هبَّ الصامدون المقاومون, المجاهدون الصابرون على أرض "غزة"؛ أرض الكرامة والعزة.. المحاصَرون بالجوع والظلام.. بالعطش والمرض.. بإسرائيل وعنصريتها البغيضة.. بأمريكا وقبضتها المشددة على عملائها.. المحاصَرون بأبي مازن و"أبي الحصين", و"أبي سلول".. "بأبي لهب" و"أبي جهل" ومائدة أوسلو والآكلين الشاربين عليها.. المحاصَرون من أوطانهم، من كل حكامها، بلا استثناء.
هبُّوا ليبعثوا الروح في الشعوب المغيَّبة، والتي أريد لها أن تصمت صمتَ القبور، وتنبطح مثل البعير.
هبُّوا ليبعثوا من الممات كرامةَ وطنٍ فرَّط فيها الجميع، ونخوةً خُنِقَت في صدور الجميع.
كانت هبتكم تلك إدانةً للإنسانية جمعاء, لعصابة هولاكو بالبيت الأبيض للديمقراطيات الأوربية، التي انبعثت فيها استعماريتها القديمة.
كانت عارًا وإدانةً لكل أصحاب الفخامة والجلالة والسيادة، الذين يغتصبون أرائك صلاح الدين ونجم الدين والمعتصم، بل والفاروق وعمر بن عبد العزيز.
حين هببتم تلك الهبَّة وقف الطاغوت "الصهيوأمريكي" عاجزًا متردّدًا عن خطوته التالية وأسقط في يده.
ولكن الطحالب والفطريات في أحراش بلادنا, التي نبتت عقولها وثقافتها على الطمي والأسمدة الغربية والأمريكية, والتي تبغض وتبيع وطنيتها وأوطانها لو رأت وشائج تربطها بدينها أو ثقافتها..
طفت الطحالب على سطح الإعلام، تقدِّم من سمومها ما يثلج قلب أعداء أمتها ويخرج الصهيوأمريكيين من ورطتهم؛ ليصبوا جام سخطهم على الشعب الفلسطيني وأهل غزة الصامدين المقاومين، وعلى حماس ورجالها الشهداء وآباء الشهداء وأبناء الشهداء المجاهدين، ومضوا لأجندة الأعداء يرجفون بالأكاذيب، ولصالح الأعداء يميِّعون الحق، ويذرُون الرماد في العيون.
أين كنتم يا طحالب الزمن الخبيث, منذ أُغلقت المعابر، وضُرب الحصار حول غزة لثمانية شهور؟! أين كانت وطنيتُكم وقد بعتم عروبتَكم ببيع "غزة", بعتم "مصر" بحصار "غزة", بِعتم الشرف والكرامة والإنسانية، وبِعتم دينكم بدنيا "بوش" و"أولمرت" ورهطهم الذي صرتم إليه تنتسبون؟!
أين كنتم يوم مات المرضى لنفاد أدويتهم، أو لمنعهم من استكمال علاجهم خارج أسوار وأبواب غزة الموصدة عليهم، يوم مات الأطفال لندرة الحليب والغذاء والتطعيمات وتلف الحضَّانات؟!
أين كنتم وطليعة هذه الأمة المجاهدة مسجونة وأنتم السجانون، مشنوقةً وأنتم الحبل الملتف على عنقها؟!
ما أرى المتآمرين على "غزة المناضلة" من أبناء جلدتنا إلا وكأنهم إخوة "يوسف" الصدِّيق عليه السلام، حين عزموا وقاموا وقالوا ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوْ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (9)﴾ (يوسف) وكأني بهم يكشِّرون عن أنيابهم, ويصقلون سيوفهم الصدئة العاطلة, وينظرون من طرفٍ خفيٍّ تجاه تل أبيب وواشنطن، ويهتفون بفحيح الأفاعي: اقتلوا "غزة " أو اطرحوها أرضًا أو اسجنوها في القفص وصفِّقُوا للذئابِ الصهيونيةِ وهي تنقضُّ عليها وتلتهمها قضمةً قضمةً.
ولكن يا أمتنا.. لو سقطت "غزة" أو ركعت، فلن تروا على الخرائط بعد ذلك شيئًا يسمَّى أمة العرب، فليس لكم إلا الله, يا كتيبة الأبطال والمجاهدين في "غزة"، والله معكم ولن يتركم أعمالكم.. ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (35)﴾ (محمد).