كانت الظروف السياسية التي واكبت العصر الأموي وما بعده- خاصةً تغيير نظام الحكم الإسلامي القائم على مبدأ الشورى إلى حكم ملكي موروث- سببًا في ظهور الفتن والاضطرابات والثورات المناهضة لهذا الحكم، ووصول الحكام دون اختيارٍ مباشرٍ من الشعب، وهو ما يعرف بالحكم الجبري؛ مما جعل الحكام لا يأمنون على أنفسهم من ثورة شبعهم أو معارضيهم؛ ولذلك كانت دائمًا حياتهم في خطر، وتطلَّب هذا الخطر الاتجاه إلى تأمين حياتهم.
وأخذ هذا الاتجاه عدةَ صورٍ ممثَّلةً في تكوينات معمارية جاءت وليدةَ الحاجة؛ مما أحدث تطورًا في الفكر المعماري الإسلامي داخل العواصم الإسلامية، ومن هذه التطورات المعمارية ما يلي:
تغيير موضع دار الإمارة
كانت القاعدة في إنشاء المدن الإسلامية الأولى في عصر الخلفاء الراشدين البدءَ في تشييد المسجد الجامع، وفي مواجهته كانوا ينشئون دار الإمارة، وهي المكان الذي اتخذه الوالي مقرًّا له؛ فهو مركز الحكم وموضع سكنه، وكان بينها وبين المسجد طريقٌ، ولكن في تطورٍ لاحقٍ وزيادةٍ في تأمين دار الإمارة وتأمين ساكنيها- بعد التغيير في نظام الحكم- شُيِّدت ملاصقةً لجدار المسجد، وتضاعفت تحصيناتها.
ومن أمثلة ذلك قيام سيدنا معاوية بن أبي سفيان بتشييد دار الأمارة أو قصر الحكم ملاصقًا لجدار القبلة في المسجد الجامع بدمشق، وفتح في الجدار بابًا لمروره من منزله إلى المسجد مباشرةً، كما قام الوالي زياد بن أبيه بتجديد السور الداخلي وبناء سور آخر خارجي لهذه الدار، وكان سمكه 4 أمتار، ودعمه بالأبراج.
وكان للتحصينات القوية التي دعمت بها دار إمارة مدينة الكوفة سببٌ في تحصُّن الحَجَّاج بن يوسف الثقفي عندما فرَّ من أمام شبيب الخارجي عام 77ﻫ= 696م، فدخل الكوفة وتحصَّن بدار إمارتها، وعندما شيَّد أحمد بن طولون جامعه بالقطائع شيَّد دار إمارةٍ ملاصقةً لجدار القبلة، وما زالت هناك حجرةٌ منها يقع مدخلها على يمين المحراب.
القصور المحصنة
كما لجأ الحكام والسلاطين القابعون على كراسي الحكم- إما بالتوريث أو بالقوة العسكرية دون رغبة الرعية- إلى تحصين مقر سكنهم (القصور الملكية) بعد تأمين مقر حكمهم، حتى أصبحت القصور كالقلاع المحصَّنة والتي تأخذ مكانًا مرتفعًا أو شبه منعزل عن سكان المدينة.
وقد وصل إلينا العديد من هذه القصور التي شيَّدها الحكام المسلمون في المشرق والمغرب، اتُّبع في تشييدها طرازُ هندسة القلاع، خاصةً من الخارج؛ حيث أحيطت بالجدران القوية المدعَّمة بالأبراج العظيمة، وزُوِّدت جدرانها وأبراجها ومداخلها بأنواع العناصر الدفاعية؛ وذلك زيادةً في تأمين الحكام لأنفسهم، مثل "المزاغل" و"السقاطات" وغيرها.
ومن أمثلة هذه القصور في العصر الأموي قصر الوليد بن عبد الملك في مينيا على بحيرة طبرية، وقصر هشام بن عبد الملك المعروف بقصر الحير الغربي، وقصر الحير الشرقي، وقصر هشام المعروف بخربة المفجر في أريحا.
![]() |
|
قصر الأخيضر |
وفي العصر العباسي شُيِّدت قصورٌ محصَّنةٌ لتأمين حكَّامها، مثل قصر الأخيضر الذي شيده عيسى بن موسى ودعَّمه بالعديد من أساليب التحصين، مثل ارتفاع الجدران وسمكها وتدعيمها بالأبراج، وأوجد متاريس حربية للأبواب، وعندما شيَّد الخليفة المنصور مدينة بغداد شيَّد قصرًا له فيها اقتصر السكن فيه عليه بمفرده دون أفراد أسرته ودواوينه وحرسه، وأحاط القصر برحبةٍ واسعةٍ تحيطها بيوت أولاده والدواوين والحرس الخاص، ولم يُسمَح لأحدٍ بالسكن بقربه.
وشيَّد أحمد بن طولون لنفسه قصرًا بجزيرة الروضة، إما للمحافظة على جلال سلطانه وإما لابتعاده عن رعاياه المدنيين الذين غالبًا ما تملؤهم روح الثورة، وهم بذلك يمثِّلون خطرًا عليه.
عندما شيَّد جوهر الصقلي قصرًا للخليفة المعز لدين الله في مدينة القاهرة حصَّنه ودعَّمه، فيذكر ناصر خسرو- الرحالة الفارسي الذي زار القاهرة في عصر المستنصر الفاطمي- أن القصر كان يُرى من خارج المدينة كأنه جبلٌ؛ لكثرة ما فيه من الأبنية المرتفعة، وهو مع ذلك لا يرى من داخل المدينة؛ لارتفاع أسواره.
وزيادةً في تحصينه فقد فصل بينه وبين مباني العامة، وحرصًا على سلامة الخليفة وأمنه كان القصر محاطًا بألف رجل: خمسمائة راجل وخمسمائة فارس؛ بهدف حراسته وهم ينفخون البوق ويدقون الطبل من وقت صلاة المغرب، ويدورون حول القصر حتى الصباح.
وسار حكام المسلمين بالأندلس على نهج أسلافهم؛ فنجد مثلاً الخليفة الأموي عبد الرحمن الناصر بمدينة الزهراء بالأندلس يفصل مقر سكنه في قصر المؤنس عن دواوين الحكم التي جعلها في قصر الخلافة العظيم تمامًا مثلما فعل الخليفة المنصور في بغداد، وفي مدينة غرناطة شيَّد بها محمد بن الأحمر النصري عندما تغلب عليها عام 635ﻫ/ 1238م قصرًا محصَّنًا، وأنشأ حوله عدة أبراج منيعة، كما شيَّد حوله سورًا ضخمًا يمتد حتى مستوى الهضبة التي شيَّد فوقها، وتوالت إضافات بني الأحمر على هذا القصر حتى صار من الصروح الإسلامية في الأندلس.
إنشاء المدن الملكية
وفي تطورٍ أكثر تحصُّنًا فرضته الظروف السياسية المحيطة بالحكام إلى ظهور ما يعرف بالمدن الملكية، فكان الحكام يشيِّدون لأنفسهم مدنًا خاصةً، كحصن كبيرٍ له ولأفراد أسرته وحاشيته، وكانت هذه المدن غايةً في الحصانة، بينما تُشيَّد للعوام ضاحيةٌ بجوار هذه المدن وهي عارية من التحصين، وقد تعدَّدت أمثلة هذه المدن في العالم الإسلامي، فمنها:
![]() |
|
مدينة "واسط" |
مدينة "واسط" التي شيَّدها الحَجَّاج بن يوسف الثقفي؛ لأن وجوده داخل البصرة أو الكوفة مع كثرة الثورات بهما كان يشكِّل خطرًا عليه؛ فهي من أول المدن الإسلامية التي روعي فيها تحصينها تحصينات قوية؛ فقد جعل لها سورَيْن وخندقًا يحيط بهما، كما أمر أيضًا بأن تُقام لها أبوابٌ حديديةٌ في مداخل المدينة، وكانت تُغلق في الليل ولا يسمح لغير أهلها بالمبيت، ومما يُذكر أن هذه المدينة كلَّفته خراج العراق لمدة خمس سنوات، كما عزل قصره عن مساكن العامة.
وفي العصر العباسي شيَّد أبو جعفر المنصور مدينةً ملكيةً تسمَّى "الهاشمية" في موضعٍ يكفل له الحماية، فجاءت قريبةً من الفرس وبعيدةً عن الشام مقر الأمويين السابق، ثم أمعن في تحصينها، كما وجَّه تخطيطها من الداخل بشكلٍ يكفل له أمنه وحمايته، فجعل المنطقة المركزية قاصرةً على المسجد الجامع، وقصر الخلافة ولم يجعل حولهما أي بناء إلا دارًا شيَّدها للحرس من ناحية الشام، وجعل حول ذلك منازلَ أولاده الصغار ومن يقوم بشئونهم من العبيد والخدم، ثم اتخذ حول ذلك قصورَ الأمراء ورجال الدولة ودواوين الحكومة، ولكن كل هذه الإجراءات التي اتخذها المنصور لم تجعله يشعر بالأمن التام والمطلق؛ فقد ثار عليه مماليكه وحاربوه، فأشار عليه أحد رجال دولته بتشييد مدينة "الرصافة" اقتصر السكن فيها عليه وأهله وأفراد حاشيته.
وكان للصفات التي امتاز بها أهل إفريقية من صرامةٍ وجرأةٍ في مواجهة حكامهم سببٌ في خوف الحكام منهم مع صعوبة السيطرة عليهم، فكان عليهم اللجوء إلى تشييد مدن ملكية، فكانت مثلاً للنزاعات السياسية وكثرة المعارضات التي تعرَّض لها الأغالبة في شمال إفريقيا سببًاً في رغبة إبراهيم بن الأغلب في تأمين حياته وأهله وجنده، فاختار موقعًا إلى الجنوب الغربي من القيروان وشيَّد به مدينةً صغيرةً هي في الواقع حصنًا له وسمِّيت هذه المدينة الجديدة في البداية بـ"العباسية"، حصَّنها بسورٍ متينٍ يحتوي في أركانه على أبراج عالية يقوم فيها الحراس، وبعد الانتهاء من تشييدها وتوفير كافة مقومات الحياة وسبل المعيشة بها، انتقل إليها بأهله وأمواله وحرسه وجنده وخزائن سلاحه، وأصبحت بذلك قاعدةَ الحكم في البلاد، وبذلك أمن على نفسه ومصيره، واعتمد على جنده المأجور، ولم تعد له صلةٌ حقيقيةٌ بالبلاد إلا الضرائب التي كان رجال الدولة يجبونها.
وشيَّد قائد الفاطميين في المغرب عبد الله المهدي في أوائل القرن الرابع الهجري مدينة "المهدية" بتونس كحصنٍ له ولأهله وأتباعه من الشيعة، وحصَّنها بالأسوار المنيعة، وقال المهدي: "إنما بنيتُ هذه لتعتصم بها الفواطم ساعةً من نهار".
وعندما جاءوا إلى مصر ودخلها جوهر الصقلي وبسبب اختلاف مذهب الفاطميين الشيعة عن سكان مصر الأصليين من السنة الذين ربما يستنكرون العديد والعديد من عاداتهم وتقاليدهم، فعمد إلى تشييد مدينة القاهرة كمنزلٍ سكني للخليفة وحرمه وجنده وخواصه، ومعقلِ قتالٍ يتحصَّن به ويلجأ إليه، ولم يسمح لأحدٍ من أفراد الشعب بدخولها إلا من كان يقوم بخدمة سكان الحصن بشرط أن يدخلوها في الصباح ويبارحوها في المساء وتغلق أبوابه دونهم.
أما عامة الشعب المصري فكان مقرُّهم في المدن الإسلامية السابقة، وهي: الفسطاط، والعسكر، والقطائع، والتي لم تبعد كثيرًا عن القاهرة، وزيادةً في تحصين الخليفة في قصره شُدِّدت الحراسة حول القصر وخاصةً في الليل، كما خُطِّط ميدانٌ بين القصرين، ووضعت به السلاسل التي تُشدُّ ليلاً لتأمين حياة الخليفة.
إجراءات تأمينية
لجأ الحكَّام والسلاطين والأمراء لاتخاذ إجراءات تحصينية شديدة؛ ليأمنوا على أنفسهم أثناء خروجهم من مقر سكنه، منها الأبواب التي كانت تُفتح بجدار القبلة بالمساجد بدار الإمارة كما ذكرنا آنفًا؛ فقد رأى زياد بن أبيه والي البصرة أنه لا ينبغي للأمير أن يمرَّ بين المصلين عند توجهه إلى المحراب، وأصبح ذلك تقليدًا معماريًّا يعمل في قصور الخلفاء والأمراء أو في دور الإمارة؛ وذلك توفيرًا لأمن الوالي من أن يندس أحد الخارجين عليه وسط المصلين فيؤذيه، أو يتربص له وهو في طريقه من دار الإمارة إلى المسجد الجامع، فمنعه هذا الباب من الاحتكاك بالناس، فهو يتجه منه مباشرةً إلى مقصورةٍ أعدَّت له بالمسجد ليصليَ فيها وبعض أعوانه؛ لضمان سلامته أثناء الصلاة.
كما استحدث الحكام أسلوبًا آخر يوصلهم من قصورهم إلى المسجد دون أن يراه أحد، وهو ما يعرف بـ"الساباط"، وهو ممرٌّ مسقوفٌ بين جدارين أو دارين، وكان الخليفة ينتقل من خلاله من قصره إلى مسجده.
فمثلاً شيَّد الخليفة المنصور ساباطًا يربط بين قصره وجامعه في بغداد، كما احتوى جامع قرطبة على ساباط كان يؤدي إلى مقصورة الجامع ويربط بينه وبين القصر، وقد شيَّده الأمير عبد الله بن محمد، وكان يخرج إلى الصلاة من قصره متى أراد ذلك في خاصةٍ من خدمه وبطانته في خفيةٍ، فيقضي داخل المقصورة ما شاء من فريضةٍ ونافلةٍ لا يراه أحد في مجيئه ولا انصرافه.
وعُرف الساباط في القاهرة، ومن أمثلته الساباط الذي كان يربط بين جامع الأمير بشتاك وخانقاته، وأيضًا الساباط الذي كان يربط بين مدرسة الأمير عبد الغني الفخري المعرفة بجامع البنات بشارع بورسعيد وبين منزله على الخليج.
مقاصير الصلاة
بعد طعْن سيدنا عمر بن الخطاب وسيدنا علي بن أبي طالب في المسجد، كما قُتل سيدنا عثمان وهو يقرأ القرآن؛ أدى ذلك إلى خوف الحكام على أنفسهم، فشيَّدوا بالمساجد ما يعرف معماريًّا بـ"مقاصير الصلاة" التي كانت تعد لصلاة الحكام والأمراء؛ حفاظًا على سلامتهم وأمنهم، وهي عبارةٌ عن مساحةٍ محددةٍ تشغل جزءًا من مساحة المسجد الداخلية ومُسوَّرةٍ بسياج، وقد وضعت تلك المقصورة ملاصقةً لجدار القبلة من أمام المحراب، يصل إليها عن طريق ما ذكرناه سابقًا: إما الباب الموصل بين القصر أو دار الإمارة والمسجد، أو الساباط.
ولذلك انتشرت المقاصير في المساجد الجامعة في العالم الإسلامي شرقِه وغِربه، منها مقصورة الجامع الأموي بدمشق، ومقصورة جامع الكوفة، ومقصورة جامع القيروان، وهي مشيدة من الخشب، وتعد من أروع التحف الإسلامية الخشبية، كما احتوى الجامع الذي شيده عبد المؤمن بن علي في مراكش على مقصورةٍ خشبيةٍ كانت تدار بحركات هندسية ترفع بها لخروجه وتخفض لدخوله المسجد وقت صلاة الجمعة.
واحتوى جامع أحمد بن طولون في القاهرة على مقصورة، وكان يخرج من دار الإمارة إليها، كما شيَّد الخلفاء الفاطميون مقاصير في مساجدهم، فلم يخلُ مسجدٌ منها، ومن ذلك جامع الأزهر وجامع الحاكم، وفي العصر المملوكي جعل الظاهر بيبرس مقصورةً في جامعه الذي شيَّده بحي الظاهر، وشيَّد الناصر محمد بن قلاوون مقصورةً من حديد ليصليَ فيها في جامعه بالقلعة.
السراديب والأنفاق
وهناك إجراءاتٌ معماريةٌ أخرى ارتبطت بتأمين حياة الحكام عند تعرُّضهم لهجومٍ مباغتٍ أو عند حصارهم في مقر سكنهم، ومن هذه الأساليب أو الإجراءات الأنفاق أو السراديب، والتي كان الخلفاء يستخدمونها للتنقل من مكانٍ إلى آخر داخل المدينة دون أن يراهم أحدٌ، ومن هذه السراديب ما كان يربط المدينة بخارجها، مثل النفق الذي حفره الخليفة المنصور في بغداد، حتى إذا ما حوصر خرج منه على بعد فرسخين من المدينة.
ومن أمثلة هذه السراديب في مدينة القاهرة السراديب التي كانت تربط بين قصور الخلفاء الفاطميين في مدينة القاهرة، وكانت هذه السراديب مغطاةً بأقبية، وكانت مرتفعةً، حتى إن الخليفة كان ينتقل فيها وهو ممتطٍ جوادَه دون أن تراه الأعين، وقد كشف عن أحد هذه السراديب عام 1903م- بمحض الصدفة- أحدُ سكان حارة السيارج بحي الجمالية عندما كان يحفر بئرًا في منزله.
أبواب السر
وإلى جانب استخدام الممرات الأرضية (السراديب) لتأمين حياة الحكام، وُجدت أيضًا في المدن الإسلامية أبوابٌ خاصةٌ تساعد الحكام على مغادرتها والهروب منها إذا ما وقعت ثورةٌ مفاجئةٌ أو انقلابٌ على الحاكم، وسمِّيت هذه الأبواب بأسماء تدل على وظيفتها، فسُمِّي الباب في قصبة مدريد بباب الخيانة، وسُمِّي أحد أبواب مدينة المرية الذي كان مخصصًا لهذا الغرض اسم باب النجدة، وكان هذا الباب يسمَّى في سبتة وغرناطة والإسكندرية باسم باب الغدر، وقد احتوت أسوار القاهرة الأيوبية على أبواب السر كما في برج الظفر، وبرج درب المحروق، كما وُجدت هذه الأبواب في قلعة صلاح الدين، وامتد استخدام هذه الأبواب، فلم يعد قاصرًا على القلاع ومراكز الحُكام، ولكنه انتشر في قصور الأمراء وبيوتهم، بل وفي المنشآت الخدمية، كالحمامات والطواحين والإسطبلات، والتجارية كالوكالات التابعة للأمراء والسلاطين أنفسهم؛ حتى تمكنهم من الهرب إذا ما تعرَّضوا للحصار أو شعروا بالغدر.
الحجابة
كما اتخذ الخلفاء والسلاطين الحُجَّاب كوسيلةٍ من وسائل تأمين حياتهم، فاتخذوا الحُجَّاب لهم، وروعي عند اختيارهم الدقةُ وحسنُ الاختيار؛ لأهمية وظيفتهم، وكان عملهم في أول الأمر قاصرًا على حفظ باب الخليفة والاستئذان للداخلين عليه، ولكن بمرور الوقت استبدَّ الحُجَّاب بالأمر وصاروا يمنعون الناس من مقابلة الخليفة إلا في الأمور الهامة، واستمرت الحجابة في بلاط السلاطين والخلفاء؛ حفاظًا على أمنهم في قصورهم.
وفي مصر عرفت سلاطين المماليك الحجابة، ووضعها القلقشندي ضمن المرتبة الثامنة في ترتيب الوظائف العسكرية، وزادت أهمية الحُجَّاب في العصر المملوكي الذي سادت فيه الفتن والاضطرابات، فتعددت مهامهم، فلم تعد قاصرةً على الاستئذان على السلطان للمقابلات، بل شملت الركوب أمامه في المواكب السلطانية، وإبلاغ السلطان حاجات الناس ومطالبهم، وكان لأهمية هذه الوظيفة أنها كانت تلي رتبة نيابة السلطنة، وكان يقال لرئيسهم أو لكبيرهم حاجب الحُجَّاب.
السقاة
وإمعانًا في تأمين الحكام لحياتهم اتخذوا السقاة الذين يتذوقون المشروب قبل أن يقدَّم إليهم؛ خوفًا من أن يكون بالمشروب سُمٌّ أو نحوه بغرض قتل السلطان.
وما زالت مسيرة تأمين الحكام القابعين على صدور شعوبهم في عالمنا العربي والإسلامي أصحاب الحكم الجبري مستمرةً؛ للحفاظ على ملكهم وتأمين توريث الحكم لأبناهم، وها نحن الشعوب في انتظار الأمل المنشود بعودة الحكم الرشيد على منهاج النبوة الذي بشَّرنا به النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
ورحمك الله يا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب؛ فقد حكمت فعدلت فأمنت فنمت تحت شجرة آمنًا على نفسك، فشهد بحكمك الأعداء.
---------------
المراجع
1- أحمد عبد الرازق، الحضارة الإسلامية في العصور الوسطى، ط1، دار الفكر العربي، القاهرة 1991م.
2- سعيد ناصف، المدينة الإسلامية.. دراسةٌ في نشأة التحضر، مكتبة زهراء الشرق، القاهرة 1999م.
3- السيد عبد العزيز سالم، تاريخ المسلمين وآثارهم في الأندلس، مؤسسة شباب الجامعة، الإسكندرية 1961م.
4- عيسى سلمان وآخرون، العمارات العربية الإسلامية في العراق، دار الرشيد للنشر بغداد، جزءان، 1982م.
5- فريد شافعي، العمارة العربية في مصر الإسلامية، المجلد الأول، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1994م.
6- محمد عبد الله عنان، دولة الإسلام في الأندلس.. الآثار الإسلامية الباقية في إسبانيا والبرتغال، ضمن سلسلة مكتبة الأسرة، مهرجان القراءة للجميع 2003م.
7- محمد عبد الستار، المدينة الإسلامية، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت 1408هـ= 1988م.
8- محمد عبد القادر الفقي، عمارة المدن في الإسلام، مجلة الوعي الإسلامي، العدد 306، يناير 1990م.
9- محمد الكحلاوي، مقاصير الصلاة في العصر الإسلامي.. دراسة أثرية معمارية، مجلة كلية الآثار، جامعة القاهرة العدد الثالث، العدد الذهبي 1989م.
-----------
* ماجستير آثار إسلامية

