متناقضات كثيرة أصبحت سمةً للحياة التي نعيشها؛ فبعض البلاد إسلاميةٌ، ولكن أفعالهم تحارب كل ما هو إسلامي؛ فنرى نماذج يومية في أماكن مختلفة تتعايش مع تلك المتناقضات، وأصبحت الآيات والأحاديث مُعطَّلةً، وتجسَّدت السفينة التي حدَّثنا عنها الرسول- صلى الله عليه وسلم- فأصبحنا وكأننا نراها مرأى العين!!.

 

عن النعمان بن بشير- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة؛ فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مرُّوا على مَن فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا؛ فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا" (رواه البخاري).

القائم في حدود الله: المنكر لها.

الحدود: ما نهى الله عنه.

 

وفي عصرنا للأسف ثمَّة من يخرقون في نصيبهم ونصيب غيرهم، فما يصيبهم الأذى ولا يأخذون على أيدي المفسدين، وكأنهم قد تنازلوا عن حقهم في الوجود، فأصيبوا بسلبية خبيثة جعلت الأكنَّة على القلوب، والوقر في الآذان!!.

 

وسنسرد نماذج حقيقية لوقائع فعلية يضع غياب المشاركة الإيجابية بصماته عليها، مع تعطيل قول الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ﴾ (آل عمران: من الآية 104).

 

والقصة الأولى حدثت على متن طائرة عربية ترفع علَم بلد إسلامي؛ فبعد أن استقرَّت السيدة في مكانها أخذت تردِّد مع قائد الطائرة والمسافرين دعاء السفر، وبدأت الطائرة رحلتها مسرعةً على المدرج المخصص لها، وفي نقطة الانفصال عن الأرض حملها الرحمن في الجو؛ فردَّدت الأخت قول الله تعالى: ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمَنُ﴾ (الملك: من الآية 19)، وشعرت أنها في معية الله، وأخذت تنظر من نافذة الطائرة على قدرة الله وآياته ولسانها لا يتوقف عن التسبيح.

 

ثم التقطت أذناها صوتًا نشازًا، فتتبعت عيناها الصوت، ويا لدهشة ما رأت!!؛ فمن على شاشة الطائرة اختفى دعاء السفر الذي تعلَّمناه من رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وبدأ الشيطان يحاول أن يسلب منهم شفافية المتعة مع آيات الله، وها هو يعرض على الشاشة البريئة المسبِّحة بحمد الله خيالاتٍ لنساءٍ عارياتٍ وأشباه رجال يرقصون معهن، وللأسف اعتادت أسماع الناس على الفساد حتى أصبح الأمر اعتياديًّا لا يحتجُّون عليه، وإن احتجُّوا فهو احتجاج صامت لا تحرِّكه آيات الله وأوامره.

 

وماذا يحدث لو تعاونَّا جميعًا؛ كلٌّ منا ينكر المنكر؟!.. عندها سيزول ويختفي ويحل محلَّه الخير والمعروف؛ فإن حياتنا العادية في أمسِّ الحاجة لآيات القرآن لتمسك بدفة تعاملاتنا، وللرسول- صلى الله عليه وسلم- ليكون ربان سفينتنا؛ فهي دعوةٌ لإحياء آيات القرآن الكريم والأحاديث الشريفة من خلالنا بردود أفعال إيجابية؛ لتخرجنا من هذا التيه الذي لا نجد له بدايةً لتكون له نهاية إن أردنا أن يرفع عنا العقاب وتستجاب الدعوات.

 

عن حذيفة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم" (رواه الترمذي وقال: حديث حسن).

 

والكل يتمايل وكأن الأرض تنبذهم؛ فلا تكاد أقدامهم تستقر عليها في حركة هستيرية لن تُفيدهم يوم العرض على الخالق، فأشارت السيدة بأدب جم لإحدى المضيفات أن تنهيَ هذا العرض الذي فيه انتهاك لكل امرأة تنتمي إلى هذا البلد "بلدها"، وهي تتشرف بانتمائها لها؛ حيث إن العرض يظهر الأماكن السياحية في تلك الدولة من مراقص أو شواطئ لنساء عاريات المفترض أنهن من أهل تلك الدولة، أو أماكن لشرب الخمر أم الخبائث في الإسلام!!.
نظرت إليها المضيفة ووجهها يحمل علامات التعجب والاستهجان قائلةً: "لا يمكننا إنهاء العرض؛ فلا بد من إتمامه كله؛ فهي أوامر" قالت لها السيدة بكل احترام: هل يمكنني مقابلة مسئول المضيفين؟. قالت لها المضيفة: حبًا وكرامةً. واختفت برهة من الوقت ورجعت وبصحبتها أحد الرجال الوقورين في مظهره؛ حيث وجَّه سؤاله لأختنا: هل من خدمة أؤديها لك؟ قالت- برجاء مصحوب بكلمات طيبة-: "لو تكرمت، إني أشعر بخجل شديد من ركاب الطائرة؛ فإني أنتمي لتلك الدولة، وأنتم تعرضون وكأن كل نسائها راقصات أو سكارى، وأصلاً هذه الراقصة التي تعرضون فقرتها أعلم أنها تابت إلى الله، ولعلها الآن تناجي ربها وتستغفره". احتد بصره وقال: "إذن أنت منهم، وقد قاموا بعمل غسيل مخ لك في الأسفل"!!.

 

بُهتت السيدة ولم تعرِ كلماته أدنى اهتمام وقالت بثقة ويقين: "أنا أصر على إنهاء هذه المهزلة التي تسمونها عرضًا، وهو مبتذل، وهناك أطفال صغار ونساء محترمات ورجال محترمون على متن الطائرة، ولا بد من احترام عقيدتنا، وفوق كل ذلك فنحن الآن في السماء؛ لا تحكمنا سوى قوانين الرحمن الذي يحمل تلك الطائرة برحمته، ولن أوافق أبدًا على إعلان معصية الله بتك الجرأة، ثم الإصرار والاستمرار عليها". قالت إحدى المضيفات بصوت أجش: "اصمتي، وإلا سنطلب لك الأمن". ابتسمت السيدة بهدوء ونظرت إلى ركاب الطائرة أن يضم أحدهم صوته لصوتها، أي أحد، ولكن سبحان الله وكأن الحديث لا يهم أحدًا، وكأن دعوة الله لنا أن ننهى عن المنكر لبشر آخرين غيرنا، وكأن القرآن أُنزل لبعث الحياة في عالم غير عالمنا، ثم استعانت بالله مستشعرةً وجوده معها وقالت للرجل: "لا بد من إنهاء هذا العرض الآن".

 

وإذا بفتاةٍ لم تتعدَّ العشرون عامًا تقول معها: "نعم.. لا بد من إنهاء هذا العرض الآن، أنا معك يا سيدتي"، تهلَّل قلب السيدة فرحًا، واحتوتها بعينيها بامتنان شديد، ووهب الله المسئول بعض الحكمة، فاتجه إلى مقدمة الطائرة وأنهى العرض، فإذا بالرُّكاب يهنئون السيدة، فنظرت إليهم نظرةَ عتاب وقلبها يردد "وأين كنتم من قبل؟!"، ثم نظرت إلى الفتاة وقالت لها: "الأمل فيكم؛ لعل الله يرفع السلبية التي نعانيها بإيجابيتكم".

 

وعندما وصلت الطائرة واحتوت الأرض السيدة مرةً أخرى أخذت تسأل عن مسئول الإعلام للطائرة حتى وصلت إليه، فقدَّمت له شكوى كتابية، فأخذها الرجل وهو يتمنَّى أن يجد لها صدًى وآذانًا صاغية عند رؤساءه، الكل يتمنَّى ويرجو، ولكن أين العمل الجماعي؟! أين من شبَّههم الرسول- صلى الله عليه وسلم- بالبنيان المرصوص؛ يشد بعضه بعضًا؟!.. نحن فقط في حاجةٍ إلى صوت الإيجابية، وعندها سيتكفَّل الله بكل شيء.

 

قصتنا التالية حدثت داخل وسيلةٍ من وسائل النقل، وكانت بطلتها فتاة جامعية في السنة الثالثة بطب الأسنان تدعى "إيمان"، وأرادت أن يكون لها نصيبٌ من اسمها، فكانت تحرص على التحرُّك بآيات القرآن الكريم، وفي هذا اليوم كانت تجلس على مقعدها في "باص" دومًا تنتقل فيه من منزلها لكليتها، وكانت مع موعد لتطبيق فعلي لقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (104)﴾ (آل عمران).

 

حيث جلس بمحاذاتها شاب وفتاة وكان الشيطان ثالثهما، وشعرت الفتاة وكأنها تتابع فيلم سينمائي مخل بالآداب العامة، وأخذ بداخلها صراع داخلي؛ إما أن تطبق الآية وتنهاهم، وإما تلتزم الخرس كالآخرين، وتذكَّرت برنامجها للتحرك بآيات القرآن، ولم تتردد كثيرًا؛ حيث خطت تجاههم بأطول خطوتين في عمرها، وقالت للفتاة: "هذا لا يليق شرعًا ولا ذوقًا"، وشعرت بغليان يفور برأسها عندما ردَّ عليها الفتى: "هل أنت غضبى؟؛ هل كنت تودين أن تكوني الجالسة مكانها"!!.

 

احتدت الفتاة ولكنها تذكَّرت قول معلمتها "كظم الغيط من أهم وسائل النجاح في الأمر بالمعروف"، نظرت الفتاة إلى كل شاغلي مقاعد "الباص"؛ لعل أحدهم تأتيه المروءة فتعينه على الحق، ولكن كيف لك والمروءة أصبحت أسيرةَ السلبية وعدم المبالاة؟!، وأخذت الفتاة تقول لها: "انزلي من الباص إن لم يعجبك الحال" والفتاة الجامعية تنادي رب العزة بصدى صوت يعلو بداخلها ليصل إلى عنان السماء "يا مغيث.. أغثني؛ فقد أردت تنفيذ أوامرك"، ثم ذهبت بخطًى ثابتة إلى حيث السائق قائلة له: "من فضلك.. إلى أقرب مركز شرطة"؛ فهناك إصرار منهم مع جرأة، قال لها السائق: ﴿أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (الأعراف: من الآية 82).. قالوها من قبل، وسيظل هذا القول يتردد طالما هناك بشر مُختبَرون، وأنت صادقة"، وقال للفتاة بأسى: "يا ابنتي.. إني أراهم من خلال المرآة، وكل يوم أرى غيرهم كثيرًا". قالت الفتاة: "الحمد لله.. هل ستشهد معي؟". قال لها: "إن الأمر كبير بالنسبة لقدراتك كفتاة عفيفة طاهرة، ولقد رأيت بنفسك فلم يساندك أحدٌ من ركاب الباص، والكل يسمع ويرى، ولكن هناك حاجزٌ يمنعهم من المضي قدمًا لإنكار المنكر وكأنهم في الأغلال يرسفون".

 

قالت الفتاة: "فكَّ الله عنهم القيود، ولكن ما يهمني هو شهادتك أنت". قال لها: "يا ابنتي.. هذا الأمر يتكرر كثيرًا.. سأشهد على من وأترك من؟!". قالت له: "إن السبب في ذلك تلك السلبية العقيمة وتعطيل آيات الله أن تتحرَّك من خلالنا، فتأخذ بيد المفسد؛ لعله يفيق من غفلته".

 

أوقف السائق الباص قائلاً لها: "أرجو أن تنزلي؛ فأهلك في انتظارك واتركي لي هذا الأمر برمته".

 

عندها انسابت دموع الفتاة؛ فالعيب ليس على المفسد فقط ولكن على مَن يُعطِّل آيات الله في أن يكون لها الهيمنة على كل تصرفاتنا، فسبحان الله.

 

وما تعرَّضت له صاحبة قصتنا الثالثة كثيرٌ منا تعرَّض لها، وكانت ردود أفعالنا متباينةً، ولنقترب من الأحداث لنرى رد فعل أختنا؛ فقد لبَّت دعوةً لحضور فرحٍ لأحد الأقرباء، وكان أولادها في صحبتها، وكان الجو العام منتشٍ بالفرح والسرور والبشر، وبدأ برنامج الحفل بأسماء الله الحسنى من صوت رائع ومجموعة أكثر روعة، وكانت أختنا تشعر بالخشوع والرهبة والسعادة مع كل اسم تسميه، وارتفعت إيمانياتها مع آخر اسم، وفجأة وبلا مقدمات كان سقوطها سريعًا وبشكل فجائي، وقد أمسكت بها الموسيقى الصاخبة التي تكاد أن تصمَّ الآذان إلى قعر بئرٍ ما له من قرار؛ فقد شعرت وكأن الجميع قد فقد رشده؛ فقد تحوَّل هذا الجو الروحاني الرائع إلى جو شيطاني بغيض؛ الشباب يرقصون، وما هي إلا برهة وها هي العروس تنزل من مكانها وتبدأ في رقصٍ فعلته من قبل الجاهلية الأولى، وانغمسوا فيه إلى الآذان حتى جاء الإسلام وحرَّرنا، وليتنا تحرَّرنا!!.

 

وها هو العريس- والمفترض فيه مسئوليته عن منزل إسلامي- لم يجرؤ على دخوله إلا بإذن الله؛ ها هو يتراقص أمامها مصفِّقًا لها والرجال الأجانب عنها ينظرون.. من الذي أحلَّ كل هذا؟!، وماذا حدث لإسلامنا؟!!.

 

لم تستطع المرأة الصبر، فذهبت إلى من وجَّهت لها الدعوة وطلبت منها الكف عن هذا؛ فهو يتنافى تمامًا مع أوامر الله ورسوله، ولكنها وجدت آذانًا فيها وقر، فأخذت أولادها بهدوء وانسحبت من هذا المكان، وبالطبع أمرٌ مؤسفٌ أن نبدأ بأسماء الله ثم تكون أفعالنا بعد ذلك مخالفةً لكل اسم من أسمائه، وكأننا نقيم الحجة علينا!!.

 

والقصة الرابعة حدثت في متجر لبيع الملابس؛ حيث كانت تصدح فيها الموسيقى الصاخبة والأغاني الشبابية، وكانت السيدة مصطحبةً أولادها للشراء، وكما اعتادت كانت تسبحِّ بحمد الله وتقدسه.

 

وتسرَّبت كلمات الأغنية المذاعة إلى سمعها فلم تصدق ما تسمع، فقد كانت إيجابيةً؛ فشعرت بالخجل من أولادها وانسحبت من جانبهم وأخذت تبحث عن مدير هذا المكان، وهي في طريقها كان الجميع منهمكًا في الشراء، وكأن الصمم قد أصابهم؛ فليس هناك أي رد فعل يحرِّكه الحياء الذي يمثِّل شعبةً من شعب الإيمان، بل كان بعض الأطفال يتمايل مع كلمات الأغنية المنحرفة كلماتها عن وصايا النبي الكريم- صلى الله عليه وسلم- وكأنهم يتعلمون السباحة أو الرماية!!.

 

وصلت السيدة إلى حيث الرجل المسئول الذي قال لها بكل استخفاف: "نحن نريد أن نُرفه عن المشترين؛ فأعباء الحياة كثيرة و.. و.. و.. و.. قالت السيدة بحسم: "إن لم تغير هذا الماخور سأخرج أنا وأولادي فورًا، وسأمنع صديقاتي وأقاربي من الشراء منك". فقام الرجل من مكانه معتذرًا وقام بتغيير الشريط بآخر مقبول، ولم تدرِ السيدة هل تفرح أم تحزن؛ فإن هذا الرجل عَبَدَ الدرهم والدينار!!.