محمد السروجي

رُفعت الشارة الحمراء على الحدود المصرية مع قطاع غزة لضبط المرور والحركة، وعاد الهدوء والسيطرة مع قليلٍ من المناوشات والتجاوزات المتوقَّعة في مثل هذه الظروف، وسيبقى ملف الحدود مفتوحًا، وإن أُغلقت المعابر ومُنع المرور, ولكن يبقى بالمشهد مظهران كلاهما يناقض الآخر: الأول هو حالة الإجماع الشعبي ومعظم النخب حول حق سكان غزة في الحياة الكريمة والحرية الكاملة (وهذا غنيٌّ عن الدلالة والتأكيد).
والثاني هو حالة التضارب بين أطراف منظومة الحكم المصري؛ حيث المواقف والتصريحات الوطنية التي تتسم بالنضج والمسئولية والتضامن مع الإرادة الشعبية من جهة، والمواقف والتصريحات العدائية لسكان غزة وحركة حماس من جهة أخرى!!.
فما هي شواهد هذا التضارب والاهتزاز والمواقف العدائية؟ وما هي الدلالات؟ وما هي التوقعات للمشهد القادم؟.
شواهد التضارب في المواقف والتصريحات
* موقف القيادة السياسية (الرئيس مبارك شخصيًّا):
والذي يتضمن التعاطف والتأييد لحق سكان غزة في حياة كريمة وآمنة، سواءٌ على مستوى التصريحات حين قال: "لن نترك الفلسطينيين يموتون من الجوع، وإن الاحتلال يتحمَّل مسئولية ما حدث"، وعلى مستوى الأفعال حين قَال بفتح معبر رفح المصري وعبور مئات الآلاف من سكان غزة إلى بعض المدن المصرية.
* موقف مجلس الشورى المصري (جلسة 2 فبراير الجاري):
حيث شنَّ السيد صفوت الشريف رئيس المجلس هجومًا عنيفًا لمدة ساعة كاملة على ما أسماه "مؤامرة التسلل بالأسلحة والأحزمة الناسفة" لتهديد الأمن القومي المصري (معلومات كاذبة مصدرها موقع دبكا آريل التابع للموساد الصهيوني، كذَّبتها الأجهزة الأمنية المصرية).
* اتهامات الدكتور مفيد شهاب لحماس باستفزاز "إسرائيل" لتفجير الموقف وإحراج مصر.
* تصريحات الدكتور محمد رجب زعيم الأغلبية (الحزب الوطني الحاكم) أن ما تمَّ على الحدود تواطؤ بين حماس و"إسرائيل"!!.
* الطلب العجيب وغير المسئول من أسامة شلتوت رئيس حزب التكافل الاجتماعي بزرع الألغام على الحدود مع غزة، وهذا ما لم يطلبه الكيان الصهيوني نفسه!!.
* تصريح رئيس مجلس إدارة إحدى الصحف الحكومية (معيَّن بمجلس الشورى) أن ما تم من حماس هو احتلال للأراضي المصرية!!.
هذا فضلاً عن تعليقات بعض رؤساء الأحزاب الكرتونية والمعينين بالمجلس؛ أمثال الدكتور رفعت السعيد (حزب التجمع)، وناجي الشهابي (حزب الجيل الجديد)، وغيرهم من أعضاء أمانة السياسات بالحزب الوطني الحاكم، علمًا بأن ملف حماس وكل فصائل المقاومة على أجندة أجهزة الأمن والمخابرات المصرية، بل هناك نوعٌ من التنسيق والتفاهم بينهم لأسبابٍ كثيرة؛ منها ما يتصل بالدور المصري في الملف الفلسطيني، ومنها ما يتصل بالأمن القومي المصري؛ لذا فكل التصريحات المحرِّضة لا قيمةَ لها عند أصحاب القرار، الذين يضحكون كلما سمعوا مثل هذه الأوهام التي لا تعبِّر إلا عن ثقافة وهويّة وانتماء من يطلقونها (راجع مقال الأستاذ حسنين كروم في "المصري اليوم" 6/1/2008).
الدلالات
* غياب الفكر والتخطيط الإستراتيجي لإدارة الأزمات والتعامل بنظام الموقف والقطعة، وهذا لا يهدد الأمن القومي فحسب، بل يهدد الكيان والنظام المصري ذاته.
* تعدد الأجنحة داخل مؤسسة الحكم، ليس في الرؤى والسياسات، بل في الولاءات والانتماءات.
* انحياز الجناح الصاعد والقادم (رجال المال والأعمال) إلى أجندة المشروع الصهيوأمريكي بعيدًا عن الأجندة الوطنية والعربية.
* هامشية المؤسسات العليا (على رأسها مجلسا الشعب والشورى ذوا الأغلبية الحكومية) في اتخاذ القرارات المصيرية، والتي تستدعي من أجنحة الحكم لتأييد، أو رفض ما يملى عليها.
* سطحية مفهوم الأمن القومي المصري لدى الساسة الحكوميين والموالين، خاصةً عندما يتم التحريض والاستعداء ضد الشقيق العربي صاحب الحق لصالح العدو المحتل.
* الفجوة الواسعة بين جماهير الأمة والنخبة الحاكمة على كافة المستويات، خاصةً السياسية.
* ثقة واطمئنان أجهزة المخابرات المصرية؛ لما لديها من معلومات وما تتخذه من مواقف تجاه الأشقاء في فلسطين، بعيدًا عن الصخب الإعلامي والمزايدات الصحفية (وهي دلالة تستحق كل التقدير).
عمومًا.. الفرص ما زالت متاحة لمراجعة المواقف والولاءات والانحياز للإرادة الشعبية الجارفة والباقية.