لم أَرَ ظلمًا في حياتي وقَعَ على أيِّ بشرٍ كما يقع الآن على الشعب الفلسطيني، فهو مظلوم من الاحتلال الصهيوني وما يُسمَّى بالمجتمع الدولي ومن إخوتهم في الدين والعقيدة من حكام العرب والمسلمين، ومن بعض المتربصين من أبناء جلدتهم في الضفة والقطاع.
كنا نتحدث عن نكبات الفلسطينيين وعن قضية اللاجئين في داخل فلسطين وفي الشتات، والذي يبلغ عددهم ستة ملايين لاجئ، غير أن نكبات فلسطين قد أُضيفت إليها نكبةٌ أخرى وقضيةٌ أخرى أكثر مرارةً وألَمًا بعد الحصار والتجويع والقتل والاعتقال من قِبَل العدوِّ الصهيوني ومن يساندوه.. هذه النكبة الجديدة هي نكبةُ العالقين على الجانب المصري من الحدود مع قطاع غزة؛ حيث افترش المئاتُ من الفلسطينيين مطار العريش في انتظار دخولهم لقطاع غزة عن طريق معبر رفح المصري الفلسطيني وهؤلاء هم العالقون في البر.
غير أن العالقين في البرِّ كانوا أكثر حظًّا من العالقين في البحر، وهذه كارثةٌ لا مثيلَ لها في العالم الحر؛ حيث رفضت السلطات المصرية السماح لأكثر من ألفي حاجِّ دخول الأراضي المصرية، ومن ثَمَّ إلى قطاع غزة عن طريق معبر رفح المصري الفلسطيني، واشترطت على الحجاج لدخول القطاع عبر الأراضي المصرية أن يُوقعوا على تعهدٍ بدخولهم قطاع غزة عبر معبر كرم أبو سالم (العوجة) الذي يسيطر عليه العدو الصهيوني، وهو ما رفضه الحُجاج؛ الأمر الذي أدَّى إلى احتجازهم في ميناء العقبة، واضطُّرَّت السلطاتُ الأردنيةُ أن تتخلَّص منهم، فأرسلتهم لمصر في عبَّارتين، فرفضت السلطات المصرية استقبالهم في ميناء نويبع حتى يُوقِّعوا على وثيقة الخزي والعار لعودتهم عن طريق الكيان الصهيوني، وطالبت بعودتهم للأردن فأصبحوا يدورون بالعبَّارتين في عرض البحر وطوله؛ حتى تستقبلهم السلطات المصرية في ميناء نويبع المصري، وصاروا يسمَّون بامتياز "العالقين في البحر"، فأصبح عندنا نوعان من العالقين: العالقون في البر والعالقون في البحر.
وكانت السلطات المصرية قد سمحت لهذا العدد من الحُجاج بدخول الأراضي المصرية عبر معبر رفح من قطاع غزة، والطبيعي أن يعودوا من حيث أتوا كما تعهَّدت السلطات المصرية.
الكارثة الكبرى أنَّ معظمَ الحُجاج هم من المطلوبين لدى العدو الصهيوني، ويعني إجبار السلطات المصرية لهم على التوقيع بدخول غزة عن طريق المعبر الصهيوني هو تسليم أنفسهم لهذا الكيان؛ حيث السجن والاعتقال؛ مما يجعل السلطات المصرية شريكةً مع الاحتلال في جريمة تسليم الفلسطينيين للعدو الصهيوني، وهذا أمرٌ يُثير السخرية والعجب من هذا الموقف المخزي للنظام المصري.
الصورة معكوسة، وحان وقت اعتدالها لا محالةَ؛ ففي الوقت الذي نُرحِّب فيه بوزير الحرب الصهيوني باراك ونستقبله استقبالاً حافلاً على أعلى المستويات بالرغم من يديه الملوَّثتَين بدماء الفلسطينيين، وفي الوقت الذي يُرسل العدوُّ الصهيونيُّ وفودَه لأي مكانٍ في أرض الكنانة مصر وهم محلُّ ترحابٍ وحسنِ ضيافةٍ من النظام المصري، فعلى الجانب الآخر يُحاصَر الفلسطينيون ويجوعون ويموتون بلا طعامٍ ولا دواء، ولا يدخلون مصر، وإذا دخلوا مصر لا يعودون إلى ديارهم مرةً أخرى، والمسئولون في الحكومة الفلسطينية الشرعية- وعلى رأسهم الأستاذ إسماعيل هنية رئيس الوزراء- غيرُ مرحِّبٍ بهم من قِبل المسئولين المصريين.
وفي الوقت الذي تقوم فيه حكومتُنا المصرية الرشيدة بإمداد الكيان الصهيوني بالغاز ليكفيه لمدة 20 عامًا بأبخس الأثمان، يقوم هذا الكيان بقطع الغاز والطاقة عن قطاع غزة، ولا تستطيع الحكومة المصرية إمداد القطاع بالغاز، في الوقت الذي تكون فيه إملاءاتُ العدوِّ الصهيوني والإدارة الأمريكية مجابةً وسريعةً من النظام المصري، كما يرفض النظام المصري أيَّ استجابةٍ لأي طلبٍ فلسطيني من غزة حتى إنقاذ المرضى من الموت أو الأيتام والأرامل من الجوع.
ما هذا الظلم الأسود؟ وما هذا التعدِّي غير المسبوق على حقوق الشعوب؟ أين العرب؟ أين المسلمون؟ أين الشعب المصري؟ أين منظمات حقوق الإنسان؟ أين كل الأحرار في العالم؟ ولن أقول أين حكام العرب؛ فقد ماتوا ومات معهم الإحساس بالكرامة والعزة ونصرة إخوانهم العرب والمسلمين منذ زمنٍ بعيد!! ونحن لن نُناديَ على الأموات، فلن يسمعوا ولن يستجيبوا.
لقد رفض العالقون في البحر العودة لميناء العقبة الأردني، وأبَوا إلا الوصول إلى قطاع غزة عن طريق الأراضي المصرية، ونحن معهم في هذا التصرف المسئول، فواجب النظام المصري أن يُعيدَهم بنفس الطريقة التي جاءوا بها، وندعوهم ونشدُّ على أيديهم أن ينتفضوا بكل الوسائل السلمية لنَيل حقوقِهم وعودتِهم من خلال معبر رفح؛ فقضيَّتهم عادلة، ويستحيل أن يُسلِّموا أنفسهم لقمةً سائغةً للعدو الصهيوني المتربص، وأدعوهم أن ينتفضوا بكل الوسائل السلمية، ويرفضوا بقاءهم على الأراضي المصرية؛ ليعودوا فورًا إلى ديارهم.
وأدعو الشعوب المصرية والعربية والإسلامية أن يؤازروا إخوانَهم العالقين في البرِّ والبحرِ بكل الوسائل المتاحة حتى ينالوا حقوقهم المشروعة، وندفع عنهم هذا الظلم والبغي الذي تخطَّى كل الحدود..
أخي جاوز الظالمون المدى فحق الجهاد وحق الفدا
اللهم إنا نُشهِدك على ظلمِ الأعداء وظلمِ ذوي القربى؛ فانتقم من الظالمين وفكَّ أسر العالقين.. اللهم آمين.