شد عباس مئزره قبل أنابوليس وطار حول العالم داعيًا ومهلِّلاً لأنابوليس، وضع شروطه التي لن يحيد عنها: وقف الاستيطان، أو تجميده حسب تعابير زمرة أوسلو، جدول أعمال وجدول زمني محدد للمفاوضات في أنابوليس، وتسهيل الحياة للمواطنين في الضفة الغربية، أقسم ومن معه أغلظَ الأيمان أنه بدون تلك الشروط لن يذهبوا لأنابوليس، ولن يتفاوضوا، صدقهم البعض وصفَّق، لكنهم كعادتهم المخزية دائمًا ذهبوا مطأطئي الرءوس، صاغرين أذلاَّء دون الحصول على أي من "شروطهم"؛ ليخرجوا من أنابوليس كما دخلوها، اللهم التأكيد على انطلاق المفاوضات من جديد، وكأنها توقَّفت يومًا، وليبشرنا غرّ إعلامهم بمساميرهم الأربعة التي حقَّقوها بذلَّتهم وصغارهم؛ في محاولة لإيهام البعض الذي سبق وأن صفَّق بأنهم أبطال لا يُشقُّ لهم غبار حتى وإن تعرَّوا من كل شيء.
المفاوضات التي من المفترض أن تتجدَّد لم تتوقف يومًا، 14 لقاءً علنيًّا بين عبّاس وشريكه المتيَّم أولمرت، وأكثر من 50 لقاءً بين قريع وليفني في شقق خاصة، بعيدًا عن الأنظار، أو ما يسمونها لقاءات سرية، ولقاءات أخرى بين فياض وباراك، غير اللقاءات التي لا نعرف عنها، وقبل وخلال وبعد كل لقاء يستمر نزيف الدم الفلسطيني، وتستمر جرائم الاحتلال وممارساته البشعة؛ فهذه نقرة والمفاوضات نقرةٌ أخرى لا تتأثر ولو سقط الشعب كله مضرَّجًا بدمائه، فبالمفاوضات وحدها يتحقق النصر، أليست هي الخيار الإستراتيجي الوحيد على طريق الدولة الفلسطينية المستقلة التي باتت في عهد وحكمة وعبقرية عباس قاب قوسين أو أدنى، على الأقل هذا ما بشَّرنا به غرّ الاعلام الأصفر صاحب المسامير الأربعة ووسائل الإيضاح المدرسية التي تخاطب من هم بمستواه!!.
الدماء لا تهمّ، والضحايا تحصيل حاصل، والخسائر يعوّض رب العالمين، الاجتياحات مقدور عليها، والباقي قدر نقبله، المهم ما تحققه المفاوضات العتيدة اللا عبثية لا كمقاومة الحقراء من أبناء شعبنا، بحسب وصف كبيرهم، والمفاوضات لن يحيد عنها فريق أوسلو مهما كانت الضغوط؛ لأن إنجازاتها مع شركاء السلام أولمرت، ليفني، باراك حققت وتحقق ما لا يخطر على بال بشر، وفي ظلها يسيرون بثقة الواثق من النصر لتحقيق حلم الشعب الفلسطيني، خاصةً أن الشركاء إياهم قدموا كل بوادر حسن النية؛ من تسهيلات وإعادة لحقوقنا المغتصبة، وأثبتوا أن خيار التفاوض فعّال.
وهذه أهم إنجازات فريق عباس المفاوض وما انتزعه مؤخرًا من الاحتلال:
الاستيطان.. بعد تهديد عبّاس وصراخ عريقات ووعيد عبد ربه وبيانات المهلِّلين بأنه لا مفاوضات في ظل الاستيطان، وإذعانًا من الاحتلال لإرادة المفاوض الفلسطيني الفذّ، وحفاظًا على هيبة عباس وسلطته وعدم كسر كلمته وإذلاله، فقد اضطر المحتل للتالي:
- عرض مناقصات لـ32000 وحدة سكنية جديدة في مغتصبات القدس وما حولها منذ أنابوليس فقط.
- منذ أنابوليس وحتى اليوم، وبحسب د. مصطفى البرغوثي في تصريحه يوم الأحد 06/04/2008م؛ فإن عام 2008م كان الأكثر استفحالاً في النشاطات الاستيطانية منذ عشر سنوات.
- بحسب د. البرغوثي أيضًا تم بناء 11332 وحدة استيطانية جديدة منذ مؤتمر أنابوليس، ناهيك عن آلاف الوحدات السكنية قيْد البناء بينها 1307 في جبل أبو غنيم، و630 في جبل المكبر، و440 في تل البيوت، و3000 في جيلو، و1700 في بسغات زئيف، و400 في النبي يعقوب، و1200 في راموت، و750 في جبعات زئيف!.
- هذا في القدس وضواحيها أما في باقي أرجاء الضفة الغربية، وإذعانًا لتهديدات عبّاس وخوفًا من مساميره، وبحسب مكتب أولمرت وبالتنسيق معه، نشرت (يديعوت أحرونوت) يوم 02/04/2008 تفاصيل وحدات سكنية جديدة سيتم بناؤها هذا العام، ويبلغ عددها 1908، موزَّعةً كالتالي: 158 في أفرات جنوب بيت لحم، 682 في بيتار عليت غرب بيت لحم، 160 في جبع بنيامين، و510 في غفعات زئيف جنوب رام الله، و302 في معاليه أدوميم شرق بيت لحم، و48 في كريات أربع بالقرب من الخليل، و48 في أرئيل بالقرب من سلفيت.
- للتذكير فإن عام 2007 وقبل أنابوليس لم يشهد إلا الموافقة على 45 وحدة سكنية فقط في الضفة الغربية، فهنيئًا وتحية للوفد المفاوض وإنجازاته العلنية والسرية الرائعة بعد أنابوليس.
القدس المحتلة.. من شروط وفد التفاوض الفذّ إدراج القدس على جدول الأعمال في مفاوضات ما بعد أنابوليس التي انطلقت في شهر ديسمبر الماضي، والتفاوض حولها لتقسيمها بين الشركاء الأحباء، وبما يُرضي الأعداء قبل الأصدقاء، فكان أن رضَخَ المحتل كعادته لمنطق وقوة وبراعة الوفد الفلسطيني المفاوض، فكان أن:
- رفض أولمرت رفضًا باتًّا إدراج القدس على جدول الأعمال، واعتبر أن موضوع القدس سيكون آخر ما يتم نقاشه، إن نوقش أصلاً.
- نائب أولمرت حاييم رامون قال في تصريحات يوم 04/04/2008م وبالحرف: إن "المفاوضات التي تُجرَى مع السلطة التي يتزعمها عباس؛ السرية منها والعلنية، لن تتطرق على الإطلاق إلى الحرم القدسي والقدس القديمة إطلاقًا!.
- أضاف رامون: "الجميع يعرف موقف الحكومة الحقيقي بما يتعلق بالحوض المقدس وأورشليم اليهودية، والتي لا نعتزم التفاوض حولها".
- في خطوة عملية أخرى تضاف لمسلسل الاستيطان السابق، قرَّر وزير داخلية الاحتلال، وكعربون محبة لعباس، سحب هويات المقدسيين من أعضاء المجلس التشريعي والوزير السابق؛ باعتبارهم "خانوا" دولة الاحتلال، وهو ما قوبل باستحسان رام الله وزمرتها من خلال الإقرار والقبول والرضا عبر الصمت المطبق وعدم الاعتراض؛ فالسكوت علامة الرضا، ولا يهم ما سبق وأن أثاروه من زوبعة كاذبة قبل انتخابات التشريعي حول المقدسيين وتصويتهم، في محاولة لإلغاء الانتخابات؛ فاليوم المفاوضات هي الأساس والقدس أو غيرها سيأتي دورها ولو بعد حين!.
الدولة الفلسطينية.. تلبيةً لرغبة الفريق الفلسطيني المفاوض، وتأكيدًا لوعود الإدارة الأمريكية ونتائج أنابوليس حول قيام الدولة الفلسطينية قبل نهاية عام 2008، ورفض دولة بحدود مؤقتة، صرَّح رامون نائب أولمرت التصريح السابق أنه لا دولة في العام 2008، وبأن "الحدود في اتفاق مع الفلسطينيين هي جدار العزل"، وأكدت ليفني أن أمن "إسرائيل" قبل حتى التفكير في الحديث عن دولة فلسطينية وزادت اليوم أن لديهم، أي الاحتلال، خطوطًا حمراء لا يمكن تجاوزها، وختمها أولمرت بأنه لا دولة فلسطينية هذا العام.
عباس وفريقه من صناديد المفاوضات أصروا على أن المفاوضات هذا العام ستكون حاسمة، وأن قيام الدولة حتمي، لكن وبدبلوماسية وعبقرية قلَّ نظيرها تراجَع عبّاس عن هذا الموقف وأعلن أنه "ربما" لن تكون هناك دولة هذا العام، لكن وبالتأكيد فإن "المفاوضات جدية وهامة"، مبشرًا محبيه ومريده بأنه سيستمر في التفاوض لانتزاع الحقوق.
الضفة الغربية المحتلة.. استجابةً للنداءات المتكررة، وتمكينًا للسلطة المباركة من أداء مهامها في حفظ الأمن وبسط سلطة القانون في مدن الضفة، وتحقيقًا لوعود رايس بتسهيل حياة الفلسطينيين وإزالة المعوقات، حدَّدوها بـ50 حاجزًا من مئات الحواجز، كان الرد:
- القيام بإحدى وأربعين عملية توغل على الأقل في أنحاء الضفة الغربية في الفترة من 27/03 إلى 02/04/2008م، وبحسب توثيق المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان اقتحمت خلالها قوات الاحتلال عشرات المباني والمنازل السكنية وسط إطلاق كثيف للنار.
- في ذات الفترة تم اختطاف ثلاثة وثلاثين مواطنًا من بينهم سبعة أطفال وفتاة، ليرتفع عدد المختطفين منذ بداية السنة الحالية إلى ثمانمائة وعشرة مواطنين.
- وحيث إن الحديث هو عن أبناء شعبنا المختطفين علينا أن نشير إلى أن عدد أسرانا البواسل في سجون الاحتلال بلغ 11700 أسير.
- بعد وعد رايس الشخصي بتخفيف معاناة الشعب في الضفة الغربية، وبدلاً من إزالة 50 حاجزًا كما أعلنت؛ قام الاحتلال بإزالة ساتر ترابي واحد فقط لا غير أمام عدسات الإعلام، وبهذا تحقق أهم إنجاز لأنابوليس برفع المعاناة.
- استمرت مطاردة من صدر عنهم "عفو" من الاحتلال، رغم قبولهم بالعفو المهين وبيع أسلحتهم والتوقيع على تعهدات أكثر مهانةً، ورضوخهم للاعتقال فترة ثلاثة أشهر في سجون الطيراوي، لكن ذلك لم يشفع لهم عند المحتل الذي غدر ببعضهم، إما قتلاً أو اعتقالاً، وهو ما حدا ببعضهم للهرب من سجون الطيراوي كما حدث في نابلس قبل أيام، أو لاتخاذ مواقف أكثر وضوحًا في تهجمهم على عباس وسلطته ووصفهم بالزناة والزبالة، كما فعل زكريا الزبيدي في لقاء اختار له صحيفة (هآرتس) العبرية يوم 04/04/2008م.
- رغم كل ما سبق يصر عبّاس ومن لف لفه على الاستمرار في طريق تلقي الصفعات والإهانات، ومع كل تصريح "ناري" لأحد رموز زمرتهم، يأتي رد الاحتلال وشركاء السلام مباشرًا وحاسمًا واستفزازيًّا مهينًا، ومع ذلك تستمر اللقاءات والقبلات والعناق والتقاط الصور كأن شيئًا لم يكن، ليبقى سؤال هام بدون إجابة: لماذا الإصرار على المفاوضات العبثية العقيمة المهينة؟ ولماذا القبول بلقاء المحتل مهما فعل وولغ في دمائنا؟ ولماذا رفض الحلول الفلسطينية الفلسطينية والتنصل من كل اتفاق ينهي حالة الانقسام والتشرذم؟!
حقيقة لا أجد إلا جوابًا واحدًا، وليصحِّح لي من يختلف معي عليه، والجواب هو أن عبّاس ومعه زمرة أوسلو يقومون بدور محدد في تصفية القضية الفلسطينية، والمساعدة على إنهائها، وإعطاء الغطاء اللازم للاحتلال لتنفيذ مخططاته على الأرض، وإقناع العالم بـ"جدية" المفاوضات، وبالتالي إيصال الشعب الفلسطيني إلى مرحلة الرضوخ والخضوع، بعد تحويله لجيش من الموظفين الذين ينتظرون رواتبهم، وبعد تشويه صورة شعبنا من خلال سلسلة الفضائح المخزية المتتالية لمن يعتبرون أنفسهم قيادات.
المفاوضات هي لتحقيق مآرب تتضح معالمها أكثر وأكثر مع مرور الأيام، ليست لانتزاع حقوق ولا لتأكيد ثوابت، بل للتنازل عن كل شيء مقابل لا شيء، دور مرسوم محتوم لعصابة تاجرت وتتاجر في كل شيء.. عبثية وانصياع ومهانة يتلذذون بها، ووقاحة لا نظير لها في تبرير ممارساتهم، وتعليق تفريطهم وخزيهم المستمر منذ عقود على شماعة "انقلاب" خططوا له واستعدوا وتلقَّوا الأموال وجنَّدوا المرتزقة ودرَّبوهم، ثم انقلب سحرهم عليهم.
هي ليست مفاوضات حتى النصر، بل مفاوضات المهانة والقهر، لهم ولمن يدور في فلكهم، لكنها لشعبنا البطل الصابر المصابر لن تمر، ولن يحصد القائمون بها وعليها إلا مخازي التاريخ ومزابله؛ فالطريق واضح لمن أراد تحقيق العزة والنصر.
اليوم كان لقاء جديد بين عباس وأولمرت، ما رأيكم دام فضلكم؟!
لا نامت أعين الجبناء
-------------