هذه الوصايا وجدتها في مجلة قديمة كانت تسمى (الاثنين والدنيا) في العدد 866 بتاريخ 15 يناير 1951م، وقد كان عددًا خاصًّا بالسينما، ومن ضمن ما اشتمل كانت هذه الوصايا التي كتبها فضيلة الشيخ أبو العيون، وقد قسمها لثلاثة أجزاء:
أولها للممثلين، فماذا قال:
1- ليكن أقصى ما يُعنَى به القائمون بأمر التمثيل- سواءٌ واضع القصة أو المخرج أو الممثل- أن تكون أهدافهم قوميةً في أغراضها، وفي غاياتها وفي مراميها.
2- وأن تكون هذه الأغراض والغايات مستمدةً من صميم الحياة، ومن المشكلات الاجتماعية، والخلقية، والسياسية في البلاد، فيتحول التمثيل الحالي إلى أداة إصلاح وتهذيب وتثقيف، ويصبح منبرًا تهتز أعواده بحُرِّ القول وناضج الرأي والدعوة إلى الإيثار والتضحية والإقدام في سبيل المجد والشرف، وفي ذلك درس للطفل والشاب والكهل!!.
3- لتكن "المادة" للقائمين على أمر التمثيل في المرتبة الثانية!
4- ليحرص كل منهم ومنهن على حسن السمعة ونظافة السيرة في حياته العامة والخاصة، وليجعل تقدير الناس له مكتملاً لا يتناقص لإشاعة فاضحة أو خبر يزكم الأنوف!
ثانيها للمغنِّين، فقال:
5- أن يدرسوا الأدب والتاريخ وفنون الموسيقى في القديم والحديث؛ فإن الجهل بالأدب والتاريخ وفن الموسيقى القديم والاقتصار على الحديث منه عيب شائن ونقص فاضح!
6- أن يحسنوا اختيار المقطوعات التي تهز المشاعر والعواطف نحو الفضيلة والخلق الطيب والوطنية الصحيحة، وأن تكون بعيدةً عن الميوعة والطراوة- كما هو حاصل الآن- واستثنى قليلاً منهم يراعي الأدب في الغناء والحياة في الإلقاء!
7- أن يختاروا من القطع ما يناسب مقتضيات الأحوال، فيكون غناؤهم أوقع في النفس وأبلغ في التأثير!
8- أن يكون المغنِّي في غنائه رجلاً، وأن تكون المغنية أنثى؛ فمن القبيح أن ينعكس أمر الجنسَين، فيتأنث الرجل في لحنه وتوقيعه وتسترجل الأنثى، والمستمعون يسخرون بهما ويستهزئون!
ثالثها للإذاعة، فماذا قال:
9- نصيحتي للإذاعة أن تحسن اختيار الفحول من رجال العلوم والآداب والفنون وذوي الثقافات العالية لمحاضراتها وأحاديثها؛ ولكن الواقع مع الأسف أنها تعمد إلى الاقتصاد في بعض الأحيان، وذلك مما يسخط جماهير المستمعين على المحطة!
10- أن تختار موظفيها من ذوي القافة الرفيعة والبديهة الحاضرة، وذلك ليحسنوا مواقفهم ولا يضطربوا في أعمالهم.
تلك عشر وصايا أوضحها فضيلة الشيخ أبو العيون لأبناء عصره من الفنانين والمطربين والقائمين على الإذاعة، تم نشرها في مجلة فنية في أواخر العصر الملكي، ولحدِّ علمي لم يكن الشيخ أبو العيون من الإخوان المسلمين، فهل يجرؤ عالم اليوم من علماء الفتاوى الرسمية أن ينشر في أي مجلة فنية نصيحة لهؤلاء الفنانين، في محاولةٍ لتهذيب ما يخرج منهم لدرءِ فتنٍ هم مسئولون عنها بالدرجة الأولى؟!! أوَلَيس الفن والفنانون اليوم في حاجة إلى نصيحة مخلصة من أهل العلم كما بادر وفعل الشيخ أبو العيون، أم أن هذه المساحات اختفت لدى صحافة الفن الهابط؟!!
لقد جاء الإسلام ليهذِّب ويهدف ويصلح من النشاط الإنساني قبل أن يمنع ويرفض أيًّا منها، وقد كان للإخوان باعٌ في هذا المضمار، خاصةً في أيام البنا- رحمة الله عليه- فقد كان عالمًا وفقيهًا؛ لذا فقد كان جريئًا واثقًا من نفسه وهو يلجُ في مثل هذه الأمور الشائكة، فقدَّم فيها تراثًا وسبقًا يحتاج أن ندرسه، وأن نضيف عليه؛ حيث يتأكد لنا المعنى المشهور: "إن الكل يحسن التشدد وإنما الرخصة من فقيه"، دون أن يمسّ أصول وثوابت الإسلام ليدور في فلكها فتفتح أبواب التوبة والرحمة للجميع دون استثناء، تأكيدًا على قدرة الإسلام ومنهجه في استيعاب كل البشر وكل مناحي الحياة، وأصحاب العلم مدعوُّون لملء فراغ هذه الجانب الوجداني عند الإنسان دراسةً وتأصيلاً واجتهادًا، وقد قدم الإخوان في القراءة الأولى لبرنامج حزبهم هذه الرؤية العامة لبعض قضايا الفن:
السِّينما والإنتاج الدرامي
1- تشجيع صناعة السينما على المستويَيْن المعنوي والمادي من خلال دعم وتوجيه عمليَّة الإنتاج، وإقرار مجموعة من الإجراءات لدعم عمليَّة الإنتاج مثل الإعفاءات الجمركيَّة على الأدوات اللازمة لدعم صناعة سينما مصريَّة مُتقدمة، وتقديم التسهيلات الإجرائيَّة لرجال الأعمال والمستثمرين لتطوير هذه الصناعة.
2- توسيع نطاق عمليَّة الإنتاج المشترك في المجال الدِّرامي التِّليفزيوني والسِّينمائي، وخاصةً مع البلدان العربيَّة والإسلاميَّة.
3- دعم صناعة الفيلم الديني والوطني والوثائقي والتاريخي الذي يتناول هموم وتاريخ مصر وقضاياها.
4- حمايَّة تراث السينما المصريَّة القديم من استلاب الآخرين، مع تبنِّي كافة الإجراءات المطلوبة لحمايَّة حقوق الملكيَّة الفكريَّة للفيلم المصري.
5- الارتقاء بمستوى المسلسل التِّليفزيوني والفيلم السِّينمائي والتَّليفزيوني المصري؛ ليُمارس دَورَه في نشرِ القِيَمِ الرَّفيعة، والامتناع عن الأعمال الهابطة والمثيرة للغرائز والدافعة لارتكاب الجرائم، وتحسين الذَّوْقِ العام؛ عبر انتقاء النصوص والشخصيَّات ضمن إستراتيجية كبرى لصناعة الرمز في مختلف مجالات السينما والرياضة والمسرح والأدب والصحافة والإعلام.. إلخ، وإعداد وتنفيذ خطة لتسويق الفيلم المحلي في الخارج.
المسرح والفنون الشعبيَّة
تنفيذ خُطَّة متكاملة لتطوير النشاط المسرحي في البلاد عن طريق مجموعة من الإجراءات التَّالية:
1- الارتقاء بالنَّصوص المسرحيَّة لتكون عاملاً من عوامل التَّنمية البشريَّة والمجتمعيَّة، وغرس القيم والأخلاق والمعاني الفاضلة.
2- تطوير المناهج والعمليَّة التَّعليميَّة بوجهٍ عام في الكُليات والمعاهد العُليا المتصلة بفنون المسرح، سواءٌ على مستوى الإبداع الأدبي أو الفن المسرحي ذاته.
3- البحث عن المواهب الجديدة في مختلف مجالات الفن المسرحي.
4- التَّوسُّع في تشييد دور المسرح المجهزة ضمن خطة أكثر شمولاً لتطوير البنيَّة الأساسيَّة للفن المسرحي في مصر تتضمَّن مجموعةً من الإجراءات، من بينها حصر المسارح المُغْلَقة في مصر ودراسة أسباب إغلاقها وترميمها وإعادة افتتاحها.
5- تدعيم النَّشاط المسرحي بأنواعه لقصور الثقافة في الأقاليم؛ سواءٌ على مستوى الفرق أو المُنشآت.
6- تبنِّي مجموعة من الإجراءات لتشجيع الجمهور على الإقبال على مسارح الدَّولة، مثل تخفيض أسعار تذاكرها.
7- زيادة الاهتمام بالمسرح الجامعي والمدرسي، والتَّنسيق مع وزارتي التَّعليم والتَّعليم العالي لاكتشاف المواهب الجديدة في مختلف المستويات: الكتابة والتَّمثيل والإخراج.. إلخ.
8- زيادة الاهتمام بفرق الفنون الشعبية الموجودة، سواءٌ على مستوى الدعم المادي أو التأهيل الفني، ودعم مشاركاتها في المهرجانات الخارجيَّة، مع إعادة إنتاج إبداعاتها وشكلها لتعكس الثقافات والقيم المحليَّة لمجتمعاتها المُتمايزة عن غيرها من الثقافات المحيطة بها.
9- تأسيس حركة نقدية واعية، مرتكزة على أسس علمية تستوعب مدارس المسرح المختلفة، تبصر الفنان والمتلقي بعوامل نجاح العمل وتقويمه.
الموسيقى والغناء
الموسيقى والغناء أدوات تعبير وشحذ الهمم، كما هي أدوات إمتاع وترويح للنفوس، وهما من الفنون التي لحقها إسفاف وهبوط فارتبطت- في أذهان الكثيرين- بتجاوز الأخلاق وإثارة الشهوات.
والنهضة الشاملة للوطن تحتاج إلى كل السواعد المعطاة، كل بحسب طاقته وبما يملك من صنعه أو موهبة، ومن هنا كان احتياج الوطن للكلمة الجميلة المعبرة، وللعمل الفني المحفز، الذي يبني ولا يهدم، يعبر ولا يدمر.. وفي سبيل ذلك يجب العمل على:
1- توجيه الأغنيَّة المصريَّة إلى أفق أكثر أخلاقيَّة وإبداعًا واتساقًا مع قيم المجتمع وهويته، ودعم شركات الإنتاج التي تلتزم بهذا التوجيه، مع المزيد من الاهتمام بالمواهب واكتشافها عن طريق المسابقات وتطوير المعاهد المُتَخَصِّصة في هذا المجال، إضافةً إلى دعم الأغنيَّة الوطنيَّة والدِّينيَّة وإعادة الزَّخم السَّابقِ لها.
2- إعطاء اهتمام بالأغاني التي تميِّز الشعب المصري عن غيره من الشعب، مثل الأغنية الفولكلورية والدينية، بأشكالها المختلفة.
3- تبنِّي سياسة جديدة تكسر احتكار شركات الإنتاج المسيطرة على سوق الغناء وتعطي للشركات الصغيرة الجادة نصيبًا من السوق يظهر إبداعها، ويحمي المواهب من الخضوع- غير الأخلاقي- لشروط الشركات المحتكرة.
4- تشجيع قيام حركة نقدية متخصصة تُبرز التميز وتقوم المسار وتُظهر المواهب وتنقِّي الساحة من الفن المسف والهابط..
فهل يا ترى وُفِّقوا أم أن الأمر يحتاج مزيدًا من الوقت وكثيرًا من الاجتهاد؟!
------------------