تجلَّت إرادة الصمود والتحدي لحُجَّاج غزة الذين كانوا عالقين في البر والبحر في أزهى صورها، وأنتجت نصرًا مبينًا, وتعلمنا منهم الدرس الكبير بعد أن استُقبلوا في قطاع غزة استقبال الفاتحين؛ فقد هزموا أعداءهم هزيمةً مدويةً، ولقَّنوهم درسًا قاسيًا، وهو أن العُزَّل الضعفاء بأجسامهم والأقوياء بإيمانهم وعزيمتهم الفولاذية، يستطيعون أن يهزموا أعتى قوى الأرض المتمثلة في الإدارة الأمريكية والعدو الصهيوني، والذين يكيدون لهم من أبناء جلدتهم.
مهلاً مهلاً, ورويدًا رويدًا.. استطاع حُجَّاج غزة أن يكسروا كل القيود ويحطموا كل السدود حتى فتحوا معبر رفح المصري الفلسطيني، فكانوا خير فاتحين, وبثُّوا روح الأمل ليس في نفوس أهل فلسطين، ولكن في قلوب ونفوس مئات الملايين من العرب والمسلمين، الذين باتت قضيتهم الأساسية هي فلسطين وحُجَّاج غزة العالقين.
إنه درسٌ عظيمٌ لكل الشعوب المطحونة أو المغلوبة على أمرها، وهو أن إرادة الشعوب غلاَّبةٌ؛ لأنها من إرادة الله الذي يأبى الظلم على عباده, وطالما هناك الإيمان والإرادة الحرة والقضية العادلة فلن تستطيع قوى الأرض مجتمعةً أن تنال من عزيمة هذه الشعوب، وأن الحق أبلجٌ، وسينتصر ولو بعد حين.
وحتى لا ننسى أو نتناسى, نذكِّر بالذي قام به العالقون المساكين في البر والبحر؛ حتى نستوعب الدروس الهائلة من هذا الموقف العظيم والمشهد المهيب.
1- حاولت السلطات المصرية أن تجبر حُجَّاج غزة على التوقيع على تعهدٍ مكتوبٍ بدخول غزة عن طريق معبر كرم أبو سالم الذي يسيطر عليه العدو الصهيوني؛ تحقيقًا لإملاءاتٍ وضغوطاتٍ صهيونيةٍ وأمريكيةٍ, فرفض أكثر من ألفي حاج التوقيعَ، ولم يشذ عن هذه القاعدة فردٌ واحدٌ، حتى العجزة والمرضى، والنساء والشيوخ وأصحاب الحاجات, وبرغم أداء مناسك الحج وما بها من مشقةٍ والسفر الطويل وما به من وعثاء وتعب.. أرأيتم هذه الوحدة الرائعة وهذا الصمود العجيب؟!، سواءٌ كانوا مطلوبين أو غير مطلوبين للعدو الصهيوني؛ فقد جاء الرفض بالإجماع على التوقيع على هذه الوثيقة العار.
2- ألقت بهم السلطات الأردنية بعرض البحر؛ ليلقوا مصيرهم مع السلطات المصرية التي رفضت استقبالهم إلا بعد التوقيع على وثيقة الخزي والعار، وطالبت بعودتهم مرةً أخرى إلى ميناء العقبة الأردني، فانتفض الحُجَّاج من عالقي البحر، وأبوا إلا النزول على أرض ميناء نويبع المصري مهما كلَّفهم ذلك من تعبٍ وضيقٍ وأذى، وأقسموا حتى لو هلكوا جميعًا فلن يعودوا مرةً أخرى إلى الأردن، وطال انتظارهم في البحر ثلاثة أيامٍ في البرد القارس، وفي ظروفٍ بالغة السوء، يلتحفون فيها السماء، ويفترشون فيها مياه البحر، واضْطُرَّت السلطات المصرية في النهاية لإنزالهم في ميناء نويبع المصري.
3- تعرَّضوا لتفتيشٍ دقيقٍ في ميناء نويبع؛ بسبب استخبارات العدو الصهيوني والمخابرات الأمريكية بزعمهم الخائب أن الحُجَّاج يحملون السلاح والأموال لقطاع غزة, فلم يجدوا شيئًا، وخاب مكرهم السيئ، وصبر الحجاج على هذا التفتيش المريب.
4- ألقت بهم السلطات المصرية على أرض الإستاد الرياضي في العريش، وقسَّمتهم إلى ثلاثة أقسام، في محاولةٍ لتشتيت وحدتهم وكسر إرادتهم، فاحتجُّوا وانتفضوا، ورفضوا أصلاً النزول لخيام الإيواء التي أعدَّتها السلطات المصرية، وأبوا إلا الدخول إلى معبر رفح فورًا أو نصب خيام الإيواء بجوار معبر رفح، وقام عددٌ منهم بالسفر عنوةً تجاه معبر رفح لدخول غزة، إلا أن السلطات المصرية أقنعتهم بالعودة مع التأكيد على حل مشكلتهم.
5- لم يفقدوا الأمل، ولم تهن عزيمتهم عندما علموا أن إخوانهم من الحُجَّاج في القسم الثاني منهم لا زالوا عالقين في البحر أمام ميناء نويبع, ولم يفت في عضدهم الظروف القاسية من شدة البرد ونفاد الغذاء والدواء, ولم تهن عزيمتهم باستشهاد ثلاثةٍ من الحجاج من كبار السن والمرضى، وأبَوا إلا الدخول عبر معبر رفح.
6 - شغلوا العالم بقضيتهم وصمودهم، فكان خبرُهم خبرَ الساعة في الفضائيات وكل وسائل الإعلام، وتحرَّكت الاحتجاجات والمناشدات في العالم العربي والإسلامي من كل حدبٍ وصوب.
7- خرج سكان قطاع غزة عن بكرة أبيهم لنصرة إخوانهم الحُجَّاج، فنظَّموا المظاهرات والإضرابات والاعتصامات بالقرب من معبر رفح على الجانب الفلسطيني، وأبى الكثير منهم إلا أن ينصب خيم الاعتصام حتى يدخل إخوانهم العالقون في الجانب المصري.
8 - هبَّت حكومة السيد إسماعيل هنية، وبذلت الجهود الجبارة والاتصالات الحثيثة مع كل الأطراف لعودة الحجاج عن طريق معبر رفح.
9 - زعمت الحكومة المصرية بأنها ملتزمةٌ باتفاقية معبر رفح مع الجانب الصهيوني والأوروبي والسلطة الفلسطينية، ولكنَّ السؤال الكبير الذي طرح نفسه: أين كانت هذه الاتفاقية عندما عبَر الحُجَّاج من نفس المعبر إلى مصر ومن ثم إلى الأراضي المقدسة؟!.
10- ضغطت الإدارة الأمريكية، وضغط العدو الصهيوني على النظام المصري؛ لابتزازه ومنع الحجاج من الدخول عبر معبر رفح.
11- حاول أعداء الخارج ومنفلتو الداخل في فلسطين إثارة الفوضى والفلتان والقتل في صفوف حركة حماس، فسقط سبعة شهداء للفت الانتباه للداخل ونسيان قضية العالقين من الحُجَّاج في الخارج, إلا أن المعنيين بالأمر لم تَلِن لهم قناةٌ، ولم تضعف لهم عزيمةٌ.
12- واضْطُرَّت السلطات المصرية في النهاية للخضوع لإرادة الحُجَّاج العالقين ومَن يساندهم، وضربت عرض الحائط بالابتزاز الصهيوني والأمريكي.
إنها دروس وعبر سُجِّلت بأحرفٍ من نورٍ في سجل التاريخ المجيد لصمود الشعب الفلسطيني البطل.
إن إرادة التحدي والصمود للشعوب الحرة بقضيتها العادلة أقوى من أي سلطانٍ على وجه الأرض.. إن الشعب الفلسطيني البطل بنجاح إرادته وتحديه لقوى الظلم والاستكبار- ومن خلفه الشعوب العربية والإسلامية، وكما كسر الحصار وعاد من حيث أراد من معبر رفح المصري الفلسطيني- أعطى درسًا بليغًا بأن هذه الشعوب الحرة تستطيع أن تفك الحصار بالكامل عن غزة بواسطة نفس المعبر في انتصارٍ ثانٍ نحن في انتظاره في شوق.