بالرغم من كل شيء يأبى القلم إلا أن يكتب ما في القلب، ويستجمع بقايا حبر متناثر (كأشلاء ودماء حي الزيتون)؛ ليشكِّل كلماتٍ تحمل بين ثناياها كل معانى الألم!!.
فعلى شاطئ البحر- نفس البحر متلاطم الأمواج- تبدو صورة مشهدين: أحدهما قبيح دميم ذميم، كريه الرائحة والمنظر، والآخر جميل حسن، يحمل ريح مسك الجنة.
ففي الأدنى شاهت وجوهٌ تمايلت بالسيوف رقصًا، وتغنَّت في نشوى (ربنا آتنا في الدنيا حسنة)، ويا أسفاه؛ لقد أخطأتها السيوف.
وفي الأعلى رجال كالجبال تزفُّ فلذات أكبادها إلى مقعد صدق, وأنشودتها (ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إمامًا).
فالراقصون باعوا.. باعوا كل شيء، والصادقون اشتروا- وبكل حماس- سلعة الله الغالية، فيا بئس البائع، ويا نعم المشتري!!.
وبينما القلم يكتب, والقلب يتفطر، إذا بالبحر يأتيني بخطابٍ من شهيد حي الزيتون، يقول:
"إلى كل مَن كانوا معي بكل حركاتي وسكناتي في المشوار الطويل.. إلى الذين بادلوني الحب بالحب, والعطاء بالعطاء, فكان الصعب سهلاً, ومذاق المرِّ حلوًا.. إلى كل فروع تلك الشجرة الباسقة.. إلى كل مَن سار وخطط واجتهد.. إلى كل مَن نشر الوعي وسدَّد الخطى.. إلى كل مَن أحسَّ بالمسئوليةِ فاحترق ليضيء دروب الآخرين: إن الأملَ قريبٌ".
انتهى الخطاب, وما زال الشهيد ينتظر الجواب.