فالزيارات تجمعنا على همٍّ واحد وهدف واحد، وحتى الأطفال ارتبطوا ببعض، وأي مناسبة عند شخص كأنه من العائلة، فالأسرة الصغيرة كبرت، ومكونة من أفراد من النادر وجودهم في زمن مثل هذا، يتحمَّلون ابتلاءات كثيرة وشديدة، خصوصًا من سُلِبَت أموالهم، ويظلون على صبرهم واحتسابهم، ويحمدون الله أنهم ابتُلوا في أموالهم ولم يُفتَنوا في دينهم!! فبقدر شعورنا أننا مبتلون بقدر شعورنا أننا مختارون.





