م. وائل عقيلان

طبيعة العداء الموجود بين العرب والكيان الصهيوني أو بين المسلمين والكيان الصهيوني تجعل من الطبيعي أن ترى مشاهدَ وأن تسمع أخبارَ الاستعدادات التي تقوم بها دولة العدو الصهيوني في إطار تجهيز جيشها وجبهتها الداخلية، سواءٌ أكان لحربٍ تسعى لخوضها ضد العرب أو كان استعدادًا لصدِّ خطرٍ يتهددها من وجهة نظر قادتها "إن كانوا يملكون وجهة نظر".
من الطبيعي أن ترى الكيانَ الصهيوني يخوض تلك التدريباتِ بشكلٍ دائم ومتكررٍ، مستخدمًا كافة الأسلحة المتاحة في ترسانته العسكرية والخدماتية، ومن الطبيعي أن ترى العربَ يستعدون أيضًا للحربِ، سواءٌ أكانوا يريدون خوضها أو استعدادًا لطرفٍ قد يُهدد بخوضها ضدهم, وهذه من الأمور الواجبة في قانون الشعوب وقواعد التعامل بين الأمم التي تتعاكس مصالحها وتختلف تطلعاتها.
في الواقع.. لم تكن الدول العربية تستعد بالشكل الكافي لخوض تلك الحروب أو الاستعداد لها، أو لنقل لم تكن تنوي أن تُحارَب فعليًّا؛ فخلال حرب عام 48 كانت الجيوش العربية تنهب الأرضَ نهبًا باتجاه تل الربيع "ما يُسمَّى بتل أبيب"، لكنَّ نفوذَ العالم منع هذا التقدم وسلب الجيوش إرادة الحرب الحقيقية, وهذا ما جرى في العام 67 مع اختلاف النتائج, وللأسف تكرَّر هذا حتى في حرب العام 73 والذي جعل منه البعض نصرًا مؤزرًا برغم استمرار العدو بالاحتفاظ بالجولان ومنح مصر سيطرة مدنية مشروطة على سيناء.
للأسف.. هذه الاستعدادات كانت في الزمن الغابر؛ الزمن الذي كان يوجد فيه بعض الرجولة, أما اليوم فالاستعداد يتم بأسلوبين: دول تستعد بتجويع شعوبها, ودول تستعد بإفساد أخلاق شعوبها بجعلها تعيش بمستوى معيشي غايةً في الرفاهية بموجبِ قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)﴾ (الضحى).
عندما كان السلاح والذخيرة تدخلان إلى قطاع غزة لم نكن نجد رصاصةً واحدةً من إنتاج الكيان الصهيوني صُنعت قبل عشر سنوات, أما الرصاص العربي، ولله الحمد، فتجد رصاصًا من إنتاج السبعينيات؛ فالكيان كان يستهلك الذخيرةَ في حروبه وتدريبات جنوده, أما الآخرون فكانوا يخزنونها حتى يتم التخلص منها إما بإتلافها أو ببيعها للعامة, هذا مع العلم أنَّ الجندي المصري مدرَّب جيدًا، فهو لم يُطلق أكثر من عشر رصاصات.. فكيف سيُحارب مَن يطلق كل ما تصنعه له مصانعه الحربية؟.
الكيان الصهيوني يستعد بتصنيع مئات الرءوس النووية، وأما العرب فلا يجرئون حتى أن يُولدوا الكهرباء بالطاقة النووية, ربما يُبدي البعض منهم اعتراضًا شديدًا على انتشار الأسلحة النووية, فما بالنا لم نراكم حتى تصنعوا أسلحة تقليدية, فما لنا لا نرى حتى الآن طيارةً بدون طيار, ما بالنا نرى أقمارًا صناعيةً عربيةً لبثِّ الأغاني ولم نرَ قمرًا للتجسس حتى وإن كان للتجسس على المقاومة.
ما يُبكي القلب أن الكيان الصهيوني يستعد، وللأسف العرب يستعدون أيضًا, الكيان الصهيوني تستعد للقضاء على غزة وعلى حزب الله, والعرب يستعدون أيضًا، ولكن ليس للدفاع بل للهجوم.. أرجو ألا تفهم كلمة الهجوم خطأً؛ فالهجوم هنا مع العدو وليس على العدو.
العرب يستعدون ببناء سورٍ على حدود غزة ليمنعوا الإمدادات عنها, العرب يستعدون بمنع التبرع لأهل غزة ليتركوا الجوع والمرض ينهشانهما, العرب يرفضون التعامل مع أهل غزة بأدنى مستويات الإنسانية, العرب يحاربون كل مَن يمد يد العون لأهل غزة, العرب يستقبلون شُذَّاذ الأرض ويرفضون استقبال رجال هذه الأمة في أوطانهم, العرب يستعدون بمقاطعة كلِّ مَن يريد للبنان رئيسًا يصون هذا البلد ويصون كرامته, العرب يستعدون لمحاربة كل مَن ينتمي إلى الشيعة؛ لأنهم من وجهةِ نظرهم يعادون السنة "يا ريت تكونوا مسلمين أولاً", العرب يستعدون بمعاداة إيران سوريا ومحاباة أمريكا و"إسرائيل".
هناك قاعدة قديمة: "عدو عدوي صديقي"، وأعتقد للأسف أن قادتنا بسبب انشغالهم في هموم الأمم "الأمم غير المسلمة" لم يسمعوا بهذه القاعدة، وأظن أنهم لن يسمعوا بها أبدًا حتى لو قرعت "إسرائيل" طبول الحرب على أبواب قصورهم فسيبقى الرعب من فزَّاعة الجيش الذي لا يقهر والرغبة في رضا أمير الظلام أمريكا تصم قلوبهم عن ذكر الحق، وستبقى بصائرهم لا ترى سوى الهاوية التي يُعدونها لأنفسهم وشعوبهم إن لم تستيقظ هذه الشعوب.. ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ (الرعد: من الآية).
--------
* كاتب فلسطيني