بعد أن دخل العالم مرحلةَ صراعٍ حضاريٍّ حقيقي وتم تدشين ذلك بصياغة مقولات "صدام الحضارات ونهاية التاريخ"، يمكن القول بأن الفترة القادمة سوف تشهد تعاظمَ الصراع من خلال الاتصالات الثقافية على الصعيدَين الوطني والدولي بين الساعين إلى وضع حدٍّ للهيمنة والذين يريدون الإبقاء عليها.
وقد اهتم المثقف العربي كثيرًا بهذه القضية، وبات غارقًا في البحث عند موطئ قدمه بين الأمواج العالمية المتلاطمة التي تحمل معها الأفكار والسياسات والثقافة وغيرها.
وربما يكون القارئ العربي قد تعرَّف على الإسهامات العلمية والنقدية للمفكِّر الأمريكي هربرت شيلر المناهض للهيمنة الإعلامية والثقافية التي تخطِّط لها الولايات المتحدة على العالم الثالث منذ صدور كتاب "المتلاعبون بالعقول" للمؤلف عن سلسلة عالم المعرفة.
وضمن مشروع مكتبة الأسرة صدر له مؤخرًا كتاب بعنوان "الاتصال والهيمنة الثقافية" يُركِّز فيه على البُعد الثقافي لعملية الهيمنة، آخذًا في الاعتبار الأبعاد السياسية والاقتصادية الأخرى، ويُوجِّه نقدًا قويًّا للأوضاع الإعلامية والثقافية على المستوى الدولي التي تدعمها الولايات المتحدة الأمريكية بما لها من نفوذٍ قويٍّ تسعى من خلاله إلى السيطرة الثقافية والهيمنة الإعلامية بهدف إحداثِ نوعٍ من التبعية الفكرية لها بحيث يصبح النموذج الأمريكي مصدر المعرفة الذي يسعى المثقفون من أبناء الدول النامية إلى تقليده وتبنِّي أفكاره ورؤاه دون وعي لما يمثله هذا النموذج من خطرٍ داهمٍ من حاضر بلادهم ومستقبلها.
وفي هذا الكتاب تلتقي أفكار شيلر مع العديد من الكُتَّاب في الشرق والغرب الذين كشفوا في كتاباتهم عن مخاطر محاولة دول الشمال الكبرى للهيمنة على دول الجنوب عبر إمكاناتها التكنولوجية والإعلامية.
ويطرح الكتاب قضيةَ الهيمنة الثقافية من حيث منابعها وسياقها وأساليبها؛ حيث يؤكد الدور الأمريكي في هذه الهيمنة من خلال وكالة التنمية الدولية والشركات متعددة الجنسية التي تعمل على تقديم الأموال والخبرات اللازمة لدعم البحوث والمراكز العلمية والتعليمية في بلدان العالم الثالث، والتي تخدم في النهاية الأغراض الأمريكية وتحقِّق لها أكبر قدرٍ من المصالح والمكاسب؛ وذلك من خلال خلق كوادر علمية من أبناء هذه البلدان يكون ولاؤهم للولايات المتحدة أكثر من ولائهم لبلادهم، وربط النظام التعليمي في هذه البلدان بالنظام المتبع في الولايات المتحدة وسحق المفكرين والقادة الوطنيين في الدول النامية الذين يسعون إلى الخروج من دوائر الهيمنة الأمريكية لما يمثلونه من "خطرٍ" على المصالح الغربية في تلك الدول.
اتهامات
ويشير المؤلف إلى أن هناك قاسمًا مشتركًا للحملات الإعلامية التي يتم توجيهها ضد الأنظمة السياسية التي لا تقدم الولاء والطاعة للنظام الأمريكي، والتي تجتهد للخروج من دائرة الهيمنة بكافةِ أشكالها، وبالتالي فإنه يتم تشويه صورة هذه الأنظمة بتوجيه الاتهامات التالية إليها:
- أنها أنظمة غير ديمقراطية.
- أنها تنتهك حقوق الإنسان.
- أنها تشجِّع الإرهاب.
- أنها تُهدِّد السلام الدولي بترسانتها العسكرية وسعيها إلى السلاح النووي.
ويؤكد المؤلف أن الإعلام الأمريكي هو الذي يصنع مثل هذه المقولات ويُروِّج لها ويلصقها بالمعارضين للهيمنة الأمريكية، بالإضافةِ إلى أنه يملك من قوةِ الضغط السياسي والاقتصادي والإعلامي ما يُمكِّنه من العمل على محاولةِ ترسيخ هذه المفاهيم لدى الكثير من حكومات العالم؛ وبذلك تقوم مثل هذه الحروب الإعلامية بالتمهيد والتعبئة للرأي العام العالمي لما يمكن اتخاذه من إجراءاتٍ عسكريةٍ ضد هذا النظام أو ذاك.
المعلومات والغزو الثقافي
ويوضح المؤلف كيف يمكن أن يكون لها وسائلها الإعلامية وطرقها الاتصالية المهيمنة التي تسعى من خلالها إلى تحقيق الغزو الثقافي الكامل للعالم الثالث؛ ومن ذلك قضية حرية تدفق المعلومات؛ حيث يمكن من خلالها تحقيق الغزو الثقافي.
وكذلك الدَّور الذي تلعبه وكالات الأنباء العالمية والشركات متعددة الجنسية ووكالات الإعلان الأمريكية في بسط هذه الهيمنة على الدول النامية، سواءٌ أكانت في المجال التكنولوجي المرتبط بأجهزة الإعلام أم في المجال الثقافي والإعلامي أو الأكاديمي؛ حيث توجيه البحوث الإعلامية الوجهة التي تخدم الأغراض الأمريكية بدلاً من التوجه إلى الدراسات النقدية التي تكشف الهيمنة الأمريكية في تلك المجالات.