م. وائل عقيلان

ما يجري في غزة يشيب له الولدان، ما يجري في غزة لم تعرف له بقعة في الأرض مثيلاً, ما يجري في غزة هو وصمة في جبين كل مَن يدَّعي الإنسانية، ما يجري في غزة هو قتل لكل معاني الرحمة، ما يجري في غزة هو مؤامرة على الحق والطهارة والإيمان, ما يجري في غزة هو خيانة لكل ما هو جميل وهو خيانة لكل قيم العدل.
حين يقتل الأطفال في مهدهم بردًا، ولا يجدون ما يلتحفون به، فهنالك تسقط الرحمة، حين يقتل الشيوخ والدواء على مرمى حجرٍ، فهنالك تُذبح الإنسانية، حين يُحرم الشهيد من كهرباءٍ تحفظ برودةَ جثته وجواره يبذر الكهرباء في ما طابَ وخبُث، فهناك تُدفن العدالة.
كنا دومًا نتطلع لأمتنا لأن تكون لنا عونًا، كنا دومًا نرى في أنفسنا خط الدفاع الأول في مواجهة أعداءِ الأمة، كنا دومًا نتناسى مآسينا ونبكي دومًا لجراحِ الأمة، كنا نتلقى الرصاص في صدورنا كي نحمي ثغور الأمة وعوراتها, كنا نبيت في برد الخوف والرعب كي تبيت الأمة في دِفْء الأمن والسلم, كنا نرى صمت الأمة ونحن نُذبح بسلاح أمريكا ولا نبكي؛ لأن في ذلك كما يدَّعي البعضُ مصلحة للأمة, ولكن أن نُذبح اليوم بطائرات العدو التي تطير ببترول الأمة، أن نُذبح برصاصٍ يدفع ثمنه مَن ينتمون ظلمًا للأمة، أن تُصبح دماؤنا مشهدًا للتسلية على فضائيات الأمة, أن يُصبح عويل نسائنا موسيقى تصويرية للطرب، أن تُصبح معاناتنا قصةً ملَّت الأمةُ سماعها, فذلك الذي لم يعد مقبولاً؛ ذلك الذي يقودنا لمراجعةِ موقف الأمة منا وموقفنا من الأمة.
يقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "كل أمتي يدخلون الجنةَ إلا مَن أبى"، فهل هناك مَن يأبى؟ وهل هناك مَن يرغب في أن تلفح النار وجهه؟ الإجابة: نعم. مَن أطاع رسولَ الله دخل الجنة ومَن عصاه فقد أبى.
كل مَن في الأمة آمن إلا من أبي، فهل هناك من يأبي؟ هل هناك مَن يرغب أن تُستباح دياره؟ هل هناك مَن يريد أن يرى زوجه وأمه وأخته تُنتهك أعراضهنَّ؟ هل هناك مَن يرغب في أن تُهان كرامته؟ الإجابة" نعم", مَن يرضى أن تُنتهك أعراض أهل غزة وهو غافل فيرغب في أن يرى أهله في نفس الموقف, مَن يسمح لجندي صهيوني أن يقول كلمةً واحدةً تجرح كرامة أخيه المسلم فقد رغب في أن تُقال له.
الأمة ما عادت تستحي، ما عادت ترى طريقها، ونحن ما عدنا نرى سوى بهائم لها رءوس ولها دول، ما عدنا نرى سوى كومةً من الخور والجُبن، ما عدنا نرى سوى بعض العفن الذي يزكم الأنوف، ما عدنا نرى سوى خيانةً تلبس عباءةَ القومية.
هذه هي أمتنا، أمة ترى في ذبح أبنائها سبيلاً وحيدًا للخلاص من صراخهم، أمة ترى تجويع أبنائها سبيلاً لتوفير نفقاتها، أمة ترى أفضل مكانٍ للنوم هو على جثثِ أبنائها, أمة ترى الدفاع عن حقِّها جريمةً تخدش فسقها.
أمة تبيع البترول للعدو بثمنٍ بخسٍ كي تسير دبابته فوق رقابنا، أمة تبني سورًا على حدودنا حتى لا يدخل فلسطيني أرضها دون ترخيصٍ وتترك الباب مفتوحًا كي يدخل بني صهيون حتى بدون أوراق ثبوتية، أمة تبني سورًا لتمنع عنَّا الغذاءَ لتهديده أمنها القومي وتترك باقي حدودها مع العدو دون أسوارٍ لتهريب المخدرات إليها فهو عامل لتهدئةِ شعبها، أمة ترى بضع دولارات خسارة لو أُنفقت علينا، أما ملايين الدولارات لاستضافةِ وفود العدو فهو كرم عربي أصيل, أمة احترفت القول "ابعد عن الشر وغني له" ونسيت قوله تعالى: ﴿فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (البقرة: من الآية 194).
كنا نقول من الغريب أن نرى العرب يعذبوننا ويحاصروننا، ولكن يبدو أن هذا هو الطبيعي فهم الأعداء، فهم مَن يقاتلوننا، فهم قريش التي وقفت في وجهِ النبي الكريم، هم أبو لهب وأبو جهل, هم ابن العلقمي ونصير الدين الطوسي، هم مَن يحملون معاول هدم قلاع ثباتنا، هم مَن يدسون لنا السم في عزيمتنا وثباتنا.
نعم يا أمتي ما عدتِ تعنين لنا شيئًا فقد طلقناكِ ثلاثًا لا رجعةَ فيها، فلقد اعتدنا أن نقول استيقظي يا أمتي، استيقظي يا أمتي, أمَّا الآن فنقول لكِ نامي نومًا عميقًا فنومك على الأقل سيجعل قائمة أعدائنا أقل، فنومكِ سيريحنا من الحرب على جبهةٍ أخرى، فنومكِ سيُوفِّر علينا جهدًا ودماءً نُفضِّل أن تراق في وجه بني صهيون، واعلمي يا أيتها الأمة أنه لن تسقط قلاعنا ولن يقع اللواء من أيدينا، وسيبقى الحق يرفرف في ربوعنا، وسيبقى قوسنا مشرع للدفاع عن أنفسنا وديننا، أما أنتِ فندعو الله أن يرحمَ منك من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.