يقول المختصون في علم التفجير إن الانفجارات جميعها تحتاج إلى مفجِّر أو محرِّض، وهو مُتعارَف عليه عسكريًّا على مستوانا المحلي باسم الصاعق، وإن هذا الصاعق يُحدث عملية تفجير؛ إما كيميائية أو ميكانيكية، وإن هذا الصاعق يجب أن يتكوَّن من نوعين من المواد، وهي التي تُسمَّى "المواد البادئة".

 

أما القسم الأول فيجب أن يكون شديد الحساسية لكل عوامل التفجير، والتي منها مصدر حراري أو الضغط أو الطرق أو الوخز، وسريعة الانفجار، أما القسم الثاني فيجب أن تكون مادةً متوسطة الحساسية وسريعة الانفجار أيضًا.

 

هذا الصاعق يجب أن يكون محاطًا بمواد متفجِّرة خاملة بليدة، قليلة الحساسية، وآلية عمل هذا الصاعق تكون بتفجير المادة الأولى للمادة الثانية، والتي بدورها عليها تفجير العبوة المليئة بالمواد الخاملة.

 

ولكن.. ما علاقة غزة والانفجار الذي تنتظره غزة بهذا الحديث عن الانفجاريات العسكرية وبأنواع المواد وآليات عمليها؟!

 

وللإيضاح نقول إن العلاقة وثيقة جدًّا وشديدة الشبه من حيث آليات العمل؛ فغزة يمكن تشبيه عملها وتأثيرها بالنسبة للأمة بعمل وتأثير الصواعق بالنسبة للمتفجرات، وإذا كان الصاعق يتركَّب من مادتين شديدتَي وسريعتَي الانفجار: الأولى حساسة جدًّا والثانية متوسطة الحساسية؛ فإن حركات المقاومة وأذرعها العسكرية يمكن اعتبارها في هذه الحالة تقوم بعمل المادة الحساسة لكل عدوان قد يصيب شعبنا الفلسطيني؛ بحيث تُبدي ردود فعل سريعة حيال هذا العدوان متمثِّلةً في عمليات المقاومة على اختلافها وتنوعها في جهة ردِّ هذا العدوان وردع العدو والإصابة منه وإيلامه بما يشفي ولو قليلاً صدر شعبنا المكلوم.

 

أما شعبنا المصاب والجريح الصابر والمرابط فيمكن اعتباره يقوم مقام المادة سريعة وشديدة الانفجار، لكنه متوسِّط الحساسية، ولأنه شعب كبير وكثير التنوع فهو بحاجة دائمًا إلى المادة شديدة الحساسية (المقاومة)؛ كي تعمل على تفجيره وتوجيه هذا التفجير في وجه محتليه ومغتصبي أرضه؛ تمامًا كما حدث في الانتفاضتَين الأولى وانتفاضة الأقصى، وكردة الفعل المتوقَّعة على الحصار القاتل الذي يتعرَّض له قطاع غزة.

 

كما يمكن اعتبار ما يتعرَّض له شعبنا الفلسطيني في الضفة والقطاع من حصارٍ قاتلٍ خانقٍ لا إنساني، وما يُمارَس بحقه صباح مساء من عمليات قتلٍ واغتيالٍ وخطفٍ واعتقالاتٍ ومجازرَ وانتهاكاتٍ، ومصادرة أرضه واغتصاب مقدساته والتآمر لهدمها، وإسقاط قياداته السياسية الرسمية لتتساوق مع مخططات العدو التوسعية التصفوية؛ مقابل حفنة من الأموال والامتيازات المشروطة بمدى خضوعهم لرغبات المحتل والتوقيع على ما يريد.

 

يمكن اعتبار كل ما سبق بمثابة الصاعق المفجِّر بالنسبة للعبوة المحشوَّة بمواد متفجرة، لكنها خاملة، وهذه العبوة هي الأمة المحشوَّة بمواد متفجرة لكنها بليدة خاملة بفعل مخططات الحكام الرابضين على صدرها؛ الذين شغلوها بالبحث عن لقمة الخبز وشربة الماء النظيفة أو الملوثة؛ لا يهم، وعن المسكن في جحر أو برج لا يهم.. إلخ من تفاصيل الحياة الخانعة بين حفر الأزمات والمشكلات اليومية، في ظل أجواء ثقافية فاسدة، تتنافس في تشجيع الرقص والأغاني الساقطة أو الألعاب العبثية؛ عوضًا عن دفع شعوبهم إلى الصعود فوق قمم الجبال التي احتكرها الغرب بامتلاكه أسباب العلم والقوة للتسلُّط على رقاب أمتنا الغنية والمنكوبة بحكامها.

 

إذا كان بإمكاننا اعتبار ما سبق صحيحًا فإنه تقع على شعبنا وفصائله وأذرعه العسكرية مسئولية كبرى لجهة الخروج أمام الأمة التي يشبهها البعض بأنها على صفيح ساخن؛ بفعل قمع الحكام، وضيق العيش، وتنامي وتصاعد الصحوة الإسلامية والعملية والثقافية، متجرِّدين من كل عوالق الخلافات الداخلية وإن كانت بين الحق والباطل، ومن المناكفات السياسية وإن كانت ضد العملاء والخونة، ومن صورة المتنافسين على متاع الحياة الدنيا وإن كانت من أسباب الحكم بالعدل وفق ما أمر به الله تعالى.

 

كما يقع على شعبنا وفصائله وأجنحته العسكرية عبءَ إقناع أمتنا بأننا نُجرَح، لكنهم هم من ينزفون، وأننا نُذبح من الوريد إلى الوريد لكنهم هم من يُستَشهدون.. بأننا ننال من العدو في معارك كحقل الموت والمطر الساخن وكرم أبو سالم وناحل عوز لكن هم من ينتصرون، وأن بيوتنا تُهدَّم وأرضنا تُصادَر وأشجارنا تُجرَّف لكن هم من يتشرَّدون ويعانون ويجوعون.

 

باختصار لأن عزَّتنا هي في الحقيقة عزتهم، وكرامتنا ورفعتنا وانتصارنا هو في الحقيقة إنجاز لهم، وباختصار إشعارهم أن قضيتنا الفلسطينية الإسلامية العادلة هي في الحقيقة قضيتهم التي من أجلها.. عليهم أن يلعقوا جراحهم، ويغرسوا أظفارهم في قلب عدوِّهم، وإن تَسمَّى بأسمائهم.

 

وهذا يفرض على حركاتنا المقاومة، وخصوصًا قادتها السياسيون، إعادة النظر في لغة خطابهم الإعلامي والسياسي الموجَّه للأمة لجهة تحقيق ذلك.

----------

* صحفي وباحث سياسي فلسطيني.