أ. د. حسين شحاتة

 

إنشاء السوق بعد بناء المسجد

بعد أن هاجر محمد رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- من مكة إلى المدينة بنى المسجد ليكون المنطلق للتربية الإسلامية ورعاية شئون المسلمين في جميع المجالات، ثم أسس المجتمع الإسلامي على أسس العقيدة والعبادة الصحيحة والأخوة والحب في الله؛ ليكون منه القيادة المسلمة المنضبطة بشرع الله، وهذا ما يُسمَّى في الوقت المعاصر "الجبهة الداخلية"، ثم بعد ذلك أنشأ السوق الإسلامية ليحرر مال المسلمين من الخبائث والمعاملات الظالمة، وهذا ما يطلق عليه في الاقتصاد بـ"البنية الاقتصادية الأساسية"، وحتى يؤكِّد للناس شمولية الإسلام؛ فهو دين ودولة، عقيدة وشريعة، حب وجهاد، تضحية وقوة ونصر.

 

لماذا بنى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- سوقًا للمسلمين في المدينة؟

تروي كتب السيرة أنه كانت في المدينة سوقٌ تُسمَّى "سوق بني قينقاع" في حيٍّ من أحياء اليهود، وكانوا يتعاملون بالربا والمقامرة، والتدليس والغش، والغرر والسحت والاحتكار، ويفرض على المتعاملين فيها الإتاوات، وهذا كله لا يتفق مع القواعد والضوابط الإسلامية للمعاملات، فرأى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن ينشئ سوقًا جديدةً للمسلمين، فذهب إلى مكانٍ قريبٍ من سوق بني قينقاع وضرب قبَّةً- خيمة- كبيرة لتكون رمزًا وعلامةً يتجمع حولها المسلمون للبيع والشراء، فاغتاظ اليهود من ذلك وقام كعب بن الأشرف- زعيم اليهود وعدو المسلمين- وهدم الخيمة وقوَّضها وقطع أطنابها، ولكن الرسول لم يشأ أن يجعل لهذا التصرُّف الصغير قيمةً، فقال: "والله لأضربن له سوقًا أغيظ له من هذا" وفي رواية أخرى: "لأنقلها إلى موضع هو أغيظ له من هذا".

 

ومضى رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- إلى مكانٍ فسيحٍ واشتراه من صاحبه، وضرب فيه برجله، وقال: "هذه سوقكم؛ لا تتحجروا ولا يضرب عليه الخراج" ويقصد بذلك: لا بد وأن تكون السوق واسعةً ولا يضيِّق التجار بعضهم على بعض في الأماكن، كما لا يجوز لولي الأمر أن يفرض على المتعاملين فيها إتاوات أو رسومًا أو ضرائب خلافَ زكاة المال المقررة شرعًا.

 

إن قيام رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بهذا فيه معالم كثيرة يجب على المسلمين عامةً ورجال الأعمال خاصةً أن يعوها، منها:

أولاً: الإيمان بأن معاملات اليهود تقوم على السحت والربا، والغش والتدليس والاحتكار، وهذا مُحرَّم في الشريعة الإسلامية، ومن ثَمَّ يصعب أن تكون هناك سوق يهيمن عليها اليهود وتلتزم بقواعد وأحكام الشريعة الإسلامية ويتعامل فيها المسلمون إلا وقعوا في الحرام؛ لذلك يجب أن تكون للمسلمين سوق حرة نظيفة طاهرة.

 

ثانيًا: أن فرض الإتاوات- الضرائب والرسوم وما في حكمهما- بدون ضوابط على المعاملات في الأسواق يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وغيرها، وهذا لم يقره رسول الله؛ ولذلك نهى عن فرض الخراج على المعاملات في الأسواق، وهذا واضح من قوله: "ولا يفرض عليها الخراج".

 

ثالثًا: شمولية المنهج الإسلامي؛ فهو مسجد ومعهد وسوق، فلا يستقيم أمر المجتمع الإسلامي بدون أن تكون معاملاته طبقًا لشرع الله- عزَّ وجل- وهنا يكون التكامل بين القيم الإيمانية والأخلاقية الفاضلة والسلوك الإسلامي الطيب لضبط المعاملات التجارية.

 

رابعًا: يجب أن يكون للمسلمين قوةٌ اقتصاديةٌ تستطيع بها المحافظة على أموال المسلمين وتنميتها بالحق، وأن تكون لهم سوقٌ خالية من كل صور السحت والربا وأكل أموال الناس بالباطل، سوق تقوم على الطيبات والحلال، والصدق والأمانة، والتسامح والقناعة، وخالية من الاحتكار.

 

ألم يأن لحكومات الدول الإسلامية والعربية أن يأخذوا من ذلك درسًا ليفكروا في إنشاء السوق الإسلامية؛ لتكون خيرات المسلمين للمسلمين؟!.

 

أهمية إنشاء السوق الإسلامية

إن أهمية السوق الإسلامية للدول الإسلامية تأتي من أهمية وجود كيانٍ اقتصادي قوي للمسلمين في مواجهة الكيانات الاقتصادية الدولية المعاصرة، والتي يُسيطر عليها غير المسلمين!!.

 

مقومات السوق الإسلامية

لدى الأمة مقومات السوق التي تُساهم في تحقيق التنمية الشاملة وتحافظ على ثرواتها البشرية والمادية بجانب العزة للمؤمنين، ومن هذه المقومات ما يلي:

1- كتاب الله: الدستور الذي يجب الالتزام به، قال الله- تعالى- عنه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء: من الآية 9).

 

وهو منهج شامل لكل نواحي الحياة؛ ففيه اقتصادٌ وحكمٌ، وسياسةٌ وتربيةٌ واجتماعٌ، وهو الكتاب الذي إذا اتُّبع يحقق الخير للبشرية؛ مصداقًا لقوله- تبارك وتعالى- ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16)﴾ (سورة المائدة).

 

2- سنة رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- التي توضِّح التطبيق العملي للإسلام في حلبة الحياة، وفي كل شأن من الشئون المختلفة، والتي قال عنها- صلى الله عليه وسلم-: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي".

 

3- المال: وهو عصب الحياة، وسخَّره الله ليعين الإنسان على عمارة الأرض وعبادته- جل وعلا- وهو متوافر لدى الدول العربية والإسلامية النفطية، مثل السعودية والإمارات، والكويت وقطر، وليبيا والجزائر، والذي قال عنه رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "نعم المال الصالح في يد الرجل الصالح" (متفق عليه).

 

4- العنصر البشري: وهو أساس التنمية إذا ما تربَّى على القيم الإسلامية والأخلاقية والسلوكية الطيبة، وهو موجود في مصر وسوريا والعراق واليمن.

 

5- الموارد الطبيعية: مثل البترول والمعادن، وتعتبر الدول العربية من أغنى بلاد العالم!!.

 

6- الأسواق الشاسعة: والتي يمكن أن تكون مصدر خير كبير للأمة الإسلامية ذات وسائل المواصلات والاتصالات الميسَّرة، وهي موجودةٌ في كل الدول العربية والإسلامية.

 

وتحتاج تلك المقومات السابقة إلى الترشيد من خلال التعاون والتنسيق الكامل بين الدول الإسلامية والعربية، وإن لم يحدث ذلك فسوف تستنزف هذه الموارد بواسطة أعداء الإسلام، وهذا هو الواقع الذي نعيشه، وتحققت فينا نبوءة سيدنا محمد- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- حينما قال: "يا معشر المهاجرين.. خصال خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجَوْر السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلَّط الله عليهم عدوهم من غيرهم فأخذوا بعض ما كان في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله- عز وجل- ويتحروا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم" (أخرجه الإمام السيوطي).

 

نداء إلى الأمة الإسلامية

نوجه إليكم النداء القرآني

- ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: من الآية 103).

 

- ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46)﴾ (الأنفال).

 

- ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92)﴾ (سورة الأنبياء).

 

ونوجه إليكم وصايا رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-:

- "آمركم بخمس الله تعالى أمرني بهن: السمع، والطاعة، والجهاد، والهجرة، والجماعة؛ فإن مَن فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يرجع، ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو في جهنم"، فقال: رجل وإن صام وصلى يا رسول الله، قال: "وإن صام وصلى فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين والمؤمنين عباد الله تعالى" (أخرجه الترمذي وابن حبان والحاكم).

 

- "المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على مَن سواهم" (متفق عليه).

 

- "مَن كان معه فضل ظهر فليعد به على مَن لا ظهر له، ومَن كان له فضل زاد، فليعد به على مَن لا زاد له"، فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل (رواه مسلم).

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

------------------

* أستاذ المحاسبة- كلية التجارة- جامعة الأزهر