د. حامد أنور

 

في خطاب مُفعَم بالعواطف الدينية والمشاعر الملتهبة؛ خرج علينا السيد بوش في الاحتفال بنكبة بني إسرائيل الستين، حينما عجَّلوا بنهايتهم، ووضعوا دولتهم أمام قاطرة العدالة المسرعة لتقيم القصاص العادل بلا مراءٍ في حق أناسٍ تبنَّوا كل الموبقات من أجل أوهامهم.. تنكَّروا لكل المعاني والمُثُل من أجل أحلامهم، ولكن الله مولى الذين آمنوا، والكافرين لا مولى لهم.

 

إن نُذُر النهاية منهم تقترب، وقوافل المجاهدين تحوم حول عرينهم.. إنها نكبتهم وليست نكبتنا؛ فقتلانا ليسوا سواءً.

 

وفي هذا الخطاب المتأجِّج قدَّم لنا بوش رؤيته للشرق الأوسط بعد ستين عامًا في مشهد خيالي بليغ؛ فقد حلَّق في عالم الأوهام، وأخذ يهذي بأحلامه: "القاهرة والرياض وبيروت وبغداد في علاقة الود والمحبة مع كيانٍ فاشيٍّ، يمتص رحيق المنطقة، ويبتلع ثروات أهلها، ويتعايشون مع خرافات بني إسرائيل".. أهي النبوة أيها المنقذ الضالّ?!

 

ومضى في غيِّه، فوصفنا الذي يتخبَّطه الشيطان من المسِّ بأننا الأشرار الظلاميون؛ إنه يخلط الحقيقة بالكذب.. يلبس الحق بالباطل.. يقلب كل المعايير.. يقول إن أبناء إبراهيم لا يفجِّرون أنفسهم؛ فأبناء إبراهيم الحليم الأوَّاه، كما يراهم هذا الأعمى، يقتلون الأطفال، ويسفكون الدماء، ويهدمون المساجد، ويستولون على الغاز الطبيعي وثرواتنا بثمن بخس؛ جنيهاتٍ معدودةً، وكان المسئولون لدينا فيه من الزاهدين!!.

 

هل نحن المحاصَرين الجائعين، الذين أنهكهم الداء وقلة الدواء، وتكالب عليهم الأعداء، الذين تآمر عليهم الجميع.. الأشرار، أم أن أولئك الذين نشروا الفقر في العالم، وحرموا الشعوب من مواردها وممتلكاتها هم الأبرار الأطهار؟! يا لتحريفكم!!.

 

أيها السيد بوش، ويا أيها المتعجِّلون لقضاء الرب.. ألا تسألون حكماءكم?! ألا تسألون الصادقين من "رجال الدين" لديكم، لتعلموا لمن ستكون الغلبة، ولمن سيكون الويل والثبور؟!

 

يا أيها السمَّاعون للكذب.. الأكَّالون للسحت.. الذين انتزعتم من الصدِّيقين أرضهم وحقوقهم ونسمات الأمل الرقيقة في خيالاتهم.. ألا ترجعون إلى أسفاركم "القائلين ليسرع ليعجل عمله؛ لكي نرى وليقرب ويأت مقصد قدوس إسرائيل لنعلم، ويل للقائلين للشرِّ خيرًا وللخير شرًّا، الجاعلين الظلام نورًا، والنور ظلامًا، الجاعلين الحلو مرًّا، والمرَّ حلوًا!!.. ويل للحكماء في أعين أنفسهم والفهماء عند ذواتهم؛ الذين يبرِّرون للشرِّير من أجل الرشوة، وأما حق الصدِّيقين فينزعونه منهم لذلك، كما يأكل لهيبُ النار القشَّ، ويهبط الحشيش الملتهب يكون أصلهم كالعفونة، ويصعد زهرهم كالغبار؛ لأنهم رذلوا شريعة رب الجنود، واستهانوا بقدوس إسرائيل من أجل ذلك غضب الرب على شعبه ومدَّ يده عليه، وضربه حتى ارتعدت الجبال وصارت جثثهم كالزبل في الأزقة مع كل هذا لم يرتد غضبه بل يده ممدودة بعد" (أشعياء: 5-19).

 

بني إسرائيل في نكبتكم الستين، وقبل أن يمتدَّ منجل الحصاد كي يحصد رءوسكم، وقبل أن يأتيَ لهيب النور كي يحرق أكبادكم.. ها نحن ندعوكم إلى العودة إلى ربكم.. ها نحن نقول لكم كما قال لكم ربك "ارجعوا إليَّ أرجعْ إليكم" (ملاخى 3-7) وكما أخبرنا ربنا ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ (الإسراء: من الآية 8) إنها أرجى آية في كتاب الله لكم، فلا تخربوا بيوتكم بأيديكم.

 

إن بوش يرى عند مواجهة قوى الظلام والشر أن الشعب الأمريكي سيعضِّد هذا الكيان الغاصب؛ يزيدهم قوةً إلى قوتهم، وعددًا إلى عددهم.. مسكين أنت يا بوش!! فبعد رجسة الخراب التي جلبتها إلى شعبك، والانهيار الاقتصادي والمعيشي غير المسبوق الذي حقَّقته في ولايتك، والذي سيجعلك تدخل التاريخ من أوسع أبوابه ومن أحطِّها؛ باب الحماقة التي أعيت من يداويها.. ما زلت تسوق شعبك إلى الهلاك!.

 

بوش.. لقد تحدث كتابك المقدس عنك، اسأل أيها الراحل غير مأسوف عليه مَن حولك؛ مرشديك الروحانيين؛ الذين يُوحون إليك، ألا تسألهم عن نفسك؟ عن فعلك؟ ماذا يقوله كتابكم عنك؟ فإن أبوا- وينبغي لهم أن يأبوا- فسأخبرك أنا: أنت يا سيد بوش من ورد ذكره في سفر "دانيال" و"دانيال" كلمة عبرية تعني قضاء الله، أنت من ورد وصفُك بملك الشر؛ ملك الشمال، الذي سيحارب في النهاية، ويأتي بمركبات وفرسان وسفن كثيرة، يأتي ويجلب الخراب إلى المنطقة، ويمد هيمنته وضغوطه على أراضي الشرق الأوسط، وأرض مصر من ظلمه لا تنجو، ويستولي على ثرواتها وكنوزها، وينصب فسطاطه بين البحور، ويبلغ نهايته ولا معين لديه.

 

لقد بلغت نهايتك يا بوش، وها أنت وحيد!! أين رامسفيلد؟ أين وولفويتز؟ أين قوات التحالف التي أتت معك؟! الجميع انفضَّ من حولك، "فيثور ملك الشمال بمركبات وبفرسان وبسفن كثيرة، ويدخل الأراضي، ويجرف ويطمو ويدخل إلى الأرض البهية؛ فيعثر كثيرون، وهؤلاء يفلتون من يده أدوم وموأب ورؤساء بني عمون، ويمد يده على كل الأراضي، وأرض مصر لا تنجو، ويتسلط على كنوز الذهب والفضة، وعلى كل نفائس مصر، واللوبيون والكوشيون عند خطواته، وتفزعه أخبار من الشرق ومن الشمال، فيخرج بغضب عظيم ليخرِّب وليحرم كثيرين، وينصب فسطاطه بين البحور وجبل بهاء القدس، ويبلغ نهايته ولا معين له (دانيال: 11-40) بنو عمون: الأردن، اللوبيون: أرض ليبيا، الكوشيون: الأحباش والإثيوبيون، والرجاء ملاحظة الأوضاع الجغرافية جيدًا، هل علمت مَن أنت يا ملك الشر، فلا تدَّعِ معرفتك بإله إبراهيم، لا ترتدِ مسوح الإيمان يا فارس جيوش الظلام!.

 

وأخيرًا.. كلمة:

إن أي دولة تقوم على إيديولوجية؛ فإذا انهارت الإيديولوجية انهارت تلك الدولة؛ فالاتحاد السوفيتي على سعته وضخامته حين سقطت إيديولوجيته تفتَّت إلى قطع متناثرة، أما إذا انهارت الدولة ولم تنهَر معها إيديولوجيتها فإنها ستعاود الظهور من جديد؛ فمثلاً الصومال رغم عدم وجود دولة؛ إلا أن هناك إيديولوجية قوية تدكُّ معاقل الخونة والمرتزقة الإثيوبيين وآلة الحرب الأمريكية الفاجرة، ويتضح الأمر كذلك في قصة الحاخام والضابط التي حكاها بوش في خطابه؛ حين قال الحاخام بعد غزو القدس: ها نحن بعد ثمانية عشر قرنًا تعود القدس إلينا؛ فلا بد أن نضرب الإيديولوجية، لا أن ننتظر العوامل الديموغرافية أن تخدمنا وهي لن تخدمنا.

 

إنهم، كما يقول بوش، ثلاثمائة وسبعة ملايين، أيها السادة، إنها حرب الأفكار، كما أنني أعترض على ما يدَّعيه البعض من المسألة اليهودية، وأن أوروبا أرادت أن تتخلَّص من اليهود فتلقيهم إلينا.

 

إن نصف مليون يهودي وقت إنشاء الكيان لن يكونوا عبئًا على قارة فقدت ستين مليونًا في حرب عالمية، كما أن ستة ملايين يهودي حاليًا لن يشكِّلوا مشكلةً لمليار أوروبي، فضلاً عن أن اليهود يمسكون بزمام الحياة السياسية والإعلامية والاقتصادية في أوروبا؛ لذلك فكل تلك الآراء أرفضها تمامًا.

-----------

* d.hamedanwar@yahoo.com