هل حماس بهذا السوء الذي ترسمه بعض الأقلام المصرية بالذات؟! وهل هي تخطِّط لغزو مصر؟!، وأننا يجب أن نأمن "إسرائيل" ونحذر الفلسطينيين؛ وبذلك أصبح الأمن القومي المصري مهدَّدًا منهم وليس من "إسرائيل" التي أصبحت صديقًا مخلصًا وحليفًا ضد هذه الأقوام "المتبربرة" والذين يهدِّدون حدودنا ويعتدون على حرماتنا ويهاجمون جنودنا وينسفون أسوارنا؟!.

 

ٍهذه الصورة يردِّدها بإلحاحٍ عددٌ من الكتَّاب المصريين، كما نذرت بعض الصحف القومية الكبرى في مصر نفسها للتبشير بالعدو الجديد لنا وللعالم الحر بعد انتهاء العداء للإسلام وهزيمته والقضاء عليه في أعقاب هزيمة النظم الشيوعية، فلم يبقَ سوى التحالف للقضاء على حماس العدو العالمي الجديد.

 

وعندما قرأت هذه المقالات المتواترة ظننت أنني أقرأ صحفًا "إسرائيلية"، وظننت في البداية أيضًا أنَّ هؤلاء علمانيون يقفون ضد أي تيارٍ إسلامي امتدادًا لحربهم للإخوان المسلمين وتحريضهم السلطة على المنتسبين إليها، وكأنهم غزاة أجانب يتوجَّب الاستنفار ضدهم.

 

فلمَّا ازداد الإلحاح رأيت أن أبحث القضية بالجدية الواجبة وأن أعثر على مواطن الخطر في حماس، فإن ثبت لي أنها خطر على مصر فأنا أول من يتصدَّى لها بحق, هي أو غيرها، ولكن هؤلاء لم يوضِّحوا لنا ما هي جوانب الخطورة في حماس، ويبدو أن نفس الإلحاح قد دفع بعض كبار المسئولين في مصر إلى التحذير من اقتحام الحدود المصرية.

 

وقد تبيَّن لي أن هناك شعورًا عامًّا بين بعض كتَّابنا ومسئولينا، خاصةً أولئك الذين يرون أن "إسرائيل" حليفٌ بريءٌ من أي إضرار بمصر يلتقي مع مخطَّط أبو مازن الذي مهما كان القول في وطنيته إلا أنني لا أقبل منه أن يتآمر مع حكومته على المقاومة الشريفة التي هي سبب بقاء القضية حيةً رغم مكائده، ولا أقبل منه أن يلف العالم لكي يستنكر ما أسماه مؤامرة حماس على مصر ويحرِّض مصر ضد حماس، ولكن ذلك ليس غريبًا عليه وهو الذى التقطته عينا الصقر عند كونداليزا رايس باعتباره الزعيم الأمثل لمرحلة السقوط.

 

ولكن عندما حذَّرت حماس من أن مخطَّط "إسرائيل" المتفق عليه مع أبو مازن وربما مع جهات أخرى الذى يقضي بخنق غزة حتى الموت سوف يؤدي تلقائيًّا إلى الانفجار مرةً أخرى على الحدود المصرية باعتبارها الحدود الوحيدة غير "الإسرائيلية" بجوارهم.

 

لم يكن ذلك خيارًا ضمن خيارات؛ لأن الفلسطينيين ليس أمامهم سوى إما الموت في محرقة غزة، أو الفرار إلى حدود مصر المجاورة؛ وبذلك يكون معنى أن مصر لن تسمح بتكرار ما حدث بحاجةٍ إلى تفسير.. هل تصدُّهم مصر مرةً أخرى صوب غزة لاستكمال المحرقة أو المشاركة في قتل من فرَّ منهم من المحرقة؟!.

 

إني لأرجو أن يكون تصريح السيد وزير الخارجية في مصر حول عزم "إسرائيل" على استبعاد حماس من أية حكومة للوحدة الوطنية مجرَّد وجهة نظره في الأحداث وليس تعبيرًا عن أن مصر نفسها لا تريد أن تكون حماس في الحكومة الوطنية في الوقت الذي يتسابق فيه المسئولون "الإسرائيليون" بعد جولة الرئيس كارتر على التفاوض مع حماس.

 

إنني أربأ بأقلامٍ مصريةٍ أن يسجِّل لها التاريخ أنها ظنَّت الوطنية والدفاع عنها في غير مظانِّها، وهي تدرك أن حماس وغيرها من المنظَّمات الفدائية إنما تدافع عن مصر وأمنها القومي, وهي في نفس الوقت تدافع عن أرضها، بل يجب على مصر أن تدعم هذه المنظَّمات التي تقف ضد المشروع الصهيوني ومسيرته التي تهدِّد مصر قبل غيرها، ليس فقط في فلسطين ولكن في المنطقة بأسرها، فهل تفيق مصر ويفيق هؤلاء قبل الطوفان؟!.