أنا شاب عمري 23 سنة، حصلت على الثانوية العامة بمجموعٍ لا يؤهلني إلى كليتي المفضَّلة "الهندسة"؛ فالتحقت بمعهد صناعي يعطي بكالوريوس هندسة..

 

ولكني تعرَّضت لظروف صعبة تسبَّبت في استنفاد مرات الرسوب بالمعهد؛ فحُوِّلت إلى تعليم صناعي، ولكنني أرغب في ترك الدراسة التي لا أحبها، ولا أحد يعلم أنني تركت الهندسة، ولا أستطيع مواجهة المجتمع ولا أهلي، مهارتي في الكمبيوتر وأعمال النجارة شجعتني أن.. أرجو نصحكم؛ لأنني شبه مقبل على الانتحار.

 

* يجيب عن هذه الاستشارة د. سعد رياض، الاستشاري النفسي والتربوي في (إخوان أون لاين):

من الصفات الجيدة في الشخص أن يكون لديه طموح أو أهداف يسعى إلى تحقيقها، ولكن كل هدف أو كل طموح لا يأتي بالتمنِّي أو بأحلام اليقظة، وإنما يأتي بالجِدِّ والعمل الدائم والاجتهاد والأخذ بكل الأسباب التي تساعد على تحقيقه.

 

وليس كل ما يتمنَّاه الإنسان يتحقَّق، وكذلك ليس كل ما تهفو إليه نفسك يكون في صالحك؛ ولذلك إذا أخذت بالأسباب وفعلتَ ما عليك من واجبات، وقمتَ بما أنت مكلَّف به من أعمال، ولم يحالفك الحظ، فاعلم أن الإيمان بقدر الله تعالى أصبح واجبًا، ومن الممكن أن يكون في هذا الأمر خيرٌ لك وأنت لا تدري، أو يكون فيه ضرر أقل من ضرر آخر لو تحقَّق ما أردت.

 

وهنا وجب علينا إما الحمد والشكر على ما أنعم الله علينا ووفَّقنا إلى هدفنا، أو الصبر واحتساب ما قمت به من عمل لوجه الله تعالى فيعود عليك بالخير في الدنيا والآخرة.

 

وإذا نظرنا إلى حالتك نجد أنك شاب مجتهد، تجيد مهنةً تستطيع بها أن تكسب عيشك، وتجيد التعامل مع الحاسب الآلي، وهو لغة العصر الذي به تنمِّي مهاراتك وتزيد معارفك، وفي نفس الوقت تمتلك سيرةً طيبةً بين الناس، يعني بالرغم من قولك أنك تعيش ظروفًا صعبةً، إلا أنك تمتلك خيرًا كثيرًا لا يوجد عند الكثير غيرك، ولكن لأنك شاب طموح كنت تريد تحقيق حلمك بأن تحصل على شهادة تقول إنك مهندس، ومع العلم الواضح من كلامك بأن هذه الشهادة ليست من أهدافك وحدك ولكن هي للأسرة أو المحيطين بك، وبالتالي اختلطت عندك الأمور، وأصبحت تخاف من الناس، وتشغل تفكيرك ووقتك في كيف تخفي عنهم الحقيقة، وهذه الأحداث من عوامل شعورك بالحيرة والضيق والتوتر.

 

وبالتالي أنا ألومك على قولك: "أنا شبه مقبل على الانتحار"؛ لأنك لو نظرت إلى نفسك من الجوانب الإيجابية ستجد عندك من الخير الكثير، وإذا نظرت إلى نفسك من الجوانب السلبية أو ما لديك من نقص فلن تجد شيئًا في الكون يستحق هذه الكلمة التي قلتَها.

 

وابدأ الآن معي وحدِّد أهدافك في الحياة من جديد، ومن هذه الأهداف:

- أريد أن أكون ذا علم: وهذا سهل ما دمت تملك العقل ووسائل العلم والمعرفة، وهذا لديك ولا يحتاج إلى شهادة أو ورقة لتقول إني عالم.

 

- أريد أن أعمل وأكون محترفًا في عملي: وهذا ما لديك فعلاً، وكل ما عليك هو أن تقوم بتطوير نفسك وترجمة القدرات التي لديك إلى عمل مبتكر؛ فتجبر الآخرين على احترامك وتقديرك بأفضل الألقاب، وأقلها كلمة "مهندس".

 

- أريد أن أكون إنسانًا اجتماعيًّا يحبني الناس وأحبهم: وأفضل المعينات لاستمرار ذلك هو الصدق معهم مهما كانت الخسائر في البداية، وأعتقد أنك حقَّقت الجزء الأول من هذا الهدف وعليك بالنصف الآخر.

 

- أريد أن أشعر بتقديري لنفسي: فهذا يتوقَّف على مدى إنجازك في الحياة وتميُّزك عن غيرك، وهذا للعلم ليس مرتبطًا بشهادة أو مؤهل، ولكن مرتبط بمقدار ما تقدِّمه للآخرين من خدمات، ومدى احتياج الآخرين لك ولأعمالك.

 

- أريد أن أكون سعيدًا في الحياة: والسعادة ليست مرتبطةً بكثرة مال أو شهادة عالية، ولكن السعادة هي الرضا بما قسمه الله لك.

 

بالتالي.. أريدك أن تقف مع نفسك وقفة أخرى وتسعى إلى تصحيح ما لديك من أفكار خاطئة، وحاول مرةً ثالثة ورابعة السعي والصبر لتحقيق حلمك في الشهادة؛ ما دمت تعمل وتعيش مع أناس يحبونك وتحبهم، فهذه ثروة لا تُقدَّر بثمن، فلا تعكِّرْ صفوها بالكذب على من حولك، وكن صادقًا مع نفسك ومع الناس تعش سعيدًا، أما التوفيق والسداد فهو بأمر الله تعالى، وأسأل الله تعالى لك دوام التوفيق والسعادة.