عندما تسمع أنين امرأةٍ تشكو إلى الله من حِمْلها الثقيل، أو ترى دموعَ رجلٍ كبيرٍ ذرفت من جفاء ابنه أو ابنته بعد رحلة عطاء طويل.. فاعلم وقتها أنك أمام أسرةٍ ابتلاها الله وخلقها للشقاء عندما ضيَّع ابنها مسئوليتها خلال ضعفها ووهنها، ولسان حالهم يقول "قلبي على ولدي انفطر، وقلب ولدي عليَّ حجر".. فأين اختفت مسئولية الأبناء تجاه الآباء؟!!.
إن هناك قصةً شهيرةً في تراثنا لثلاثةٍ انغلقت عليهم صخرةٌ، فتوسَّل كلٌّ منهم بعملٍ صالحٍ، فإذا بواحدٍ منهم كان يُحضر اللبن ويمنعه عن صغاره الذين يبكون جوعًا وهو يرفض أن يُعطيَهم قبل أن يشرب منه والداه؛ إرضاءً لهما وحفظًا لحقوقهما، فإذا بالصخرة تنفرج لرضا الله- عز وجل- عن ما كان يفعل لوالديه، واحترامًا لتحمُّله مسئولية أهله.
لكن الوضع مختلفٌ اليوم؛ حيث تقول رضا ياسين (مدرسة لغة عربية) إنها تُعاني من ابنها موظف العلاقات العامة صاحب الذوق الرفيع مع الناس والجاف معها ومع أسرته، فتقول إنه لا يتحمَّل مسئوليتهم بالمرة رغم تلبية كل احتياجاته المادية وعدم تقصيرهم في أي شيء من حقوقه عليهم، ولكنه يرفع يده عن مساعدتهم حتى عند الحاجة إليه؛ ففي يوم انتقلوا إلى سكنٍ جديدٍ رفض أن يساعدهم في نقل المفروشاتِ مع العمال، رغم أنه كان يومِ إجازته، ففضَّل الجلوس مع أصدقائه، واستعانت الأم بجيرانها فاستجابوا لدموعها، وكانوا أحنَّ عليها من ابنها.
بلا طعام
وهذه نفيسة سالم (ربة منزل) تشكو هي الأخرى من ابنها الطالب بالأزهر، والذي يرفض الإنفاق عليها، رغم إرسال والده مبلغًا كبيرًا من المال يكفي احتياجاتهم، إلا أنه يستأثر بكل المبلغ لنفسه ويتركها تتكفَّف الناس، ولا يضعف أمام دموعها وهي بلا طعامٍ ولا دواء.
وتشاركها فاطمة محمود معاناتها؛ حيث تعاني هذه الأم من ابنها غير المتحمِّل حتى مسئوليةَ نفسه رغم تعديه سن الثلاثين، وما يؤرِّقها أكثر أنه كان إيجابيًّا ومجتهدًا في دراسته، ويساعدها في المنزل ويحضر لها طلباتها من الخارج، وكان له أنشطة في العمل الخيري، ومع دخوله الجامعة تغيَّر فيه كل شيء، وفَقَدَ إحساسه بالمسئولية حتى تجاه نفسه؛ فما زال في الجامعة ولا يعمل إلى الآن، وتتولَّى أمه مسئولية الإنفاق عليه وعلى نفسها، وكلها أمل في الله أن ينصره على نفسه في هذا الزمن الصعب.
وعلى الجانب الآخر يحكي مجدي عبد المريد (سائق) عن إخوته الأربعة الذين فهموا معنى المسئولية بكل معاني الكلمة، وظهر ذلك وقت مرض والدهم وإصابته بأمراضٍ عضويةٍ ونفسيةٍ أقعدته في الفراش عدة سنوات فلم يكلُّوا من خدمته، وكانوا يتبادلون رعايته إلى أن تولاه الله برحمته راضيًا عنهم وهم يرون ثمار هذا الرضا في حياتهم وبرِّ أولادهم.
ابني الحنون

ويفخر مصطفى سليمان (بالمعاش) بولده ويحمد ربه؛ لأنه لا يكلُّ ولا يتعب من مسئوليتهم، فيتولَّى مصروفات علاجه وتجهيز شقيقاته بكل رضا نفس وطيب خاطر، ورغم أن ذلك سبَّب مشاكل بينه وبين زوجته إلا أنه كان يرد عليها "أنت ومالك لأبيك".. هكذا تربَّى محمد على تحمُّل المسئولية منذ الصغر، فكان هذا من ثمرة التربية.
ومن أجل هذه النماذج الإيجابية قرَّرت وزارة التضامن الاجتماعي تكريم الابن البارِّ بوالديه أو أحدهما، بالإضافةِ إلى تكريم الأمهات المثاليات والأسرة البديلة التي تكفل طفلاً محرومًا، مثل هذه النماذج ستُضاف إلى القائمة في الاحتفال المركزي السنوي الذي تقيمه الوزارة بمناسبة تكريم الأمهات والآباء المثاليين.
تربية اعتمادية
طرحنا على د. سميرة شند أستاذ الصحة النفسية بكلية التربية جامعة عين شمس هذا السؤال: "لماذا اختفت مسئولية الأبناء تجاه الآباء؟!" فأجابت أن نشأة الابن واعتماده الدائم على أن هناك سندًا له يتولَّى إنجاز ما يخصُّه من تعليمه والإنفاق عليه ومساعدته في الزواج؛ فإن كل هذه التصرُّفات تعلُّمه الاتكالية، ولو تعلَّم من منذ نعومة أظافره أن له مسئوليات تجاه الوالدين لكان ناجحًا في التعليم في الصغر، كالنقش على الحجر، ونحن لا ننكر أن الحياة المادية طغت علينا وأصبحت مقياسًا لكل شيء، واهتمامنا بالدراسة وشغفنا بالمجموع العالي والتقدير الكبير جعل حب النفس والسعي وراء تحقيق المصالح الشخصية هو الأساس، حتى ولو على حساب الآخرين وعلاج ذلك في البداية بتعويده أن للآخر مسئوليات تتحدَّد حسب طبيعة كل مرحلة.
ففي سن الحضانة والابتدائي أطلب منه مساعدتي في الأعمال المنزلية الخفيفة؛ لذلك نجد أن الأنثى أكثر تحمُّلاً للمسئولية من الذكر؛ بحكم تدرُّبها على تحمُّل المسئولية في البيت والشعور بمَن حولها، على عكس الذكر الذي هو أكثر حريةً في خروجه مع أصدقائه وتلبية طلباته؛ فإن هذه القيم ترسخ في شخصية كلٍّ من الذكر والأنثى، فتجعل الذكر الذي نشأ بهذه الصورة (اتكاليًّا) والأنثى متحمِّلةً للمسئولية؛ لأن هذه المهام الصغيرة تتراكم بشكلٍ تاريخي، والمشكلة الثانية أن الآباء أنفسهم يشوِّشون أفكار أبنائهم في سنِّ المراهقة، فتارةً يقولون: "هل ظننت أنك أصبحت رجلاً؟!" ونسخر ونتهكم، وتارةً أخرى نقول: "انظر إلى المرأة ستجد أنك أطول منها.. المفروض تتحمَّل المسئولية"، وهكذا؛ لذلك فإن البداية مطلوبة حتى ولو بتصرفات صغيرة فهي التي تؤسِّس وتبني وتشكِّل وتستكمل سمات الشخصية، والتربية على العطاء هي النقطة التي نعاني من افتقادها.
الانسحاب
وترى إيمان سعيد (مدرِّس مساعد بقسم علم النفس بكلية التربية جامعة حلوان) أن المشكلة ببساطة هي عدم وضوح الحقوق والواجبات، فأصبح العطاء حقًّا مكتسبًا، ولأن في حياتنا ميكانزمات دفاعية من ضمنها "الإنكار"؛ حيث ينكر الإنسان مسئوليته تجاه الآخرين، فينسحب من كل أدواره الواجبة عليه بشكلٍ شعوري أو غير شعوري، فتصبح سمةً أساسيةً في حياته وإستراتيجية متكرِّرة "يطنّش"، وتقويم مثل هذا السلوك يكون بتعويد الإنسان تحمُّلَ المسئولية مهما كان سنه (فبناء السلوك وتعديله يصلح لأي سن).
ويزداد تأثير ذلك باستخدام الإرشاد الديني الذي يساعد الإنسان على فَهْم دوره وإعطاء الآخرين حقوقَهم، خاصةً الوالدين، فإنَّ مساعدتهم واجبةٌ؛ فهم مثابون عليها دينيًّا، كما أن إحساس الإنسان بالقيام بواجباته تجاه الآخرين يجعله أكثر استقرارًا نفسيًّا، وخاصةً عندما يقابل ذلك بالشكر والثناء، فإنه يضاعف الطاقة الإنتاجية ويدفعه لعمل المزيد.
مسئولية الأسرة

وترى د. جيهان بيومي القط أستاذ علم الاجتماع بكلية الخدمة الاجتماعية جامعة حلوان، أن الأسرة هي المسئولة الأولى والأخيرة عن تعليم أولادها الأنانيةَ وتعلُّمهم حبَّ المال والبخل في المشاعر وتقديم الأشياء المادية والمعنوية، ودُور المسنين تتحدَّث عن نفسها وليست بحاجةٍ إلى تعليق؛ نتيجة إهمالهم في التربية وتعويدهم على الأخذ بدون العطاء.
فللآباء على أولادهم حقوق؛ منها ودُّهم وزيارتهم ومساعدتهم ماديًّا في حالة احتياجهم، ورعايتهم نفسيًّا واجتماعيًّا، وإفراط الأسرة في احتواء أولادها يأتي بنتيجةٍ سلبيةٍ؛ لأنه يكون بشكلٍ مفرط يعلِّم الأولاد الاعتماد على غيرهم، على عكس الدراسات بأن الابن الذي يعمل أثناء مرحلة الدراسة يكون أكثر اعتمادًا على نفسه من قرينه الذي لا يعمل، وتحمُّل مسئولية نفسه هي البداية لتحمُّل مسئوليات الآخرين، وهذا ما نجده موجودًا في الريف المصري، ولكنه اختفى بشكل ملحوظٍ في المدينة؛ لاختفاء القيم والمفاهيم الأصيلة، وافتقاد التربية على بعض الأساسيات التي لا يظهر تأثيرها السلبي إلا بعد فوات الأوان وتفاقم المشكلة.
الوازع الديني
أما الداعية كريمة عبد الغني فترى أن الأبناء المقصِّرين في حقوق أولادهم هم نتاجُ تربيةِ آباء مترفين ضاع لديهم مفهوم الأبوة الذي كان له احترامه، ومصدره الوازع الديني، أما الآن فالأهالي تُريح أولادها لأقصى درجةٍ حتى يبلغ الابن مرحلةً يفتقد فيها الإحساس بالعطاء ماديًّا ومعنويًّا؛ بسبب خُبْث المخطط التخريبي الإعلامي الذي يدفعه للوصول إلى أكبر قدرٍ من الاستمتاع بكل أشكاله، وغالبًا لا يحدث ذلك إلا بالاصطدام مع الوالدين، والضغط على قضية حقه في عيشة رغدة، وعدم التحدث عن ثقافة الواجبات، وهنا يظهر أهمية المرجعية الدينية التي تربِّي الأبناء على حقوق الوالدين وتحمُّل مسئوليتهم.
وكان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حريصًا على تربية أبناء المسلمين على ذلك؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: أتى رجل للنبي- صلى الله عليه وسلم- ومعه شيخٌ، فقال: "مَن معك؟" قال: أبي، فقال: "لا تمشِ أمامه، ولا تقعد قبله، ولا تدعُه باسمه، ولا تستسب له" أي لا تجعل أخلاقك السيئة سببًا في سبابه أو انتقادً لتربيته.
![]() |
وعن أبي هريرة عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "لم يتلُ القرآن مَن لم يعمل به، ولم يبر والديه من أحدَّ النظر إليهما في حال، أولئك براءٌ مني وأنا منهم بريء"، وقيل لعلي بن الحسين: أنت من أبرِّ الناس ولا نراك تؤاكل أمك، فقال: "أخشى أن تسير يدي إلى ما قد سبقت عينها إليه فأكون قد عققتها"، وقيل لعمر بن ذر كيف كان برُّ ابنك؟ فقال: "ما مشيت نهارًا إلا مشى خلفي، ولا ليلاً إلا مشى أمامي، ولا رقي سطحًا وأنا تحته".
وهذا حديث أويس بن عامر القرني؛ فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "سمعت النبي- صلى الله عليه وسلم- يقول: "يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن كان به برص فبرئ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها بارٌّ، لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل".
وقد تختلف صور الاحترام وتحمُّل المسئولية، ولكن الثوابت موجودة، وفي حديث النبي- صلى الله عليه وسلم-: "رغم أنف، رغم أنف، رغم أنف مَن أدرك والديه أحدهما أو كلاهما عند الكبر ولم يدخلاه الجنة".
وكلنا يعلم قوله تعالى (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا) (الإسراء: من الآية 24) فقد حدَّد الشرع مسئولية الآباء تجاه الأبناء بتحمُّل مسئوليتهم في الكِبَر، حتى إنه لا يجوز أن يُتركوا وحدهم وهم في حاجةٍ للحب والرعاية.
