محمد السروجي

 

انتهت المرحلة الأولى من سيناريو المحرقة الصهيونية "الشتاء الساخن" مسجِّلةً عدة مؤشرات ودلالات كثيرة وخطيرة على كافة المستويات؛ حيث حالات الصمت والتحريض والشماتة المؤكدة للتورُّط والتواطؤ؛ أملاً أن تُحسَم الجولة عسكريًّا لصالح الكيان الصهيوني.

 

ولكن أكدت الشواهد فشل الحملة، بل كان العكس، رغم قسوة النتائج على المستوى الحقوقي والصحي والمعيشي والإنساني؛ حيث ظل أكثر من 200 ألف صهيوني في سديروت وعسقلان في الملاجئ تلاحقهم حالات الرعب والفزع والهستيريا والأمراض النفسية!.

 

ثم جاءت عملية القدس الاستشهادية المباركة لتفرض واقعًا سياسيًّا وعسكريًّا وأمنيًّا جديدًا، أربك العدو، وعقّد كل الحسابات؛ مما أجبره على الانسحاب أملاً في وقف الصواريخ والعمليات الجهادية النوعية، وهي حالة تكاد تتطابق مع حرب يوليو 2006، والتي شنَّها الكيان الصهيوني على لبنان وتصدَّى لها حزب الله، وظل ما يسمى بالمجتمع الدولي يصمت ويسوِّف بل ويؤيد الموقف الصهيوني لأكثر من شهر؛ أملاً أن تُحسَم المعركة لصالح الصهاينة، ولكن خاب ظنهم، واستدعى الأمر صدور القرار الدولي 1701 لوقف القتال وإنقاذ الجيش الصهيوني بعدما تعرَّض لهزيمة ما كان يتوقعها (راجع تقرير فينو جراد).

 

هذا الواقع الجديد فرض عدة نتائج ودلالات؛ أهمها أنه لا حل دون حماس (راجع تصريحات توني بلير مبعوث الرباعية وتصريحات وزير البنى التحتية الصهيوني) ولذلك طُرِحت أجندات المفاوضات على أكثر من مائدة، وفي أكثر من اتجاه.. مصر واليمن، فهل ستتمكن حماس من خوض جولة تفاوضية تتمتع فيها بنفس المهارة والكفاءة التي حققتها في الحكم والمقاومة؟ وهل تملك حماس أوراق ضغط للتفاوض بها؟ وما هي العقبات المتوقعة؟ وكيف يتم التعاطي معها؟ وأسئلة أخرى كثيرة يطرحها الشارع العربي والإسلامي حرصًا على فلسطين قضيته المركزية؛ الوطن المسلوب والشعب الحائر.

 

الأوراق الرابحة

* قوة وفاعلية خيار المقاومة، وإعلان أولمرت استحالة وقف الصواريخ، رغم القبة الفولاذية وصواريخ الباتريوت وهيئة الطوارئ الوطنية الجديدة، وخطة المناورة المدنية التي يعد لها الآن؛ مما أجبره على التهدئة غير المعلنة فضلاً عن فشله في تحرير الأسير شاليط.

 

* حالة التوازن الأمني التي فرضت تحركات دبلوماسية جديدة يديرها الطرف المصري بموافقة أمريكية ومباركة أوروبية.

 

* الإخفاقات المتتالية للكيان الصهيوني وأدواته في المنطقة على المستوى المخابراتي والأمني والعسكري؛ حيث صرَّح بيريز بأن الحل العسكري مع حماس بات مستحيلاً.

 

* فشل الرهان العالمي والعربي الرسمي على حصار غزة، والذي سيفجِّر المنطقة، خاصةً دول الجوار.

 

* خطأ رهان إدارة المشروع الصهيوأمريكي على صقور فتح في إحداث انقلاب داخلي ضد حماس، رغم الدعم والتأييد السياسي والمالي والتسليحي والتدريبي (راجع خطة بوش لإقصاء حماس).

 

* فشل المسار التفاوضي بين الكيان الصهيوني وسلطة عباس، والذي لم يحقق أيَّ إنجازٍ ملموسٍ، فضلاً عن التصريحات التحريضية والعدائية والمتضاربة؛ مثل الصواريخ العبثية وإدانة العمليات الجهادية.

 

* تعزيز الثقة والتفويض الذي منحه الشعب الفلسطيني لحركة حماس في انتخابات يناير 2006؛ حيث أكدت استطلاعات الرأي الأخيرة تقدُّم شعبية هنية وحماس على أبو مازن وفتح بـ7%، فضلاً عن حالات الفساد المالي التي أُعلنت في الفترة الأخيرة (اختلاس محمود الهباش وزير الشئون الاجتماعية 350 ألف دولار، وتهريب روحي فتوح 3000 موبايل، وتحويل أحمد قريع 3 ملايين دولار لحسابه الشخصي من مخصصات السلطة)!.

 

العقبات المتوقعة

رغم كثرة الأوراق الرابحة إلا أن هناك عدة أطراف تسعى وبكل الحيل لإفساد التهدئة المصرية والمبادرة اليمنية ولعدة أسباب، منها:

* الكيان الصهيوني.. لاستمرار فرض النزاع الفلسطيني الداخلي؛ حيث التصريحات والتهديدات بوقف المفاوضات مع السلطة لو تم الاتفاق بين فتح وحماس.

 

* الإدارة الأمريكية.. لأن المشروع الحضاري الإسلامي الذي تتبنَّاه حماس يهدد المشروع الرسولي للمحافظين الجدد (تم منح سلطة عباس 150 مليون دولار من أمريكا و500 مليون دولار من فرنسا خلال حوار صنعاء كمقدم لإفشال المبادرة اليمنية).

 

* صقور فتح أصحاب المصالح والأيدي الممتدة للخارج وشروطهم المعطلة.

 

* بقايا التيارات والأنظمة العلمانية واليسارية والحريصة على عدم إنجاح أنموذج وتجربة حماس، أو أي أنموذج إسلامي خاصةً من له صلة بالإخوان.

 

عوامل النجاح

* توقف التصريحات العدائية بين الإخوة الفرقاء لتنقية الأجواء نسبيًّا.

* إبعاد صقور الطرفين عن المفاوضات المباشرة.

* ضرورة تفعيل جناح فتح الذي يؤمن بشرعية المقاومة وحتميتها، والحريص على الحوار ووحدة الصف (قيادات الصف الثاني وبعض رموز الحرس القديم).

* تدخل أطراف عربية ذات ثقل ومصالح.

* استمرار الزخم الشعبي العربي والإسلامي.

* دعم القمة العربية للحوار والتهدئة، وحق شعب فلسطين في الحياة الكريمة والحرية الكاملة.

 

 وأخيرًا..

المشوار التفاوضي بين الفصائل بعضها البعض وبين المقاومة والكيان الصهيوني ما زال طويلاً، والسؤال المطروح هو: هل ستنجح مصر واليمن في إدارة الملف واغتنام الفرص المتاحة وتوظيف كافة الأوراق الرابحة، وهي كثيرة، لفك الحصار عن غزة، وتوحيد الصف الفلسطيني، وتحجيم التوحُّش الصهيوني، أم أنَّ إمكانات اليمن المحدودة في الضغط، وخشية وقوع مصر فريسة للأجندات الشخصية للنخبة الحاكمة بعلاقاتها الخارجية وأدواتها التحريضية ستجمِّد الدماء في عروق الوساطة؟!

 

الموضوع بحاجة ملحَّة لإخلاص النوايا وعدم إضاعة الوقت حتى يتحقق التوفيق.