لم تكسر العقود الست من عمر النكبة الفلسطينية إرادة الشعب الفلسطيني الذي لم تلن له قناة في العمل الجاد لاسترداد حقوقه المغتصبة من فم التمساح، في مواجهة غير عادلة بين رابع أقوى دولة في العالم من الناحية العسكرية، وشعب أعزل لا يملك من السلاح سوى الشيء اليسير، فعجلت إرادته تلك في تقزيم قوة الصهاينة "عسكريًّا"، والاستعجال في زوالهم "عمريًّا".

 

ما ميز الإدارة الفلسطينية هو استمرارها وتعاظمها مع كل سنة جديدة تذكرنا بالنكبة، كما يميزها حرص اللاجئ الفلسطيني على أن تبقى قضية لجوئه حيةً ومستيقظةً في ذهنه، على الرغم مما حملته العقود الست من مآسٍ وأحزانٍ، لكن القضية في المقابل هي قضية وطن وأرض وتاريخ، وليس من السهولة بحال أن ينسى الإنسان ما رضعه في الصغر وتربى عليه في الصبا، وعاشه واقعًا في الكبر.

 

في المقابل فإن العدو الصهيوني يحاول جاهدًا وبكل السبل الممكنة وغير الممكنة أن يدمر هذا الإرث القابع في عقول وقلوب هؤلاء اللاجئين، كما يسعى جاهدًا لمحو صورة العجوز اللاجئ الذي شُرد من أرضه قسرًا وظلمًا، لأن في صورته وقودًا لا يهدأ يدفع أحفاده من بعده، للبحث عن وطنهم المفقود، ولأن في هذه الروح الوثابة تحطيمًا لروح عدونا المعنوية، وذلك كلما ابتعدت بنا ذكريات النكبة وطالت، فالقضية هنا عكسية، بمعنى أنه كلما ازدادت ذكرى النكبة وطالت، تمسك اللاجئ بأرضه ووطنه.

 

لقد بات الخامس عشر من مايو من كل عام يومًا وطنيًّا يتطلع فيه اللاجئ بعيونٍ تملؤها الأمل بعودةٍ قريبةٍ، وتوارد السنوات على هذه الذكرى الأليمة يحمل في طياته رسالةً متجددةً للعالم أجمع بعدالة قضيتنا، وبالتالي فإن تعدد الفعاليات المذكرة بنكبة الشعب الفلسطيني لا سيما في هذا العام، أوجد شعورًا من الإحباط والغضب لدى الأعداء في الطريقة التي تعاطى معها اللاجئون، مما ولَّد شعورًا آخر بأن قضية اللاجئين الفلسطينيين عصيةٌ على الكسر.

 

ستون عامًا على النكبة الفلسطينية، ولم تقدمنا التسوية السلمية للقضية الفلسطينية خطوة واحدة إلى الأمام، فضلاً عن أنها أعادتنا خطوات وخطوات إلى الخلف؛ ففي الوقت الذي أقرت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة بحق الشعب الفلسطيني الكامل بالعودة إلى ديارهم التي هجروا منها، ومن ثم التعويض، فإن اتفاقية أوسلو وقفت حجر عثرة في وجه هذا الحق مع تسليمنا بعدم جدية كلا الطرفين في العمل الجاد لعودة اللاجئين إلى ديارهم.

 

في المقابل فقد أطلق الرئيس الأمريكي جورج بوش رصاصة الرحمة على طريق التسوية السلمية مع الكيان الصهيوني، وذلك في خطابه التوراتي في الكنيست الصهيوني، على الرغم من تعويل "أبو مازن" على الشهور السبعة المتبقية لبوش في رئاسة أمريكا، إلا أن جميع تأملاته وفريقه المفاوض باءت بالفشل، لتدخلنا المفاوضات في طريق مسدودٍ ومظلمٍ لا نهاية له!.

 

يأتي هذا في الوقت الذي اعتبر فيه نواب الكونجرس الأمريكي أن تعريف لاجئ ينطبق على اليهود الذين فروا من اضطهاد الأنظمة العربية، وأكدوا (أنه لا يمكن التوصل إلى سلام شامل بين العرب و(إسرائيل) دون التعامل مع قضية اجتثاث التجمعات اليهودية التي تعود لقرون في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ودول الخليج، وأنه من غير اللائق أن تعترف واشنطن بحقوق اللاجئين الفلسطينيين من دون الاعتراف بحقوق مساوية للاجئين اليهود من الدول العربية)!.

 

حلت الذكرى الستون للنكبة الفلسطينية هذا العام، وجزء من الشعب الفلسطيني- في قطاع غزة- يقبع في ظل حصارٍ مظلمٍ منذ عام، كما وتأتي الذكرى الستون للنكبة الفلسطينية في الوقت الذي تتعاظم فيه روح المقاومة لدى الفلسطينيين مقابل فشل جهود التسوية، كما وتأتي ستينية النكبة وسط حديث كبير عن قرب زوال الكيان الصهيوني من الوجود؛ إذ لا يعقل أن يتوارث اللاجئون الفلسطينيون قضيتهم جيلاً عن جيل ويهزم!!.