أعترف أنني ما إن استمعت إلى المؤتمر الصحفي للرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر يوم الإثنين 12/4/2008م، حتى شعرتُ بالامتعاض لسببٍ ولاحتمالٍ، أما السبب فهو يقيني أن ما نقله كارتر بعد لقاءاته أُخرج من سياقه وبالشكل الذي تسعى وكالات الأنباء لتلقفه كسبقٍ صحفي، خاصةً إشارته إلى استعداد حركة حماس لـ"الاعتراف بحق "إسرائيل" في العيش بسلامٍ جنبًا إلى جنب كجارة"، وأما الاحتمال فهو أن تكون مواقف حركة حماس قد جاءت بصيغة "لعم"- أي "لا ونعم"- الشهيرة التي أطلقها ياسر عرفات في ثمانينيات القرن الماضي تحت مسميات المرحلية والتكتيك، فأوصلتنا إلى كارثة الاعتراف وأوسلو وما تبعها.

 

منعًا لأي التباس أو تأويل، وحسمًا للسبب والاحتمال السابقين، بدأت بكتابة موضوع في شكل رسالة موجَّهة إلى قيادة حركة حماس لتأكيد وتوضيح موقفها بشكلٍ محدَّد غير قابل للتأويل والقراءات المزدوجة، ومنعًا للاصطياد في الماء العكر، وبصراحة أكبر لأتأكد من أنه لم يطرأ تغيُّر حقيقي في المواقف أو أنها بداية انحدار تدريجي نحو هاوية مشابهة لهاوية أوسلو، لكن وقبل أن أتم كتابة ما بدأت جاء المؤتمر الصحفي لرئيس المكتب السياسي، وقبله عبر تصريح لرئيس الوزراء في غزة، وبعده على لسان الناطقين الرسميين، ليؤكِّدوا جميعًا أنه لا تحوُّل ولا تغيُّر عن المواقف السابقة المُعلَنة.

 

رغم هذه التأكيدات خاض ويخوض البعض في الأمر وكأنه تحوُّل فكري مفصلي، أو اختراق إستراتيجي، بل زاد البعض الآخر وقارن هذه المواقف القديمة بموقف حركة فتح وفريق أوسلو وتساءلوا: أليست حماس تبدأ من حيث انتهت فتح؟! ويضيفوا: لم كل هذه التضحيات والدماء ما دام القبول قادمًا؟!.

 

وتباكى طرفٌ ثالثٌ على الفرص الضائعة قبل عقودٍ من الزمان وترحَّموا على السادات وعروضه، وخرجت الأصوات المعروفة لتزايد وتناكف في محاولة لإثبات أن ما فعلوه من سقوط وتنازل هو النهاية الطبيعية لكل معاند.

 

نايف اشتيوي الناطق الإعلامي لما يسمَّى منظَّمة الشبيبة الفتحاوية هاجم رئيس المكتب السياسي لحركة حماس وادَّعى أنه يكتشف صواب منهج فتح بعد 34 عامًا عندما أقرَّت برنامج النقاط العشر وهو في ملاعب الصبا!، أما فهمي الزعارير أحد الناطقين باسم فتح فقد أعلن أنه ليس من حق حماس التفاوض؛ لأن هذا حق حصري وملك شخصي لسيده محمود عبَّاس، ناهيك عن التصريحات الأخرى والمقالات التي تغنَّت بحكمة نهج أوسلو، وبشَّرت بسقوط مواقف حركة حماس.

 

توقَّف أكثر من شكَّكوا بالموقف "الجديد" كما ظنوه عند موضوع الاستفتاء، وهو الأمر الذي زاد غموضه بعد المؤتمر الصحفي لرئيس المكتب السياسي لحركة حماس؛ لأنه وبصراحة أيضًا لم يوضح ماهية الاستفتاء أو على ماذا يكون، خاصةً أننا نتحدث إما عن متخوِّفين أو مشكِّكين لا يكتفون بتأكيد المواقف، فيقفون عند النقطة والفاصلة، فكان التصريح بالاستفتاء عن أية اتفاقية من خلال التفاوض أمرًا جلل، اعتبره هؤلاء تجاوزًا للخطوط الحمر، وتمترسًا خلف الشعب لتمرير وتبرير التنازلات التي وعدت بها حماس، وأن حماس بحجة قبول الشعب لأية اتفاقية عبر الاستفتاء مستعدة للتنازل عن الحقوق والثوابت.

 

بعد قراءة مستفيضة ومراجعة وتدقيق للمواقف والتصريحات الرسمية يمكن تلخيص موقف حركة حماس السياسي كالتالي:

 

- القبول بمبدأ دولة على أراضي عام 1967م، وهذا ليس موقفًا جديدًا، بل طرحه قبل سنوات طوال الشيخ أحمد ياسين رحمه الله قبل استشهاده.

 

- هذا القبول مشروط بإزالة الاستيطان وعودة القدس وسيادة كاملة وتطبيق حق العودة كاملاً.

 

- مقابل هذا القبول يُوافق على هدنة طويلة الأمد تُحدَّد مدتها الزمنية.

 

- لا اعتراف للمحتل بحق في أرضنا تحت أي ظرف.

 

- بناءً على هذه المبادئ وفي حال قبولها من الأطراف المعنية والوصول إلى اتفاق بشأنها تحديدًا، تُوافق عليها عبر مجلس وطني جديد ومنتخب أو استفتاء شعبي يشمل كل فلسطيني أينما وُجد، حول ما سبق فقط.

 

هذه هي المواقف القديمة الجديدة، والأصل هنا أن الشعب الفلسطيني هو الذي يقبل بهذا حتى لا يُسقط حقوقه، دون تفرد من طرفٍ أو أطراف، ولا يكون إلا بآلياتٍ حدَّدتها وثيقة الوفاق الوطني التي وقَّعها الجميع في شهر يونيو من العام 2006م، بمَن فيهم حركة الجهاد الإسلامي التي تحفَّظت على فقرة المفاوضات فقط، ووثيقة الوفاق الوطني حدَّدت المواقف بشكلٍ لا لبس فيه، سواءٌ في المقدِّمة التي نصَّت: "وعلى قاعدة عدم الاعتراف بشرعية الاحتلال"، أو في البنود التي أوضحت "وضمان حق عودة اللاجئين إلى ديارهم وممتلكاتهم التي طُردوا منها وتعويضهم"، بل إن الوثيقةَ كبَّلت وقيَّدت عباس بمدة زمنية تنتهي بعد شهرين وآليات محدَّدة للموافقة عليها لتقول "إن إدارة المفاوضات هي من صلاحية (م- ت- ف) ورئيس السلطة الوطنية الفلسطينية على قاعدة التمسك بالأهداف الوطنية الفلسطينية كما وردت في هذه الوثيقة على أن يُعرض أي اتفاق بهذا الشأن على المجلس الوطني الفلسطيني الجديد لإقراره والتصديق عليه أو إجراء استفتاء عام في الوطن والمنافي بقانون ينظمه".

 

لماذا كل هذه الضجة إذن؟! ومَن الذي قال إن الاستفتاء سيكون حول الثوابت أو الحقوق؟! ومَن الذي يخشى أن يُفرِّط الشعب بحقوقه وثوابته؟! عباس لو وقَّع ألف اتفاق واتفاق لن يمر لا باستفتاء ولا بغيره إن تنازل فيه عن ذرةٍ من حقوقنا، ولا يملك كائن مَن كان تفويضًا مطلقًا أو من أي نوعٍ حتى لمناقشة تلك الحقوق.

 

المشككون بأي موقفٍ يكشف حجم تنازلهم وتفريطهم وفشلهم، هم أنفسهم من لوَّح بالاستفتاء قبل عامين لسحب البساط من تحت الحكومة العاشرة، ثم رفضوا وثيقة الوفاق الوطني باعتبارها لا تصلح أرضيةً لحكومة وحدة وطنية، واليوم يدَّعون زورًا أن الموقف الجديد برأيهم هو ذاته موقفهم منذ عقود من الزمان، لكننا لا نرى في الموقف السياسي لحركة حماس تنازلاً عن 78% من فلسطين كما جاء في اتفاقية أوسلو، ولا اعترافًا بحق "إسرائيل" في الوجود كما في رسائل الاعتراف المتبادل في 9/9/1993م، ولا القبول بتقسيم القدس كما جاء في اتفاقيات قريع- بيريز وعبّاس- بيلين، ولا التفريط بحق العودة كما في وثيقة جنيف التي وقَّعها عبد ربه، ولا القبول بيهودية الدولة كما يسمُّونها بحسب تصريحات عبّاس لمجلة (المصور) المصرية في 2/12/2004 و(دير شبيغل) الألمانية في شهر 5/2005.. كل ذلك دون الحصول على أي شيء مطلقًا ولا حتى إزالة حاجز واحد في الضفة الغربية المحتلة.

 

الفرق بين أوسلو والموقف السياسي لحركة حماس وباختصار، هو أن أوسلو وفريقها اعترفت للاحتلال بحق غير شرعي على أرضنا دون الحصول على 1967م أو أيٍّ من الحقوق، وموقف حماس السياسي هو الحصول على 1967م مع القدس وإزالة الاستيطان والعودة الكاملة دون اعتراف للاحتلال بحقٍّ في أرضنا، والفرق على ما نعتقد أكثر من واضح.

 

القبول بدولةٍ على الأراضي المحتلة عام 1967م لا يعني مطلقًا الاعتراف بدولةٍ أخرى على باقي أراضي فلسطين التاريخية، ولا يفرض أو يرسم حدودًا ملزمة، ولا يمنع التواصل بين أبناء الشعب الفلسطيني بين أراضي عام 67 وعام 48، وهذه ليست نظريات، بل هناك سوابق دولية في هذا الشأن تؤسس لمثل هذا الاتفاق، ومنها:

 

1- ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية لم تعترف إحداهما بالأخرى قبل توحيد الشطرين، ولم ترسم حدود، وحافظ كل شطر على "دولته"، ومع ذلك كانت بينهما قطارات وتجارة، بل تقابلوا رياضيًّا في أكثر من مناسبة.

 

2- كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية لا تعترف إحداهما بالأخرى، ويحشد كل شطر مئات الآلاف في مواجهة الشطر الآخر، ومع ذلك سمحوا بزيارات الأقارب وحركة محدودة عبر الخط الفاصل بينهما، والذي لا يعتبر حدودًا رسمية.

 

3- الصين تعتبر تايوان إقليمًا متمردًا يجب أن يعود إلى السيادة الصينية ولو بالقوة، ومع ذلك هناك حركة تجارة وطيران دون أي اعتراف من أي نوع، بل مقاطعة لكل من يعترف بتايوان أو يفتح سفارةً لها.

 

4- حتى في منطقتنا ولسنوات طوال سرت هدنة وقِّعت بين الاحتلال والدول المحيطة بفلسطين كانت خلالها المعابر تعمل وتسمح بالتنقل للأفراد والبضائع عبر بوابات وإجراءات محدَّدة، دون أي اعتراف بكيان الاحتلال (قبل معاهدات السلام المزعوم).

 

في كل تلك الأمثلة سرت أو تسري هدنة طويلة الأمد دون أي إقرار من طرفٍ لطرفٍ آخر بحق فيما يملكه بقوة أو غيرها، ودون اعتراف بسيادةٍ لمغتصب، وهي رد على من يقول إن أي اتفاق ضمن الموقف المطروح هو اعتراف ضمني أو حتمي بحق الاحتلال في أرض فلسطين.

 

الموقف أو المبادرة المطروحة لها ضمانات أو مستحيلات ثلاث، هي:

- أهداف محدَّدة ليس من ضمنها التنازل عن الحقوق أو مصادرة حق الأجيال في وطننا وحقوقنا، أي تكبيل واضح لمن يفكر بالتفاوض.

 

- آليات واضحة لإقرارها في حال تم التوصل إلى ما سبق من الصعوبة بمكان توفُّرها (مجلس وطني منتخب أو استفتاء يشمل الجميع)، وشعبنا لا يمكن أن يقبل أي تفريط في حقوقه غير المعروضة أصلاً للاستفتاء؛ لأن هذا مرفوض جملةً وتفصيلاً.

 

- توافق وطني يسبق كل ذلك، وهو ما لن يحدث إلى أن يستقلَّ فريق أوسلو بقراره، وإن حدث فسيكون ضمانة حقيقية وسط إجماع وطني فلسطيني.

 

أما الضمانة الأهم فهي الرفض الحتمي للاحتلال لهذه المبادرة، الاحتلال الذي حصل على كل شيء في أوسلو ومن فريق أوسلو، ولم يقدِّم أي مقابل، بل يزداد همجية وعنجهية وإذلالاً لفريق أوسلو، فهل لنا أن نتصوَّر أن يقبل بإزالة المستوطنات غير الشرعية وإعادة القدس المحتلة وعودة ملايين اللاجئين لمدنهم وقراهم وبلداتهم الأصلية، سيادة فلسطينية كاملة على أراضي عام 1967، دون اعترافٍ يحصل عليه في المقابل.

 

الرد على المبادرة وتجديد الموقف القديم جاء سريعًا من خلال تشديد الحصار والإجراءات الإجرامية على قطاع غزة، ورفض صريح من قِبل الاحتلال لهذا الموقف، ومحاولات بائسة من قِبل صحيفتي (معاريف) و(هآرتس) بالأمس، للإيحاء بوجود خلافات بين حماس الداخل والخارج وبين الجناح السياسي والعسكري في غزة، وغيرها من التسميات التي تعتمدها الصحف العبرية.

 

موقف حركة حماس لم يتغيَّر، والضجة المفتعلة مقصودة، ولكن نقولها بوضوح: إن أي طرف مهما كان يحاول التنازل أو التلاعب بحقوق وثوابت شعبنا، سيواجَه بكل قوة من أبناء شعبنا، وأنا أولهم، بل ستكون المواجهة أكثر شراسة إن أسقطت حماس الراية لا سمح الله؛ لأنه لا مهادنة مع من يتنازل أو يفرِّط، وحقوقنا ليست للبيع أو العرض في مزادات أو استفتاءات أو غيرها، وهذا لا فصال فيه ولا تراجع عنه؛ لأن الوطن والأرض والحقوق أكبر منا جميعًا.

----------

* DrHamami@Hotmail.com