"حتى لا تموت الروح".. قصةٌ تسلبك منذ البداية عن كل انشغالٍ بالخارج، وتجذبك بقوةٍ إلى أعماقٍ بعيدةٍ، فإذا انتهيتَ من القراءة وعدت للسطح لم يكن في مقدورك الحديث عن كل ما رأيتَه، ولكنَّ الغريب حقًا أنه حتى بعد تعرُّضِك لتلك الصعقة الشديدة القوة من الفاجعة تجد نفسك مطمئنًا على مصائر كل الأشخاص الذين عايشتهم في رحلة غوصك.
"حتى لا تموت الروح".. هي قصة امرأةٍ مصريةٍ مسلمةٍ، منال نور الدين، فتاةٌ جامعيةٌ ملتزمةٌ دينيًّا، وعاملةٌ في حقل الدعوة، يتزوجها عماد سعيد، شابٌ مصريٌّ مسلمٌ جامعيٌ مثقفٌ، وعاملٌ في حقل الدعوة هو أيضًا، يعيشان حياةً ملؤها الحب والتفاهم والرضا، ثم تنقلب الأوضاع حينما تصاب منال بمرضٍ خطيرٍ.
"حتى لا تموت الروح".. هي قصة حبٍّ إذن، ولكنها قصةُ حبٍّ غير عادية؛ إذ هي تأتي على أفكارنا المسبقة المرتبة المستقرة في أذهاننا عن قصص الحب، وتدعونا بقوةٍ لإعادة ترتيب هذه الأفكار.. قصة حبٍّ تشعل نار الثورة، وتُعلن الحرب على نظامٍ اجتماعيٍّ قائمٍ.
منال نور الدين هي الثائرة التي تأخذ على عاتقها مسئولية الدعوة للتغيير.. منال الدافئة الحنونة في قوةٍ وثباتٍ تنبعث عبر سطور الكاتب علاء سعد، وتعلن حربًا ضاريةً على الصور الفاتنة المصنعة المفبركة المطلة من الفضائيات.
صورٌ تقفز على أحكام الغسل، ليس جهلاً وإنما خوفًا وجزعًا من ذوبان أدوات الفتنة والسحر المقتناة في قارورات بلاستيك تحت وطأة حثيات الماء الطهور.. صورٌ تخترع كل يوم أنواعًا جديدةً من الحساسية، وتتبناها حساسيةٌ من الماء البارد ومن حبوب الطلع ومن نور الشمس، وبشرتها ترزح تحت أطنانٍ من الأصباغ والمثبتات كمية كافية لإحداث كارثةٍ في حجم تشرنوبيل.
حرب منال نور الدين كانت تشنها ضد كل هؤلاء المُدِّعيات بأن الحب هو صنعتهن المحتكرة،
لصالح كل العفيفات الطاهرات الطيبات القلب، جميلات الوفاء، لصالح فتيات المساجد وربيبات "الحلقة".
ومنال كانت كما كان واجبًا أن تكون: مقاتلةً شرسةً، سلاحها الحب.
"إن الطيف الذي يسكنني هو من النوع المقاتل (طيف عفاريتي) الذي يقاتل من أجل قضيته، وهو- ولا شك- سيكسب معركته".
"حدثت أزمةٌ، وتفاقمت الأزمة؛ لأن الخلاف هذه المرة لم يكن خلافًا معتادًا بين أهل خطيبين على أثاثٍ أو مهرٍ أو نفقةٍ، وإنما كان خلافًا بين مذهبين في الحياة.. كان الأمر جديدًا على الواقع الاجتماعي، وزاده تعقيدًا علاقةُ القرابة والنسب التي تربط الجميع، وأصبح في فض هذه الخِطبة نوعٌ من زعزعة الاستقرار في أسرٍ أخرى داخل العائلة".
"والحقيقة يا صديقي أن عائلتنا حملت ظلمًا بيِّنًا لفتيات المساجد من جرَّاء هذه العلاقة الكبيرة".
"منذ هذا التاريخ وأنا أحمل على عاتقي إعادة تقديم نموذج المسلم الملتزم لمحيطنا الاجتماعي من جديد، على أن يكون نموذجًا ناجحًا هذه المرة، وكانت شريكة حياتي المنتظرة هي فرس الرهان لتقديم هذا النموذج"، وفرس رهانٍ رابحٍ يكسب كل السباقات.
"وقد كانت- والحق يقال- أهلاَ للمراهنة عليها بالروح و النفس".
على عتبات النص
العنوان هو أول العتبات التي من على مشارفها نستشف محتوى النص ولو إيحاءً.
منذ الوهلة الأولى يتبادر للذهن أن الروح مهددةٌ بالزوال.
ومنذ الوهلة الأولى نحس أننا في صدد المغامرة في دوائر خطرة- مشاعريًّا على الأقل- وندخل القصة بنفسيةٍ متوجسةٍ ونسبة أدرينالين عاليةٍ.
مغامرةٌ صوب برمودا
إن الروح التي كانت في الأصل واحدةً ثم انقسمت وتاهت قليلاً ثم عادت فالتأمت لا بد لجزأَيْها من التلامس الذي يظل جميلاً ولطيفًا، وراقيًا وساميًا منه من كل فجاجةٍ وفحشٍ.
والتلامس هنا حاجة الروح للاطمئنان إلى سكنها، وبحثٌ عن اللقاء بروحها التوءم حقيقة في تلك الغفوات الجميلة التي قد تدوم لحظةً في حساباتنا، ولكنها في عالم الروح كافيةٌ للقاء والسياحة في عوالم تجهلها مداركنا القاصرة.
هو إذن تلامسٌ ترضى عنه الأرض، وتباركه السماء.
هذا هو الجنس الذي وظَّفه علاء سعد في جرأةٍ حانيةٍ رحيمةٍ بقارئٍ متزمتٍ ما.
ديننا سياسةٌ، و سياستنا دينٌ؛ لذلك لن أعرف كثيرًا كيف أفصل بين الاثنين.
ينقلنا التوءم (منال وعماد) من صورةٍ نمطيةٍ تكون قد استقرت في أذهان الناس عن حياة المسلم الملتزم، تتكرر كثيرًا في الأحاديث العامة وفي الإعلام- وهذا عند من يحسنون الظن- صورة الحياة الجادة الصارمة، والقسمات المشدودة أبدًا.
تلك الشخصية المضطهدة ذات الإحساس الدائم بالظلم من الآخرين: من المجتمع، ومن الدولة، أو تلك التي طوَّقت نفسها بقنبلةٍ قابلةٍ للانفجار في أية لحظةٍ وفي وجه أي كان.
في عالم منال وعماد ابتسِم؛ فأنت في عالم سعيدٍ هادئٍ، راضٍ محبٍ وودودٍ، عالمٍ يكاد أن يكون طوباويًّا، لكن واقعيته مبررةٌ ومقنعةٌ؛ فهو عالمٌ ممكنٌ.
من الدين والسياسة معًا أن تأمر بالمعروف، محتجًا ومتظاهرًا ومعتصمًا، قائلاً: "لا" في وجه سلطانٍ جائرٍ حتى وإن كنت طالبًا يتهددك ضياعُ مستقبلك الدراسي والخلود قليلاً إلى غيابات السجن.
" كنا بنفس القدر الذي نرفض فيه الاحتلال.. كنا نرفض أيضًا السماح لقوات التحالف بقيادة الأمريكان النزول بالخليج العربي وتولي مهمة إخراج العراق من الكويت، كنا نراها خطةً مدبرةً لاستنزاف أموال الخليج وإمكانياته المادية الهائلة، وكذا استنزاف قوة العراق العسكرية".
ومن الدين والسياسة أن تكون صاحب رأيٍ ورؤيةٍ، قادرًا على الحكم على ما يحدث حولك، قادرًا على مقارعة الحجة بحجةٍ أقوى في الحق.
"لقد دخل ذات مرةٍ في حوارٍ حادٍ جدًّا مع "عصام" في إثر الإعلان عن عمليةٍ إرهابيةٍ قامت بها جماعة الجهاد في مصر، وكانت له حدةٌ في آرائه، وكان يصف أصحاب منهج العنف بخوارج العصر".
النبع والسارية.. رموزٌ وأسماءٌ
كما يقول نبينا- صلى الله عليه وسلم-:"لكل امرئٍ من اسمه نصيب".
منال: جاء هذا الاسم على وزن اسم المفعول: نال ينال نوالاً ومنالاً للدلالة على أن هذه الشخصية تضع نفسها في متناول الآخرين، وفي خدمتهم يغرفون من مناهلها ما شاءوا أن يغرفوا.
فعلى المستوى الخاص:
* زوجها الذي يغرق في مياه بحيراتها الدافئ، ويغوص وتأخذه الدهشة مما تحتويه أعماقها من لآلئ وأصداف نادرةٍ، ويسبر أكثر، فيأخذه المشوار بعيدًا في اكتشاف كنوز مغاراتها العجيبة الفاخرة الثراء، و ينال منها رحلات غوصٍ في عوالم السماوات حتى وهي على فراش الموت.
* أهل الزوج ينالون منها ودًا صافيًا، وطيبةً منقطعة النظير، وكرمًا وبذلاً، وعطاءً واستضافةً، وإيواءً ودفعًا لزوجها ببرهم.
* أبناؤها ينالون منها الرعاية الفائقة؛ فها هي "مريم" ابنتها البكر مثار إعجاب الأمهات في المجتمع المحيط.
"سأستطيع أن ألعب عدة أدوارٍ في وقت واحد: دور الزوجة المحبة، والابنة الطائعة، والأم الحانية، وزوجة الابن البارة بأم زوجها وأخوته وأخواته.. كانت هذه هي نظرتي الدائمة للحياة"
على المستوى العام:
* عملها الدعوي حتى قبل ارتباطها بعماد. والقارئ تابع أن هذا العمل وهذه السمعة الطيبة فيه هي التي كانت السبب في تعلق عماد بها حتى قبل أن يراها في عالم الملامح والقسمات.
* تسخيرها لجهودها للخدمة ضمن الجمعية الخيرية في مكة.
* تحفيظها القرآن الكريم في المجتمع المكي.
* قرارها التبرع بأعضائها لصالح مرضًى آخرين.
منال هي الصورة الرمزية لنبعٍ دافقٍ يروي كل العطاشى، وهو ريَّانٌ بطبيعته.
هل رأيتم نبعًا يشرب؟!.
عماد:
المرأة المسلمة عندها يقينٌ قويٌّ أن الله خالق الأكوان، ومنشئ العباد، هو أعلم بما خلق، وهو أعلم بما شرع.
ومن المسائل التي أصبحت تثير الكثير من الجدل مسألة "القوامة"، وحينما يكثر الجدل يضيع بعض الحقيقة أو نصفها أو جلها.
المُسلِمات وحدهن لديهن هذا اليقين الجميل: أن تلك الاستكانة المطمئنة لكائنٍ آخر هو مثيلٌ لها في التكاليف، ولكن له عليها درجةٌ هو شيءٌ لا يُنقِص شيئًا من كرامة المرأة، ولا يحد في شيءٍ لا من حريتها ولا إبداعيتها.
"عماد" هو الركيزة الرئيسة لأسرة منال.
أدوات البوح
تقنية الاسترجاع أو "الفلاش باك" سمحت بغوصٍ سلسٍ مع الذكريات ضمن تسلسل كرونولوجي منطقي.
تميز نمط القص بهيمنة الكاتب الراوي، والشخصية الحاملة لوجهة النظر (عماد)؛ حيث لم يترك لمنال- الشخصية المحورية- مساحةً كافيةً للإفصاح عن نفسها.
كانت منال دائمًا مقيَّدةً بالسياق الذي يوظفها فيه علاء سعد (الكاتب) وعماد سعيد (الراوي) ضمن رؤيتهما الخاصة.
صوت الرجل كان طاغيًا مهيمنًا على البرنامج السردي أغلب الوقت رغم أنه في بعض الفصول جاء مرويًّا على لسان منال ولكن عبر صوت عماد، أي بتعبيرٍ آخر: صوت منال هنا لم يكن أصيلاً، بل جاء وكأنه رجع صدًى.
يروي عماد:
"وأخيرًا فتح الباب، وجاءت أميرتي ومليكة قلبي، جاءت تعانق كفها كف شقيقها عصام، ولا أكذبك إن ذكرت لك أنها كانت اللحظة الأولى التي أشعر فيها بالغيرة من عصام، بت أشعر منذ هذه اللحظة بأنني الأولى بأن أكون بجوارها أمسك كفها على هذا النحو".
وتروي منال مصدقةً لرواية عماد:
"سيطرتُ على نفسي بصعوبةٍ بالغة، وأنا أتقدم مع أخي كفي ترتجف بين كفه إلى الصالون، وفتح الباب أخيرًا، ولم أرَ غرفة صالوننا، ولم أرَ ذاك الجالس أخاله منتظرًا على أحرِّ من الجمر.. لم أر سوى نورًا باهرًا كأنَّ الشمس قد عاودت الشروق بعد العشاء...".
في أحيان كثيرة من زمن القص كانت تنتابنا الرغبة في الصراخ في وجه الكاتب أن ابتعد قليلاً خذ بعضًا من المسافة، ولا تحجب عنا رؤية بطلتنا كما هي فعلاً.
تدفق الكلمات
جاءت اللغة بسيطةً سلسةً متدفقةً كما اقتضاه سياق الحكي، فالراوي هنا في مقام بوحٍ قسري لا يترك مجالاً للصنعة اللغوية، ولا حتى الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة.
قد يكون هناك الكثيرون ممن لا يشاطرونني الرأي، لكنني أظن أن "تفصيح" بعض فقرات الحوار يفقدها الكثير من دفئها بنقلها من واقعها الحي إلى برودة الصورة الخطية.
والقول بمصلحة القارئ العربي هو حجة مردودة على اعتبار أن اللهجة المصرية هي أكثر اللهجات انتشارًا عبر الوطن العربي.
غرفة من عبق الماضي
في "حتى لا تموت الروح" هناك توظيف مكثف لدرجة ما لمكتبة التراث.
ولا أدري إن كان يصح شرعًا إلحاق القرآن وأحاديث النبي بالتراث، لكن الذي أدريه أن النص زخر بالكثير منها كدلالةٍ على أن القرآن والسنة كانا هما منهج حياة منال وعماد.
"لقد كنت كثيرًا ما أتوقف مع منال أمام تعبير الله تعالى في القرآن عن الزوجة (بالصاحبة)، مثل قوله تعالى ﴿وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36)﴾ (عبس)".
"لكنني ومنال كنا قد استشرفنا من حديثٍ رقيق من أحاديث حبيبنا الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "إذا أحب أحدكم أخاه فليخبره....".
كما أن التصدير لبعض الفصول بمقاطع جميلة من تراثنا الإنشادي الإسلامي أضفى الكثير من الحيوية على عملية القص، وأبعدها عن المنحى التسجيلي البحت.
"يا رايح أرض الأفراح هات لي معاك هدية
هات لي عريس زين وملاح وعروسة متربية
قلنا يا عريس احكيلنا إزاي اخترتها
لمالها ولا لجمالها ولا لأصلها
ده اختار عروسته بمهارة أدب عفة وطهارة
حتعيش وياه على شرع الله، وحتبقى للعهد وفية"
هذه مقطوعة تصدَّرت الفصل الحادي عشر الذي حمل عنوان "أيام في جنة الأرض".
في منظومة كاتب- عمل- قارئ
دائمًا نجد أن الكاتب يكتب انطلاقًا من منظومة فكرية وقيمية معينة وبنفس الدرجة يتلقى القارئ ذلك العمل ويحلله وفقًا لمقابلات رموز موجودة في منظومته الفكرية والقيمية الخاصة به.
نكتشف، إذن استعمالاً- عفويًّا ربما- للتراث الإخواني وأدبياته ابتداءً من رومانسية تلاوة دعاء الرابطة عند الغروب "اللهم إنك تعلم أن هذه القلوب قد......."، وانتهاءً بسجن أبو زعبل المغروس غصة شديدة المرارة في حلوق إخوان العالم.
"....غير أنه قد يدهشك إن أنا أخبرتك أن (أبي زعبل) كان من أهم الأماكن التي زرتها في حياتي، وأن لياليه الطويلة الكالحة، كانت بالنسبة لي.....".
المكان:
كل ما نستشفه من القصة أن الأحداث تقع بين مدينة دمنهور شمال القاهرة قريب من مدينة الإسكندرية الساحلية، وبين مكة المكرمة، وهي مكان ذو طابع كوني، والمكان يخرج الحكاية من سطحية الحروف المنبطحة على مساحة بيضاء ويعطيها حجمًا ولونًا.
أبواب الحكاية:
20 فصلاً متفاوتةً الطول تسمح للقارئ بأخذ بعض النفس، خاصةً أن فيها جرعةً تراجيديةً قويةً جدًّا قد تكون مؤذيةً لمَن يأخذها على نفس واحد.
النهاية:
فعلاً بعد رحلة الزفاف إلى السماء يجب أن نسكت عن الكلام؛ لأن هناك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
ولأنه حينما تحتجب البطلة خلف الستر القصة تنتهي حتمًا.
نهاية القصة مغلقة إذن.
ومع ذلك ففي الأفق بعض الانفتاح يمكن القارئ وبإمكانه أن يستخلص الكثير من النتائج منها مثلاً:
امرأة محبة محبوبة راضية مرضية هي الحارسة لقيم هذه الأمة.
وهي الشجرة التي ستثمر مجد هذه الأمة.
ومن رحمها وعلى يديها سيكون خلاص هذه الأمة.
--------
* أديبة جزائرية