ظهرت الرواية الأكاديمية في منتصف القرن العشرين ويرجع الفضل إلى اكتشاف هذا النوع الأدبي إلى "كنجسلي أمس" kingsley amis بعد نشر روايته "جيم المحظوظ" lucky jim، وتعالج الروايات الأكاديمية ما يحدث داخل الحرم الجامعي من صراع من أجل المناصب الإدارية والمنازعات الشخصية والسرقات العلمية بالإضافة إلى المشاكل الاقتصادية، والاجتماعية والسياسية التي يعاني منها الأساتذة الجامعيون. ولقد تعدت الرواية الأكاديمية قضايا الجامعة ومن ثم ناقشت الأطروحات والمشاكل التي يعاني منها المجتمع عامةً والفرد خاصةً.

 

لقد حققت الرواية الأكاديمية نجاحًا باهرًا، حيث تلعب الحبكة والشخصية بالإضافة إلى أساليب السرد المتميزة والبصيرة النافذة دورًا حيويًّا في معالجة القضايا التي يعاني منها الفرد، وتعتمد هذه الروايات على شخصيات من الأساتذة الجامعيين الذين ينتقلون من مكان إلى آخر سعيًا وراء الشهرة الأدبية أو غايات أخرى.

 

تناقش الرواية الأكاديمية العديد من القضايا النقدية اعتمادًا على أساليب سرد جذابة وصياغة مباشرة أو غير مباشرة، ولعل هذا كان من وراء نجاح هذا النوع الأدبي الحديث، وبالنسبة للقضايا الاجتماعية والسياسية فإن الرواية الأكاديمية قد عالجتها ولكن في إطار ضيق.

 

تتخذ الرواية الأكاديمية السخرية الخفيفة، وفي الوقت نفسه تتسم بالجدية لأنها تعالج أمورًا خاصةً بأساتذة الجامعات، كما تتعرض لجوانب الضعف الاجتماعي من أجل وضع الحلول المناسبة لها. تدعو الرواية الأكاديمية القراء مشاركة آراء الراوي وفلسفته. ومع أن هذا النوع الأدبي يستخدم التقنيات الأدبية الحديثة فإنه يجدد أساليب السرد التقليدية.

 

لقد شهد الحقل الأدبي في الستينيات والسبعينيات الآثار الإيجابية للنهضة التعليمية، فازداد عدد الحاصلين على المؤهلات العلمية، وخاصةً في الأدب الإنجليزي، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، ومن ثم اهتمت الرواية الأكاديمية بدراسة هذه النهضة من خلال فكر الإنسان وسلوكه وقدرته الفنية. هناك أمثلة عديدة لهذه الرواية: منها رواية "جم المحظوظ" لمؤلفها كنجسلي أمس (1922-1995) و"عالم صغير" small wrold) 1984) لديفيد لودج david lodge و"رجل التاريخ" hasty man(1975) لمالكولم برادبيري malcolm bradbury وفي العربية رواية "الأيام" لطه حسين، و"قرطبة" لرضوى عاشور و"الموت عشقًا" لعلي أبو المكارم و"الليالي" لطه وادي، و"الحب يأتي مصادفة" لحلمي القاعود وغيرها.

 

هناك فرق بين الرواية الأكاديمية الإنجليزية والرواية الأكاديمية الأمريكية، حيث تصور الأخيرة حالات الغضب التي يعيشها الإنسان، وعلاقة الفرد بالمجتمع الذي يعيش فيه، أما الأولى فتعنى بالأمور السياسية التي يمارسها أو تهم الأساتذة الأكاديميين.

 

خارج الجامعة

إن الرواية الأكاديمية لم تتوقف عند الأمور الخاصة بالحرم الجامعي فحسب، ولكنها تطرقت إلى القضايا الاجتماعية والسياسية والأدبية التي تؤثر على المجتمع بصفة عامة والمجال الأدبي بصفة خاصة، ولذا فقد تطرق الروائيون الأكاديميون إلى المجالات الأدبية كافة التي تعالج جميع القضايا.

 

والصفات التي تجعل الرواية الأكاديمية لونًا أدبيًّا فريدًا أربع صفات هي: البطل الساذج، والحبكة القوية، والنبرة الساخرة، والشخصيات الثانوية الكثيرة.

 

تلقي روايات ديفيد لودج الضوء على جامعة رومدج rummidge حيث تركز رواية "تغيير الأماكن" changing places(1975) ورواية "عالم صغير" على سوء فهم المجتمع للأكاديميين والمفاهيم الفكرية الشائكة عند الناس حولهم. بينما تكشف روايته "عمل دقيق" nice wrok(1988) عدم التفاعل بين الجامعة والمجتمع. إن هذه الروايات الثلاث تتميز بالطابع الأدبي الذي يكشف مفاهيم النظرية الأدبية ويؤكد استخدم أساليب السرد الموروثة في أدبنا الحديث. وتجدد رواية "عالم صغير" مفهوم الحج في العصور الوسطى وسعي الفرد لتحقيق ذاته.

 

أما روايته "عمل دقيق" فتعطي للشخصيات التي تتعرض للاغتراب نتيجة الظروف الداخلية والخارجية فرصة تشكيل قاعدة جديدة للتعامل مع المجتمع، أما رواية "تغيير الأماكن" فتنتقد النصوص الرتيبة للهوية القومية، سواءٌ الإنجليزية والأمريكية، وتجمع هذه الرواية بين كونها روايةً ونقدًا أدبيًا في الوقت نفسه.

 

وتجري أحداث الرواية عام 1969م؛ حيث يتبادل ذاب zapp وسوالو swallow أماكنهم في الجامعة، فيذهب الأول إلى جامعة رومدج التي فيها الآخر ويذهب هذا إلى الجامعة التي يعمل فيها الأول.

 

ويرى سوالو أن المستوى الاقتصادي للأمريكيين مرتفع ولكن حياتهم ليست أفضل من الحياة في إنجلترا، فالأمريكيون شعب أناني يسعى إلى تحقيق أهدافه بطرق لا يستسيغها سوالو، أما ذاب فيرى الحياة الإنجليزية كئيبة وفقيرة ورثة ولكن الروابط الأسرية ودفْ المشاعر الإنسانية وإحياء المبادئ الخلقية تميز واضح لهذا المجتمع.

 

وتظهر روايته "تغيير الأماكن" دور الأدب في مساندة الوعي الاجتماعي والقدرة على الفهم الدقيق المتعمق للقضايا العامة، وتمكين الفرد أن يكون رقيبًا على نفسه؛ ولذا استخدم ديفيد لودج أساليب سرد تدمج أشكالاً متعددةَ الاتصالات بين الفرد والمجتمع ومن أجل كشف نقاط الضعف وإصلاحها ويستخدم المؤلف أحيانًا المقالات الصحفية التي تقوم على الأكاذيب من أجل إظهار هشاشة الواقع.

 

ولقد انتقد الروائي والناقد الإنجليزي ملكوكم براد ببري (1932-2000) الحياة الجامعية في إنجلترا وأمريكا حيث تصور روايته "الناس والحرام" (1960م) المصاعب والمتاهات التي يعيشها البطل الليبرالي البريء من أجل تحقيق هويته في المجتمع ويتميز لودج عن برادبيري بالسخرية الحادة والكوميديات الخفيفة.

 

ويطبق برادبيري عددًا من الأساليب التي توضح صراع الفرد مع التاريخ في محاولة يائسة من أجل حفظ هويته. أولاً: الأساليب المتعلقة بأساسيات اللغة حيث تسخر لغة "سلكا"- لغة خيالية لدولة خيالية من نسج خيال المؤلف- من اللغة الإنجليزية بوصفها لغةً ثانيةً تستخدم في أوروبا الشرقية كما في السجلات والإعلانات.

 

ويركز برادبيري على غموض اللغة بسبب مفارقات سوء الفهم المتكرر والتلعثم والكلام المبطن. ثانيًا: التقليل من قيمة الشخصية التي تتحول أحيانًاً إلى مجرد صور كاريكاتورية.

 

أما روايته "رجل التاريخ" فتصور حياة رجل الاجتماع الراديكالي هورد كيرك howard kirk في جامعة وتر موث water mouth وتسخر من استبداله مجموعة من الأخلاقيات والالتزامات، وينتقل بطل الرواية كيرك عن طريق جامعته إلى محيط الواقع فيلقي المحاضرات ويشارك في الندوات العامة مما يحطم وظيفته وبراءته ويقلب استقراره تحت وهم العيش في التاريخ.

 

تتسم روايات برادبيري بالذكاء والكوميديات الخفيفة ومعالجة القضايا الفلسفية والأخلاقية الجادة. وتجمع روايته "رجل التاريخ" بين الذكاء الأكثر غموضًا والنبرة الساخرة وطبيعة الحياة الأكثر قلقًا وخطورةً والخاتمة اليائسة، وكذلك استخدام صيغة المضارع البسيط الذي يسجل الأحداث دون تحليلها أو التعليق عليها، ويظهر هذا الأسلوب مدى الخطر والتهديد الذي يعيشه الفرد.

 

ويعمل حلمي القاعود (مواليد البحيرة 1946) أستاذًا للنقد والبلاغة والأدب المقارن بكلية الأدب جامعة طنطا، ويكتب الكثير من المقالات والدراسات السياسية والاجتماعية والثقافية؛ التي تعالج نقاط الضعف في المجتمع وتقومها.

 

لقد كتب رواية واحدة بعنوان (الحب يأتي مصادفة) نشرتها دار الهلال- القاهرة- 1976، ومجموعة قصصية بعنوان (رائحة الحبيب) نشرتها مجلة الثقافة المصرية عام 1974، فضلاً عن مجموعة قصصية أخرى متفرقة في الصحف والمجلات لم يجمعها في كتاب واحد بعد. لقد استغرقته القضايا السياسية والأدبية، فتراجع اهتمامه بالجانب الإبداعي مؤقتًا (علمت أن لديه مشروعات روائية وقصصية عديدة ينتظر فرصة ليتفرغ لإنجازها).

 

وتعالج رواية "الحب يأتي مصادفة" حالات اليأس التي عاشها الشعب المصري عقب هزيمة 1967 والصراعات السياسية والاجتماعية والثقافية بعد حرب رمضان (أكتوبر 1973) ومدى تأثيرها على الأفراد والمجتمع من ناحية ومستقبل الأمة من ناحية أخرى.

 

كان الروائيون في القرن التاسع عشر ينظرون إلى الواقعية بوصفها تسجيلاً مباشرًا لأحداث الحياة، فالأدب عندهم مرآة تعكس صورة المجتمع، ولكن "واقعية" القاعود من نوع خاص، فالمؤلف لم يهتم في روايته بالقضايا اليومية التي يعانيها الشعب، بقدر ما اهتم بالفرد ودورة الرئيسي في المجتمع، وسعيه الدائب لتحقيق ذاته، وخاصةً بعد العبور، بالإضافة إلى المشكلات الثقافية، وتدهورها. تتجلى أيضًا واقعية المؤلف في طريقة الحوار وعرض الشخصيات والأحداث.

 

فالحوار يتسم بالوضوح والصراحة، بعيدًا عن الغموض والمداراة، وذلك لظرف المجتمع الذي يحتاج إلى التوجيه والإرشاد وإعادة البناء من جديد، والاستعداد لمواجهة ظروف المجتمع، وتزويد القارئ بالعديد من المعلومات عن أحداث الرواية. وبالنسبة للشخصيات، فإن الروائي واقعي مخلص في تصوير شخصياته، حيث يعطيها الحرية الكاملة للتعبير عن آرائها وأفكارها دون تدخل من المؤلف نفسه، فشخصيات الرواية واقعية حيث يقابلها القارئ في حياته اليومية، ولذا نجد تصرفاتها منطقية ومعقولة بالنسبة لطبيعتها الواقعية.

 

والقاعود روائي حريص- مع قلة إنتاجه- وغالبًا ما يعطي تلميحات في بداية الرواية بخصوص بعض الأمور المهمة التي ستحدث فيما بعد. وهذا يؤكد أيضًا واقعية الرواية لأن حدوث هذه التنبؤات لا تصيب القراء بالدهشة عند حدوثها. ويري "ثروت مكابد" أن هذا يظهر مدى أهمية عمل المبدع الموهوب، وكيف يستشعر بحسه صورة المستقبل دون أن يصرح بهذا، ودون أن يحس هو نفسه أنه يتنبأ بما سيجيء في الغد.

 

ويرى المؤلف أن روايته ليست سيرة ذاتية مباشرة، فيما يؤكد أن كل عمل أدبي سردي يحمل ملامح من السيرة الذاتية لمؤلفه بطريقة ما. ولعل من أبرز الظواهر الفنية البادية في تلك الرواية، استخدام المؤلف لضميري المتكلم والغائب حيث بدا ذلك واضحًا على لسان البطل (حامد الشيمي) حيث تبدو صيغة المتكلم الأكثر بروزًا في حديثه، على حين تبدو صيغة الغائب في سرد زملائه بعد رحيله. إن الشخصيات الثانوية كما يرى المؤلف مهمة لأنها توضح بعض القضايا المطروحة أو تكشف جوانب من الشخصية الرئيسة.

 

تزخر الروايات العربية بنماذج متعددة للرواية الأكاديمية ومنها: رضوى عاشور "أطياف"، رءوف عباس "مشيناها خطى". وتتناول هذه الدراسة إلقاء الضوء على السيرة الذاتية لكل من رضوى عاشور ورءوف عباس بالإضافة إلى توضيح الفرق بين أدب الاعتراف والسيرة الذاتية وكشف حال الجامعات المصرية وما آلت إليه من تدهور بعد أن كانت رائدة.

 

و يرى سلامة أحمد سلامة: "... وحين يصل الفساد إلى المؤسسة التي تتولى الارتقاء بعقل الأمة وزيادة قدراتها المعرفية وتنشئة أجيالها القادمة، فكل شيء يهون بعد ذلك. ويصبح تسرب الفساد إلى مجالات أخرى أمرًا طبيعيًّا لا يحرك ساكنًا ولا يهز جامدًا".

 

يرى د. شكري عياد أن أدب الاعتراف كتب على إثر خصومات عنيفة تعرض الكاتب أثناءها للنيل لا من سمعته الأدبية فحسب، بل من سمعته الشخصية أيضًا، ومن ثم يجد الكاتب نفسه معرضًا لما يشبه النفي الاجتماعي، فهو يعكف على نفسه في محاولة لأن يستعيد ثقته بالناس وثقة الناس به، هو إذن يناجي نفسه بصوت مسموع. وهو يفضي بأدق أسرار حياته لكي يحطم حاجز الشك، وهو يبدي حرصًا شديدًا على الوقائع الخارجية كي يبرئ نفسه من تهمة الميل إلى الشك، وهو ينبش في ذكريات طفولته ليطمئن القارئ ويطمئن هو نفسه، إلا أنه لا يختلف عنهم إلا في شيء واحد، وهو أن لديه القدرة والشجاعة على مواجهة نفسه، فهو يدافع عن نفسه، أما أدب السيرة الذاتية فيتهم نفسه ويحاسبها (47-8).

 

السيرة الذاتية

تزخر السيرة الذاتية لكل من رضوى عاشور "أطياف" ورءوف عباس "مشيناها خطى" بالكثير من الأمثلة والنماذج المتعددة من أجل تعرية الحياة الأكاديمية أمام الرأي العام بهدف الإصلاح والتوجيه وإبراء الذمة. تعالج هاتان الروايتان ما تعج به الجامعات المصرية من فساد إداري، مصالح شخصية، كيفية الإعلان عن الوظائف الشاغرة، العداء المستمر بين أعضاء هيئة التدريس، حصار على النشر والتوزيع، السرقات العلمية، طبيعة الحوار بين الأساتذة، كيفية إدارة الكلية وتدخل رجال الأمن في كل شيء، طبيعة العلاقة بين المدرس والطالب، كيفية الترقية والإعارة، ضيق قاعات الدروس، إلغاء انتخاب العميد، قرارات رؤساء الأقسام، وأخيرًا محاولات طرد بعض الأساتذة من الجامعة.

 

رضوى عاشور مولودة في القاهرة عام 1946، تشغل وظيفة أستاذ الأدب الإنجليزي في جامعة عين شمس، تنشر الرواية والقصة القصيرة، تكتب الدراسات النقدية، ولها ثلاثة كتب نقدية، ولها العديد من الدراسات في الأدب العربي الحديث والأدب الإنجليزي والأدب الأفريقي، والأدب الأفرو- أمريكي، ومن روايتها "خديجة وسوسن"، "سراج". لقد حققت ثلاثية غرناطة (غرناطة، مريمة، الرحيل) نجاحًا ملحوظًا، حيث نشرت في روايات الهلال، وفازت بجائزة أحسن كتاب. والمتابع لكتابات رضوى عاشور يدرك بشكل سريع اهتمامها باللغة والتاريخ على حد سواء، فعنوان ثلاثيتها لم يكن عنوانًا اعتباطيًّا، وإنما جاء نتيجة بحث وخبرة ووعي بالحدس التاريخي، وبأهمية لغة ثرية وغنية ومتفجرة مثل اللغة العربية.

 

تعتمد أطياف على المذكرات واليوميات والوقائع في بناء النص الروائي. وترى المؤلفة أن هناك أزمةً في الثقافة العربية بسبب عوامل الخوف والقيود وانعدام الحريات وحضور الرقيبين الخارجي والداخلي. ولم تتجاهل "أطياف" بعض الأمراض الاجتماعية مثل النفاق وحالات الغش المتكررة في الكلية لدرجة أن أصبحت النسبة مقلوبة، فالقاعدة هي الغش والملاحظون يقفون ناضورجية لكي ينبهوا الطلاب باقتراب أستاذ من الأكاديميين "الإنسان ضعيف بطبعه وحين نجد من هم أدنى منا في المستوى والجهد يحصلون على درجات أعلى نجد أن الغش هو القاعدة". (141). وتتساءل المؤلفة:

 

هل أصبح الفساد ملح الأرض؟ لماذا وجدت نفسها بعد أن غادرت القاعة تعفي طلابها من المسئولية؟، هل أعفتهم من المسئولية؟ هل تحبهم إلى حد التواطؤ على طريقة الأمهات، يصورون لأنفسهن أن الآخرين، دائمًا الآخرين، يقومون بإفساد أولادهم"(143).

 

وما يثير عجب رضوى عاشور موقف الجامعة من الطلبة الملتحين والطالبات المحجبات، حيث تحرمهم من حقهم الشرعي في التعيين وتحاول تغيير سلوكهم وتجنيدهم لصالحها: "قبل مجلس الكلية قالت لها زميلة محجبة: هل رأيت خليل؟" تحدثت معه في أمر الجلباب، أفهمته أنه من المستحيل أن تعينه الجامعة وهو يطلق لحيته ويرتدي جلبابًا وطاقية" (244). ولم تغفل الرواية الإشارة إلى قيمة البحث العلمي ونزاهة الأساتذة وخاصة الرسائل العلمية وكيفية الإشراف عليها، يتضح ذلك جليًا في موقف د. يوسف ود. سحر وحوارهما مع العميد بصدد المهازل الأكاديمية:

 

القضية واضحة زي الشمس يا سيادة العميد. تشكلت اللجنة لمناقشة الرسالة. وصلت الرسالة الممتحنين الخارجين، كلاهما وليس واحدًا منها، قالا للمشرف إن الرسالة لا تصلح. قالا ذلك شفهيًّا، ومنعًا للإحراج، وتقديرًا للزمالة. بدلاً من أن يعيد المشرف الرسالة للطالب ويطلب منه تعديلها، يأتي إلى مجلس الكلية ويقول إن الأستاذين اعتذرا لانشغالهما ويشكل لجنةً جديدةً تقبل الرسالة وتناقشها وتمنحها مرتبة الشرف الأولى. هل يعقل هذا؟ إلى أين تذهب الجامعة يا دكتور، إلى أين؟"(249).

 

لم يتحمل د. يوسف موقف العميد السلبي بصدد السرقات العلمية ومساهمته في تدمير الجامعة: ليست وجهة نظر، إننا نهدم الجامعة بأيدنا (250)... أستاذ سرق كتابًا لزميل راحل ونشره باسمه (251)... مجلس الكلية قتل د. يوسف. هذا ما لا يليق بالمجتمع الأكاديمي، لا يليق بأستاذ (253)... أرى النعش والمشيعين واعرف أنها الجامعة التي في النعش. كابوس أراه في الصحو وليس في المنام يا سيادة العميد (153). ومن غرائب العصر أن نجد أحد الأكاديميين المصرين يسرق كتابًا كاملاً لأحد الكتاب السعوديين: ألا يجب نصلي أربع تكبيرات على الجامعة المصرية وصلاة الغائب على د. يوسف؟

 

تلقي السيرة الذاتية لرءوف عباس الضوء على هجرة الكفاءة العلمية للخارج وأبرز مثال على ذلك حالة د. عزيز سوريال عطية الذي اقتلع من جامعة القاهرة، ونقل إلى جامعة الإسكندرية، ليلمع هناك ويكوِّن مجموعة من أبرز المتخصصين في العصور الوسطى فأثار على نفسه غيرة زملائه فسمموا الآبار أمامه، واضطر الرجل إلى الهجرة إلى أمريكا، وذاع صيته في الغرب، وكوَّن مدرسة كبيرة هناك. ويؤكد المؤلف أن حالة د. عزيز ليست حالةً فريدةً من نوعها، فتاريخ جامعة القاهرة مليء بنزيف الكفاءات العلمية بسبب فساد الجو الأكاديمي في تلك الجامعة العريقة (75).

 

ولد رءوف في 24 أغسطس 1939 في أحد مساكن عمال السكة الحديدية ببورسعيد. ويقول الدكتور رءوف عباس عن نشأته: إنه ولد لأسرة فقيرة شأنها شأن السواد الأعظم من المصريين عندئذ حيث كان والده عاملاً بالسكة الحديد يشغل أدنى درجات السلم الوظيفي الخاص بالعمال، وكان جده لأبيه عاملاً أيضًا بالسكة الحديد نزح من قريته جرجا من صعيد مصر، وعن والدته يقول إنها فتاة بورسعيدية من أصول دمياطية يعمل والدها "بمبوطي" يبيع صاحبها التذكارات الشرقية على ظهر قارب بجوار السفن عند دخولها القناة. انتهى رءوف عباس من دراسته الثانوية والتحق بكلية الآداب جامعة عين شمس ودرس مادة التاريخ بها، ويقول عن نفسه إنه كان يستعد جيدًا للمحاضرات قبل حضورها بقراءات مركزة في المراجع الهامة ويجهز أسئلته وبعدما يستمع للمحاضرة يبحث عن إجابة للتساؤلات التي لم تجب عليها المحاضرة أو يسأل الأستاذ رأيه فيما قدمه الآخرون من تفسير لبعض النقاط. كان الخريجون يعانون من البطالة حال تخرج رءوف عباس، فعمل في بعض الأعمال البسيطة حتى جاءه خطاب التعيين بشركة قطاع عام تنتج حامض الكبريتيك وسماد السوبر فوسفات استمر بالعمل بها لمدة 62 شهرًا ثم استقال منها، واستطاع خلال هذه الفترة أن يقترب من العمال واستثمرها في أن جعل رسالته للماجستير عن الحركة العمالية وتاريخ الحركة النقابية في مصر ونوفشت رسالته في نوفمبر 1966.

 

مشيناها خطي كتاب ثري بموضوعاته الساخنة، والتي تستحق أن يقف عندها كل من يهتم بوطنه ليتدارسها ويبحث ويتأمل في مواقفها وشخوصها، ويحصد نتائج لها أهميتها في تاريخ مصر الحديث. أحداث متلاحقة عاشها وسجلها عاشق التاريخ والمؤرخ والكاتب اليقظ المحب لوطنه الدكتور رءوف عباس.. فقد سجل تجربته الذاتية بكل ما فيها من إيجابيات وسلبيات ووراء كل أثر منها قصة تروى.. شهدها بعيني عابر سبيل تارة، وعيني رفيق الطريق تارة أخرى وكان بطل القصة تارة ثالثة، والسيرة مليئة بالأحداث فيها تعاريج وانحناءات أكثر مما فيها من الاستقامة والوضوح، ولم تكن تلك الطريق ممهدةً خاليةً من العثرات إلا نادرًا، كما لم يكن بين يديه دليل يحدد خطواته على تلك الطريق، فكان عليه أن يقطعها بما حباه الله من خصائص جمعت بين العناد والإصرار والصبر، فاقت في حجمها أحاسيس الإحباط والعجز وخيبة الأمل. فسيرته الذاتية كانت نتاجًا لتحولات مصر في النصف الثاني من القرن العشرين حكاية مصري عاش أحداث وطنه العربي آمالها وآلامها، ولم يكن مجرد مراقب لثورة يوليو بل كان من صنائعها وواحدًا من جماهيرها. وهو إذا يروي حكايته لا يتقيد إلا بما رآه وسمعه وعاشه، وكان شاهد عيان، دون مبالغة في وصف أو تزييف.. التزامًا منه بأمانة الكلمة مهما كانت دلالتها ومهما كان وقعها (مقدمة الناشر: الدار الوطنية الجديدة، 2006).

 

هل العمل في الجامعة يستحق الصبر والمثابرة؟ هل العطاء العلمي والكفاءة العلمية هما العيار الأساسي لتقييم الفرد؟ يعد البعض الكتب والمذكرات العلمية تجارة ووباء:
كان الأستاذ يعرف الطلاب في محاضرته الأولى مكونات المقرر، ويحدد ما يتولى تغطيته في المحاضرات، وما يتركه ليعده الطلبة بأنفسهم بالرجوع إلى قائمة المراجع التي يزودهم بها، فإذا لم يجدها الطالب في مكتبة الكلية كان عليه أن يبحث عنها في دار الكتب المصرية (78).

 

أما ما يحدث الآن مهزلة أخلاقية وسرقات علمية وفساد إداري بخصوص كيفية إعداد الكتب وتوزيعها بالإكراه على الطلبة ومصير من يعكف على شرائها. ويؤكد المؤلف أن كل أكاديمي يحلم بأن يجد لنفسه مكانًا بين أعضاء هيئة التدريس بالجامعة ظنًّا منه أنها المؤسسة المثلى في البلاد باعتبارها تضم صفوة عقول الأمة، وظنًّا منه أنها المؤسسة الوحيدة التي يحدد موقع الفرد فيها حسب قدراته العلمية، وأن العطاء العلمي هو معيار التقييم في الجامعة، فكانت تلك البداية لا تبشر بالخير (129). ويرى المؤلف نفسه الطريقة التي تدار بها أمور التعيين، وشعوره بخيبة الأمل والمرارة لأنه رأى في قضية التعيين لونًا من الفساد أخطر مما رآه في شركات القطاع العام (129).

 

لقد تردى مستوى الأداء بين أعضاء هيئة التدريس وتفككت الروابط الجامعية وتحولت الجامعة إلى سوق تجاري واختلت المعايير الأساسية بخصوص التقييم والترقيات، وانعكس الفساد المتفشي في المجتمع على الجامعة. وإذا تأملنا طبيعة الحوار والمناقشة بين الأساتذة الجامعيين لشابت الرأس ولوضعت الأم جنينها ولرأيت الناس في ذهول وضياع. إليك أيها القارئ بعض الأمثلة كما وردت في السيرة الذاتية للدكتور رءوف عباس:

1- يرد رئيس قسم التاريخ بخصوص التخلص من المعيد الذي لا يستطيع المضي قدمًا في طريق الدراسات العليا- والمعيد كطالب دراسات عليا مجرد خامة يستطيع الأستاذ الجاد أن يصنع منه باحثًا إذا توفر لديه الاستعداد-:
"دول ولاد كلب خسارة التعب معاهم" (205).

 

2- منع أحد الأساتذة من التدريس أشار رئيس الجامعة بشان السبب قائلاً:
"ده عامل قلق للدولة المصرية" فقال د. رءوف: هل رسب عنده أحد أبناء أو بنات مسئول في المخابرات؟ فرد الرئيس: "طب ما أنت عارف أهو... أنا قلت ما يدرس يعني ما يدرس" (262).

 

3- دار نقاش حاد ينم عن فساد الذمم وضياع البحث العلمي وصراع الأساتذة على الإشراف على الطلبة الخليجيين حيث تقدم أحد الطلبة لتسجيل درجة الدكتوراه من آل ثان (قطر) وعندما اعترض أحد المتخصصين على مشروع الدراسة، صرخ المشرف قائلاً:
"يكفينا أن سعادته اختار قسمنا للدراسة فيه... شرف كبير والله العظيم" (277).

 

4- لم يكن النقاش الذي يدور في المناخ العلمي في معهد اقتصاديات البلاد النامية في اليابان يتناول الوظائف وأعمال الامتحانات ونوادر الصراعات بين الأقسام كما كانت عليه حال آداب القاهرة حين تركها د. رءوف عباس، بل كان الحوار بين أولئك الباحثين من أمريكا وبريطانيا والبرازيل وتايلاند والهند يدور حول القضايا المنهجية والتنمية بمختلف أبعادها في العالم الثالث في ظروف الحرب الباردة (152).

 

هذا غيض من فيض عايشه كل من رضوى عاشور ورءوف عباس تحت قبة الجامعة التي ظناها مثالاً للنزاهة والنقاء خاليةً من الآفات التي يعانيها المجتمع. كانا يظنان أن الجامعة بيت الحكمة، والعقل المفكر الذي يرسم للأمة خطاها ولكنهما اكتشفا أنها وهم وخداع.

-------------

* كلية التربية- بورسعيد، drashrafzidan@hotmail. com