تظل هناك أصابع خفية تحرِّك توجُّهات الإعلام العربي في قضايا كثيرة عمومًا، وفي القضية الفلسطينية خصوصًا؛ بما يخدم الكيان الصهيوني، ورغبته الدفينة في طمس معالم قضية فلسطين، وحسم الصراع الدائم والمستمر عبر سنوات طويلة لصالحه.
وأعجب ما نراه على الساحة الآن أن تُختزل مطالبُ السلطة الفلسطينية، وخاصةً فريق المفاوضين منهم، وعلى رأسهم رئيس السلطة نفسه.. تُختزل مطالبهم في هدفٍ سامٍ، عزيز المنال لديهم، وهو أن تتم المفاوضات مع الكيان الغاضب المحتل تحت إشراف وفي رعاية الرئيس الأمريكي "بوش"، وأمام هذا الهدف العظيم!! تتوارى أصولٌ وثوابت، مثل: عودة اللاجئين، والعودة إلى حدود ما قبل 1967م، وعودة الأقصى للعرب، بل وجعله عاصمةً لفلسطين.
هذا الاختزال والابتسار للأهداف العليا ليس وليد هذه اللحظة، وإنما يترجم عن سلسلة من التنازلات والانهيارات، بدأت باتفاقية "كامب ديفيد" عام 1979م مع مصر؛ حيث جرى إخراجها من معادلة الصراع العربي- الصهيوني، ثم تبع ذلك اتفاق مماثل مع الأردن، ثم تقديم وعرض المبادرة العربية عام 2003 تحت شعار الأرض مقابل السلام، وانتهى الأمر إلى جرِّ أغلب الدول العربية في مظاهرة استسلامية عندما شاركوا في مؤتمر "أنابوليس"، الذي كان أول التقاء جماعي للعرب بالعدو الصهيوني، شاهدين أمام العالم بتسليم مفاتيح القضية لسيدة العالم؛ أمريكا، تحرِّك خيوطها كيف تشاء، وطبعًا لمصلحة ربيبتها "إسرائيل"، وللإجهاز النهائي على الذبيحة فلسطين، وينفُض الجميع أيديَهم منها، ويتركونها لقمةً سائغةً على مأدبة اللئام.
ولم يبقَ هناك من أملٍ أمام العرب والمسلمين إلا أن يبقى رجالٌ في هذه الأمة الكبيرة؛ يقفون خلف المقاومة الباسلة للشعب الفلسطيني، يؤيدون حقهم، ويدعمون وقفتهم، بالدعم المادي والمعنوي بعد أن تخلَّت أغلب الأنظمة الحاكمة الرسمية عن خيار المقاومة، وأصبح "التفاوض" أو "مهادنة العدو المحتل" هو الخيار الإستراتيجي لحكام العرب.
واتساقًا مع هذا السياق المحزن تدور الآن حملة إعلامية شرسة، تدمغ المقاومة الإسلامية حماس وتنتهز فرصة بعض التصريحات من هنا وهناك، تدعو إلى فك ذلك الحصار الظالم على "غزة"، وتنذر بعواقب وخيمة يمكن أن تترتب على الحصار؛ حيث يكاد ينفد رصيد المخزون من الغاز والبترول؛ بما يترتب عليه من وقف الكهرباء عن المرافق الحيوية للقطاع، من مستشفيات وآبار لضخ المياه؛ الأمر الذي يؤدي إلى هلاك الزراعة والمواشي والإنسان كذلك؛ مما يعود بالأوضاع في غزة إلى ثلاثة أشهر ماضية (24 يناير 2008م) عندما أحكم الكيان الصهيوني الظالم حصاره على أهل غزة، وعاشوا لياليَ في ظلامٍ دامسٍ وعايشوا مأساةً وفجيعةً إنسانيةً رهيبةً؛ الأمر الذي دفعهم دفعًا إلى أن يتوجَّهوا إلى رفح المصرية، طالبين الغذاء والدواء والغاز من الشقيقة الكبرى مصر.
ووقتها تجاوبت القيادة مع المطالب العادلة، وسُمح لهم بالدخول إلى العريش وسيناء؛ للحصول على مطالبهم من هذه المقومات المعيشية الضرورية، ويومها سمعنا "لن نسمح بتجويع الشعب الفلسطيني" وفرحنا بذلك، ولكن سرعان ما انقلب الأمر وتحوَّل الإعلام، متهمًا أهل غزة وكأنهم جيش احتلال يهدِّد الأمن القومي المصري!!.
انتهز الإعلام المضلِّل فرصته أنَّ أحد خطباء الجمعة في خان يونس قد تحدَّث عن الحصار الظالم وضرورة السعي بكل الوسائل الممكنة لفكِّه، وللعلم فإن هذا الخطيب هو الشيخ عبد الحميد الكلاب، وأن المسجد صغير واسمه "عباد الرحمن" في حي صغير يحمل نفس الاسم في مدينة خان يونس، وأنه لم تنشر أية صحيفة نصَّ ما زعمت أنه فتوى.
وقد صرَّح هذا الشيخ الخطيب- وهو يعمل مدرسًا للغة العربية والدين- بأن كل ما قيل عن فتواه غير صحيح، ولم يُصدر أية فتوى بهذا الشأن على الإطلاق، وبالتالي فإن ما قيل عن إصداره فتوى تبيح استهداف الجنود المصريين على الحدود مع قطاع غزة إذا ما حاولوا منع سكان القطاع من إعادة اقتحام المعبر والدخول مجددًا إلى سيناء للتزوُّد بالوقود والبضائع.. غير صحيح.
وقال الشيخ إنه لا يفتي، ولم يذكر أي شيء له علاقة بالجنود المصريين في خطبته التي زعموا أنها احتوت هذه الفتوى، وأنه لم يتطرَّق من الأساس إلى الجنود المصريين، وأن ما نُسبَ إليه لم ينطق به أبدًا.
وراح كل المسئولين في حماس والحكومة المؤقتة برئاسة إسماعيل هنية يؤكِّدون علاقة المودَّة والأخوَّة والاحترام تجاه الشعب المصري، وفي ذلك يذهب الأخ خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس كما نُشر في (الدستور) المصرية في 17/4/2008م إلى أن هناك من يحاول الاصطياد في الماء العَكِر، "ونحن كما ذكر سنفوِّت عليهم الفرصة، وإن التواصل مع الشقيقة الكبرى مصر مستمر، ولن يُقطع بإذن الله، وإن حماس لا تشكِّل خطرًا على أية دولة عربية"، مشدِّدًا على أن الخطر الحقيقي تمثِّله "إسرائيل".
هل بعد هذا التصريح من قيادة حماس يمكن أن نلويَ الحقائق ونستمرَّ في النفخ في أبواق الفتنة وتعميق الوقيعة بين حماس والأمة العربية بما فيهم مصر؟! ولمصلحة من هذا التحريض الذي كان أول من تولَّى كِبَره هو السيد أبو مازن نفسه؟!
وتنبري جريدة (الأهرام) في يوم الثلاثاء 15/4/2008، وفي صفحتها الأولى وبعنوان كبير بارز (الأهرام تكشف عن خطة حماس لاقتحام الحدود) (قصف بالهاون.. وتلغيم الأنفاق.. ونسف الجدار بالمتفجرات)، (فتوى لحماس تبيح لميليشياتها قتل الجنود المصريين).
وهكذا يشعل (الأهرام) ومحرِّرها الهمام الذي يُكنُّ كل حقد وبغض للمقاومة المشروعة لحماس، ولا ندري: إلامَ يتَّجه بولائه وتأييده؟، وأنا أقطع أن المستفيد من ذلك كله هو العدو الصهيوني، وأن الخاسر الأكبر هو الشعب الفلسطيني.
ولا ينسى محرِّر هذا التحريض من الإشارة ولمز جماعة الإخوان المسلمين بمصر، وكأنها شريكة في هذه المؤامرة التي زعمها خياله المريض؛ حيث ذكر أنها ستتولَّى قيادة حملة سياسية وإعلامية داخل مصر تشمل الدعوة إلى تنظيم مسيرات ومؤتمرات لإحراج الحكومة المصرية ومنعها من صد هجوم حماس على القوات المصرية واقتحام الحدود كما يدَّعي ويزعم.
إلى هذا الحد تذهب الحملة التحريضية على حماس لتغطيَ الجريمة الكبرى التي يتزعَّمها الكيان الصهيوني الغاصب الذي يفرض الحصار الظالم على أهل غزة وشعبها الصابر المرابط؛ وذلك كله تحت صمت الأنظمة الحاكمة في البلاد العربية وعجزها الكامل عن مدِّ يد العون للشعب المحاصر وفك هذا الحصار حتى في جانبه الإنساني والإغاثي؛ من حيث توفير مقومات الحياة الأساسية للمحاصرين وعدم تركهم لقمةً سائغةً للعدو الصهيوني الغاشم؛ توطئةً لتصفية القضية من أساسها وفق مشورة السيد المطاع جورج بوش.
وبعيدًا عن فتوى الشيخ عبد الحميد ومدى الكذب والافتراء عليه فإن المشكلة في حدِّ ذاتها تكمن في أن إخواننا في غزة يتعرَّضون إلى كارثة إنسانية، وهذا هو بيت القصيد، وأن جميع العرب المغاوير بمن فيهم الشقيقة مصر يجب عليهم إزالة أسباب هذه المأساة بدلاً من توزيع الاتهامات هنا وهناك، وأنه يجب فتح جميع المعابر بما فيها معبر رفح المصري الفلسطيني بشكلٍ لا يجعل الكيان الغاصب سلطةً وحيدةً للتحكُّم فيه؛ وهذا ما جعل مجلس الشورى المصري يحذِّر من استمرار إغلاق معبر "نحال عوز" في قطاع غزة؛ منعًا لكارثة إنسانية للفلسطينيين.
إننا لا يجب أن نوجِّه اللوم والتعنيف للمحاصَر المظلوم الذي فقد أسباب البقاء من غذاءٍ وماءٍ ودواءٍ، إنما نوجِّه اللوم إلى كل العرب والمسلمين ونمنع أسباب التواطؤ، ونمسك عن التحريض الذي لن نجنيَ من ورائه إلا الفشل والخزي والعار والدمار.
ويعجبني ما أشار إليه الكاتب المحترم أبو العباس محمد في (الدستور) يوم 17/4/2008: "أعتقد أنها مهارة وشجاعة واقتدار يُحسَد عليها هؤلاء الزملاء الصحفيون ونحن نراهم هكذا ودون حياء أو خجل يلعبون دَوْرًا كبيرًا ومقصودًا في إشعال نيران التحريض والفتنة والكراهية ضد حركة حماس".
وحسبنا الله ونعم الوكيل.