د. مصطفى هيكل

 

انطلق سحرة فرعون وأبواقه فجأةً من القمقم لينهشوا في أجساد الجوعى والمرضى والمحاصَرين من إخواننا الفلسطينيين؛ ليصوِّرهم هؤلاء السحرة وكأنهم غزاة جاءوا لاحتلال جزءٍ من أرض مصر، وهي سيناء!!.

 

تلك الحملة الإعلامية والدعائية المسعورة والتي باء بإثمها مسئولون في الدولة، وتولَّى كِبَرها وزيرٌ جانبه الصواب في تصريحاته التي خرجت بعيدًا عن اللياقة وعن الدبلوماسية وضد مَن؟!.. ضد إخوة لنا في الإسلام وفي العروبة، وبيننا وبينهم أواصر رحِم ونسب وتاريخ طويل من الكفاح امتزج فيه الدم المصري بالدم الفلسطيني؛ في حطين، وعين جالوت، وفي معارك أعوام 48 و67 و1973م.

 

تاريخ طويل قدَّمت فيه مصر التضحيات، وقدَّم فيه الفلسطينيون أرواحَ أبنائهم دفاعًا عن قضية كل مسلم وكل عربي قدس الأقداس بيت المقدس، أولى القبلتين وثالث الحرمين، مسرى رسولنا- صلى الله عليه وسلم- ومهبط الرسالات السماوية (اليهودية والمسيحية).

 

لقد كان لافتًا للأنظار بطريقةٍ مثيرةٍ أن تتحرَّك الآلة الإعلامية من صحفٍ تابعةٍ للنظام ومن فضائيات ليست أقل براءةً من سابقتها وكأنها أُعِدَّ لها سلفًا أن تتحرك بهذا التناغم لنسمع من يحذِّر من أن الأمن القومي المصري في خطر، وأن السيادة المصرية قد انتُهِكَت!! ممن يا سادة؟!.. من إخواننا في غزة؛ المرضى والشيوخ؟! أم من نساء غزة وأطفالها الذين يموتون من الحصار الظالم الذي يتم على مرأى ومسمع من العالم المتحضِّر والذي يحزنه ويحرِّكه الاعتداء على الحيوانات أكثر مما يحزنه ويحركه الاعتداء على الآدميين خاصةً لو كانوا مسلمين؟!!.

 

ألا يدرك هؤلاء الجوقة أن الخطر على الأمن القومي المصري هو في وجود ترسانة نووية ضخمة لدى العدو الصهيوني تفوق ما لدى فرنسا من أسلحة نووية على حدود سيناء المصرية، وفي وجود رابع أكبر الدول المصدِّرة للسلاح في العالم؟! هذا الكيان الصهيوني الذي تضمن له أكبر قوة غاشمة في العالم- وهي الولايات المتحدة الأمريكية- أمنه كدولةٍ يهوديةٍ كما صرَّح بذلك السيد بوش في زيارته الأخيرة لهذا الكيان الغاصب.

 

وأعود مرةً أخرى إلى سحرة فرعون متسائلاً:

هل أمن مصر القومي يهدِّده هؤلاء الجائعون؟! أم أن الصهاينة الذين يُسمح لهم بدخول سيناء بدون تأشيرة والمكوث بها أسبوعين حسب اتفاقية كامب ديفيد هم الذين يفعلون ذلك؟!.. هل سيادة مصر منتهكة من أفرادٍ قلائل رشقوا قوات الأمن المصرية بالحجارة في فعلةٍ نستنكرها جميعًا ولكن لا نُعطيها أكبر من حجمها؛ لأنها صدرت من أفراد قلائل قد يكونون من المندسين أو العملاء؟! أم أن هذه السيادة منتهكة ممن يقتلون أفراد حرس الحدود بالنار في حوادث كثيرة ومتكررة؟!.. ألا يعد نزع سلاح سيناء انتقاصًا من سيادة مصر يا مَن تتباكون اليوم على السيادة وتدَّعون أن بضعة آلاف من أبناء غزة جاءوا بدافع العَشَم والأخوة إلى ترابِ أرض مصر الأخت الكبرى لكل العرب؟!.

 

وأخيرًا.. ألا يعد انتقاصًا من سيادة مصر أن يكون هناك مراقبون أوربيون أو دوليون يتحكَّمون في معبر رفح وهو منفذ مصري خالص؟!.. ألا يعد الضغط على مصر من قِبل أمريكا والصهاينة بسد المعبر وإيقاف الدعم المادي للفلسطينيين انتقاصًا من سيادة مصر؟!.

 

وفي النهاية أقول لهؤلاء السحرة: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (يونس: من الآية 81)