هذا الفؤاد لطالما حمل الأسى فوق الحدود

وأشدّ ما يؤذيه في دنياه طاغيةٌ يسود

ويودّ من زمن المروءة والعدالة أن يعود

أيام كان الناس بالإيمان في عيشٍ رغيد

 

يمكن لهذه الأبيات  الملفَّقة الترتيب أن تلخِّص العنوان الذي وضعناه في صدر هذه القراءة لديوان الشاعر المصري المعاصر وحيد الدهشان.

 

 

م. وحيد الدهشان

وهذه الروح المتفائلة هي إحدى سمات الأدب الإسلامي بوجه عامٍ؛ وذلك لسعي ذلك الأدب نحو التعبير عن اليقين الناتج عن الارتباط بالله سبحانه وتعالى.

 

وأنت واجدٌ هذه الروح في كثيرٍ من قصائد هذا الديوان، فضلاً عما تحمِله دلالةُ اللفظ الموضوع له؛ فالبشارة هي الخبر الذي يسرُّ النفس، ويظهر على الوجوه أثره.

 

وأنت واجدٌ كذلك إقبالاً على الله- تعالى- يتضرَّع له ليحقِّق الآمال، ويُحِلَّ الأفراح، ويذهب بالأحزان والآلام والأتراح.

يقول في قصيدة (في موكب الحب):

يا رب أتمم على الأيام فرحتنا        بالنصر والتمكين للدين

أستمطر الله مما في خزائنه        على القلوب عطاءً غير ممنون

 

ومن علامات هذه الروح التي ملأها اليقين دعوتُه للجماهير بألا تَسقط فريسةً لليأس من جرَّاء ما ترى من آثار الانهزام في كل مكان، يقول: لا تقنطوا لا تجهدوا التفكير.

 

على أن أكثر شيء يشغلك وأنت تقرأ هذا الديوان هو نعيُه لما آلت إليه أمةُ الإسلام من تردٍّ  بعد نهوض، ومن تدنٍّ بعد علوٍّ، ومن سقوطٍ بعد ارتقاءٍ، وهو يعني هذه الآثار السلبية، محلِّلاً لأسبابها، وكاشفًا عن طريق الخلاص منها، وراسمًا الطريقَ نحو استعادة مجدنا القديم؛ فهو يدعو آمرًا بأن نحميَ الدين، ونتترَّس به، يقول:

فذودوا عن عقيدتكم وكونوا         طليعة أمة الحق المهيبة

وكونوا في قصائدكم جنودًا          فعين الله فوقكمو رقيبة

سلاح الشعر منبره خطير           ودين الله بينكمو كتيبة

 

وفي هذه القصيدة معجمٌ شعريٌّ متأثِّرٌ بمعجم الحركة الإسلامية التي تربَّى أبناؤها على أن يكونوا جنودًا في أي موقع يشغلونه، وأن ينضووا تحت كتائب تُرابط بنفوسها في سبيل نصرة الدين، أيًّا ما كانت مواهبهم.

 

والسمات الإسلامية في هذا الديوان بارزةٌ للغاية، حتى حقّ أن ترصد علاماتها في أدب هذا الشاعر المجيد، سواءٌ كانت على مستوى الموضوعات والأفكار المصطبغة بروحٍ إسلاميةٍ أصيلةٍ، غير مدَّعاةٍ أو مستعارةٍ، أو على مستوى المعجم الشعري بما يمثله من قوائم للألفاظ.

 

وعلى مستوى الأفكار والموضوعات يمكن أن نرصد كثيرًا من المعاني المصطبغة بروحٍ إسلاميةٍ أصيلةٍ، تدعمها نصوصٌ أصيلةٌ من المرجعية العليا للمسلمين من قرآنٍ وسنةٍ، ومدعومة كذلك بممارساتٍ تاريخيةٍ ممتدةٍ في طول التاريخ الإسلامي، فيقول في الحديث عن الفؤاد بحمله بين جنبين:

فلقد تعلَّم كيف يحفظ للأخلاء العهود

ولقد تعلَّم كيف يعفو عن إساءات العبيد

إن كان هذا العفو مكرمةً وعن خلود رشيد

 

فهذه أخلاقٌ إسلاميةٌ أساسيةٌ وثابتةٌ، حضَّت على التمسك بها آثارٌ نبويةٌ كريمةٌ، ونصَّت على أنها من أخلاق المؤمنين آياتٌ قرآنيةٌ نبيلةٌ، ويقول إن سبيل الخلود والعظمة في تزكية الأعمال، والناتج بالضرورة عن تزكية الأنفس والسموّ بها نحو آفاقٍ رحبةٍ من الأخلاق الفاضلة، يقول:

والعبد يزكو قولُه وفعالُه          فيظلُّ في سِفر الخلود جليلاً

 

وهذه الرسالة كما نظر لها نجيب الكيلاني في مقدمته للأدب الإسلامي، وجابر قميحة في بعضٍ من دراساته عن الشعراء الدعاة، وهنا روحية في الشاعر الناقد- وسيد قطب من قبلهم جميعًا في نقده الأدبي- لائحةٌ باديةٌ على مستوى التنظير بجواز ما مرَّ بك تطبيقًا عند وحيد الدهشان في حسرة المخدوع:

أنا رافض للشعر دون ضوابط          مهما ازدهى في ساحة الممنوع

أنا رافض للفن دون رسالة            نسمو بها في الشكل والموضوع

أنا عاشق للفن نموذجًا خاشعًا         لله دومًا سجودي وركوعي

 

ويقول في حماة الشعر:

أحب الشعر وضَّاء المعاني                 وأوزانًا وأنغامًا طروبة

أحب الشعر مصباحًا منيرًا                 وغيثًا فوق أرواحٍ خصيبة

أحب الشعر كالأشجار طابت                 وأزهارًا وأغصانًا طيبة

أحب الشعر عاطفةً تسامت              وفاضت بالجلال وبالعذوبة

 

ولقد سبق أن أشرنا إلى تمتع الديوان بروح تفسَّرت في قصائده كلها، وتظلله بروح شفيقة رائقة، وهي روح اليقين في الله سبحانه وتعالى، واليقين في أن التعلق بمركبه كافٍ للخلاص مما نعانيه أفرادًا وأمةً، يقول في قصيدة البشائر:

يا من ترعرع باليقين فؤاده:          مادت صروح الكفر قم واصبر وصابر

ولسوف ينير نوره كل الدنا           ويدوس ركب الحق هامة كل جائر

 

ويقول في قصيدة (أول الغيث) التي يشيد فيها بجهاد الأفغان:

وتوقف التاريخ يرصد ساعة           صدق اليقين وروعة الإيمان

جند تحمَّل والعقيدةُ زادُهم              ما لا يجول بخاطر الإنسان

 

على أني حريصٌ أن أكون مخلصًا لمفهومه التوجيهي والإرشادي بجوار مفهومه التفسيري الكاشف عما يحويه شعر الإسلاميين من قيم موضوعية وفنية.

 

ومن الملاحظات الفنية التي تصبُّ في باب الحكم لوحيد الدهشان بالشاعرية كثيرٌ من الصور والأساليب المبتكَرة التي تُثبت على الأيام تطوُّر الشعراء الإسلاميين في هذا الباب المهم من إبداع الشعر، ومن هذه الصور المناسبة لموضوعات القصائد التي وردت فيها قوله: "الحب معراج الفنون إلى سماوات الخلود"، و"الجدب أبصر في السماء سحابة"، و"حق الحب يدعوني أن أقطف القول من أزكى الرياحين"، إلى غير ذلك من الصور التي جاءت مناسبةً لما طرحه الشاعر من أفكارٍ ومعانٍ.

 

على أن ثمَّة ملاحظاتٍ أخرى ربما يتخلَّص منها الشاعر على مرور الوقت، ومع استمرار الإخلاص للشعر، ومن هذه الملاحظات قوله:

"هذا الفؤاد إذا أحب بفوق طاقته يجود"

وشبْه الجملة (بفوق طاقته) قشور، بما قلَّل من مراد الشاعر؛ لأننا نريد من يجود إذا أحب بعض الحب لا بفوق الطاقة التي ليست في طاقة كل القلوب، وواضحٌ أن الذي ألجأه إليها هو إقامة الوزن لا غير.

 

وقوله: "ويضمّك الكون إن بانت ثناياها"، وهو يقصد معنى انكشاف الثنايا وظهورها، وأنا أقترح له مكان "بانت" الفعل "لاحت"، فبان هنا أقرب شيء إلى العامية، والشائع من معناها في الفصحى هو "رحلت".

ويقول:

يا من ترعرع باليقين فؤاده:         مادت صروح الكفر قم واصبر وصابر

 

وأنا أقترح له مكان "صابر" الفعل "ثابر"، وبه سيخلص من التكرار بين "اصبر" و"صابر"، وسيحقق له تنوُّعًا دلاليًّا.

 

وبعد..

ففي هذا الديوان روحٌ إسلاميةٌ أصيلةٌ، تطلُّ بوجهها في كل قصيدةٍ من قصائده، وفي كل تعبير من تعابيره، وفي كل قضية من قضاياه، وتتجلَّى هذه الروح في معجمه واستدعائه للشخصيات التراثية التي وظَّفها على مستوى الرخص كالحَجَّاج، أو على مستوى الإعلاء والقبول في صورة صلاح الدين.

 

في هذا الديوان صورةُ عالمٍ إسلامي تسعى أحلامه وآلامه نحو الأصيل، والطريق المرسومة إلى ذلك هي طريق اليقين في نصر الله، وطريق الارتباط بعقيدة التوحيد.

-----------

* كلية الآداب جامعة المنوفية مصر.