السؤال الذي طرحتْه بشدة مناسبةُ مرور ستين عامًا على إنشاء "إسرائيل" هو هل تفنى "إسرائيل" حقًّا خلال عقد أو عقود؟ وما هو مبرر التفكير في ذلك؟، بعبارة أخرى: هل "إسرائيل" التي نشأت نشأةً غير طبيعيةٍ وفي ظروف غير طبيعية، وتنتهج مشروعًا غير طبيعي وتبتكر لنفسها حججًا للبقاء والنشأة غير مألوفة، وتسبَّبت في كل مآسي العالم العربي واستنزفت طاقاته الهائلة يمكن أن تظل طويلاً رغم كل ذلك وهي تسبح ضد التيار؟!.
هذا سؤال علمي لا علاقة له بنبوءة بعض المفكرين وتمنِّيات بعض السياسيين ونظرية أحمدي نجاد, ولكن هذه الفكرة- أي "إسرائيل" كدولة مؤقتة- تطغى فيها عوامل الفناء على عوامل ودواعي البقاء الصارخة رافقت "إسرائيل" منذ قيامها، بل وتشكَّك فيها بنائها الأوائل, وكان الغريب هو أن تذهل المنطقة هؤلاء جميعًا بالسماح لأحلامٍ أن تتحقَّق، وأن يكون جسد المنطقة أوهن من أن يذب هذا القادم الغريب مهما كانت حججه وأساطيره، وإذا كان العالم كله- وفي المقدمة سكان "إسرائيل"- يدركون أنهم في رحلةٍ قد تطول أو تقصر بعمر الأفراد والأمم، فلماذا قَبِل العالم العربي هذا الكيان الغاضب واعترف العرب بـ"إسرائيل" إذا استوفت شروطًا معينة وأنكر الجميع على بعض الشرائح الفلسطينية أن تتمسَّك باسترداد فلسطين التاريخية، وأن يظل الكيان الصهيوني هو التسمية الأثيرة لدى كثيرين؟!.
ظلت هذه الأسئلة تلح على فكري طوال العقود الماضية، ولكني أعترف أن خطاب الرئيس بوش في الكنيست "الإسرائيلي" وغَزَله بهذا الشكل في شعب الله المختار قد حدَّد جوهر المشكلة التي يعاني منها هذا الشعب المختار.
لن أناقش مدى صحة أنه مختار لكي يُعذَّب أم أنه مختار لكي يترفَّع على خالقه ويمنَّ عليه بوجوده, وبغيرها من الخرافات الدينية في هذا الباب, ولكن في عالم السياسات تلح ثلاث قضايا مهمة: القضية الأولى هي أن فكرة الشعب المختار عند اليهود- وتعني أنه مُميَّز بخصائصَ حباه الله بها وأنكرها على غيره- رغم أنها فكرة خرافية لا تصدقها الكتب السماوية الصحيحة, إلا أنها ألحَّت على اليهود عبر العصور، وكانت هي اللبنة التي تلقَّفتها الحركة الصهيونية التي ركَّزت على مثالية الشعب اليهودي الذي عاش في بيئاتٍ غير مثالية واختلط بشعوب عادية حنقت عليه وأذاقته الهوان، فكان الاندماج في هذه الشعوب مستحيلاً، والحل هو أن يتجمَّع هذا الشعب المختار، وعدده لا يجاوز 13 مليونًا، في مكان مختارٍ اختيارًا سياسيًّا دقيقًا يخدم هذه الفكرة كما يخدم مصلحة القائمين على تنفيذها في زرع سرطان في قلب العالم العربي، وفي منطقةٍ دقيقةٍ تمنع تواصل أهم مفاصله، وهي سوريا ومصر والعراق؛ فالفكرة عبقرية، واختيار مكان تنفيذها كان عبقريًّا، فضلاً عما تم حشده لها من أساطير ومقومات سياسية فائقة تليق بهذا المشروع التاريخي.. فماذا حقَّق الشعب المختار لنفسه ولغيره خلال العقود الستة التي قضاها في المنطقة؟!.
يرى الرئيس بوش أن الشعب المختار عندما أنشأ الدولة بنضاله ضد الشعب المغضوب عليه- وهو الشعب الغاصب لأرض الشعب المختار- كان أكبر من مجرد إنشاء دولة جديدة, ولأنه شعب مختار فقد كان تجسيدًا لوعد إبراهيم وموسى وداود بأن يخصِّص له هذه الأرض (أرض إسرائيل), وكان على الشعب المختار أن ينظفها من غاصبيها بكل فنون الإبادة التي وجَّهتهم أساطيرهم إليها؛ ولذلك اعترف الرئيس ترومان بالوليد المختار بعد ولادته بإحدى عشرة دقيقة فقط, وكان ينتظر ولادته المباركة على أحرِّ من الجمر؛ لأن استرداد الوليد لإرث آبائه وأجداده هو حق طبيعي- على حد تعبير الرئيس بوش- ما دام هذا هو وعد الله وأنبيائه الكرام، أي أن بوش يريد أن يقول إن هذا الوليد مشيئة إلهية، وأي اعتراض عليها أو مقاومتها خطيئة دينية, وهو قول ليس غريبًا ما دام بوش نفسه قد أكد أنه مبعوث العناية الإلهية لنشر الخير ومحاربة الشر والأشرار.
ويقول بوش إن هذا الشعب المختار قد واصل جهاده لإقامة مجتمع ديمقراطي قائم على حب الحرية والانحياز للعدل واحترام الكرامة الإنسانية, وكلها قيم أنبياء الله الذين وعدوا الشعب المختار.. فماذا حقَّق الشعب المختار؟!.
يقول بوش إن الشعب المختار أنشأ الجامعات والتكنولوجيا والإبداع، وهي بضاعته، وهي أثمن من الذهب والنفط في مقارنةٍ واضحةٍ بين ثروات الشعب المختار الذي استعاد أرض أجداده الخاوية من أية ثروة أو ميزة, ولكن موهبته أثمن من ثروات العرب التي وجدوها في أرضهم دون عناء.
وقال بوش إنه من العار على الأمم المتحدة أن تدين ممارسات "إسرائيل" في مجال حقوق الإنسان؛ لأن "إسرائيل" أكثر الأمم ديمقراطيةً وحريةً، وأكد أن الصراع في فلسطين هو صراعٌ بين الخير الذي يرفع لواءه الشعب المختار, وبين الشر الذي يمثِّله الشعب المغضوب عليه بالطبع, وأنه يؤمن بحق هذا الشعب المختار بالعيش الكريم المسالم، ومن الواضح طبعًا أن العلاقة بين الخير والشر في فلسطين علاقة صفرية, ولا يمكن أن يجتمعا أو يتعايشا.
وزاد هذا المعنى وضوحًا بقوله "إنه صراع أيديولوجي بين المدافعين عن العدل والكرامة بقوة المنطق والحقيقة ضد المدافعين عن القسوة والقتل والخوف ونشر الأكاذيب؛ ولذلك فَهُم يضمرون الكراهية لأشد المدافعين عن الحرية، وهم "الإسرائيليون" والأمريكيون".
وقد انضم وزير خارجية بريطانيا وغيره إلى الرئيس بوش في الإشادة بالشعب المختار والشعور بالاعتزاز بأن بلدَيهما ساهمت في أن يحقِّق هذا الشعبُ رسالتَه.
أما في العالم العربي, فنحن نرى أن مشروعًا استعماريًّا استيطانيًّا قد تم تصميمه بين دعاة الصهيونية والحركة الاستعمارية، واختار أرض فلسطين لأسبابٍ إستراتيجية بما يحقِّق أهداف الصهيونية والاستعمار معًا.
ونرى أن "إسرائيل" سرطان دمَّر المنطقة وجعل حياتها جحيمًا، وأدخلها في دوامة الصراعات، وأدخل فيها كلَّ فنون الإبادة والغصب والمتاجرة باسم الإنجيل والتوراة وتشويه الإسلام وأتباعه في معركةٍ انتصر فيها القوي على الضعيف، ويهزم فيها الباطلُ الحقَّ، واقتُلِعَ فيها شعبٌ من أرضه بكل طرق الإبادة، وتُقلَب فيها الحقائق.
معنى ذلك أن قبول "إسرائيل" سببه الخضوع والانكسار وليس الاقتناع، وأن بقاء هذا الحل فعلاً رهن باستمرار القوة وأساليب البطش, ولكن البطش لا يُنشِئ واقعًا دائمًا ما دام أبناء المنطقة يرفضون هذا الجسم الغريب السرطاني, وأنه إلى زوال.
ولكني أرى رأيًا موازيًا, وهو أن الشعب المختار الذي ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وطاردته شعوب الأرض، سيظل يطارد، خاصةً في المنطقة العربية التي استوعبت في تربتها عشرات الموجات الغازية عبر السنين؛ فهو شعب مختار مثالي في منطقة غير مثالية, وأظن أن رجال الدين عندهم لا يزالون يفسرون مظلوميتهم الدائمة بما يرتكبونه من آثام، وهو التقصير وفق معيارهم في إذلال وإفناء أعدائهم.
إننا لم نَجْنِ سوى الدمار للمنطقة، ولم يسهم الشعب المختار في خيرٍ المنطقة، ولم تشفع كل فضائله في تحويل شقاء المنطقة إلى نعيم الديمقراطية والرخاء، ولم تفلح عبقريته في أن تجعل الحياة أفضل له ولغيره.
وهناك حلان: إما أن يتم توطين الشعب المختار النقي في الفضاء الأمريكي الذي تم طرد سكانه الأصليين, فينضم الشعب المختار اليهودي إلى الشعب المختار الأمريكي التي تلوَّثت أيديهم بدماء أصحاب الحقوق, وإما أن يُعقَد مؤتمر دولي لدراسة ما فعل الشعب المختار في المنطقة والعالم، والنظر في سجلِّ جرائمه التي أظن أن اختياره قد تم بمعرفة الشيطان، وسبحان الله أن يختار أحدًا من عباده ليرتكب كل الجرائم في حق بقية عباده.