أتذكر الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات بعد عودته إلى فلسطين, وبعد أن بدأ يعمل على مأسسة النظام الفلسطيني ويرتب علاقاته الدولية والإقليمية, وفي آخر زيارةٍ له إلى واشنطن سبقتها لقاءاتٌ ثنائيةٌ "إسرائيلية" فلسطينية، وبمجرد أن أدرك خطورة ما طُلب منه في كامب ديفيد ورفض التوقيع على الإملاءات الأمريكية و"الإسرائيلية"، فجأةً وبدون مقدمات وقَّع السيد محمود عباس لإنقاذ الموقف على ما هو موجود ومطلوب.

 

ولعلها نفس اللحظة التي خافت فيها أمريكا و"إسرائيل" على مشروعها في فلسطين، ونفس اللحظة التي فكروا فيها إما بالتغيير أو بالتخلص من السيد ياسر عرفات حسب حديثٍ لشارون في وسائل الإعلام "الإسرائيلية"، ولعل نفس اللحظة كانت مقدمةً لمفاجآت عديدة ومتغيرات كثيرة على الساحة الفلسطينية، بمعنى مرحلة إعادة الحسابات من قِبل الكيان الصهيوني مع السلطة والشعب الفلسطيني، سبقت تفكيرَ وإعادةَ حسابات السيد ياسر عرفات رحمه الله.

 

فجأةً وبدون مقدمات وقع سخطٌ أمريكي و"إسرائيلي" على شخص الرئيس الراحل وسياساته وبـ(البراشوت) انقلبت الموازين, وأصبح من غير الممكن ومن سابع المستحيلات أن تبقى السلطة بدون رئيس وزراء, وفجأةً وبدون مقدمات ولا بدائل ولا نقاش المرشح الوحيد والذي يجب أن يكون هو السيد محمود عباس, ويعتلي العربة رقم واحد المجهَّزة في قطار الوصول إلى أعلى منصب, وهو الرئيس الفلسطيني.

 

رحمك الله يا قائد المسيرة يا عرفات؛ كلفتك فلسطين وفتح مسيرة العمر الطويل، وكل شيء وجهدًا وجهادًا ومقاومةً ومشروعًا، وأردت أن تريح جماهيرك وتنظيمك وسلطتك فلم تكلفهم شيئًا سوى خيمة عزاء ووداعًا وإلى اللقاء.

 

فجأةً وبدون مقدمات تدخل فلسطين أرقام جينيس في نزاهة الانتخابات التشريعية، وفجأة وبدون مقدمات وعلى عكس الحسابات فازت حماس بالأغلبية.. هناك ورطة.

 

وتكثَّفت اللقاءات العلنية والسرية الفلسطينية و"الإسرائيلية" والأمريكية للخروج من الورطة, وفجأةً وبدون مقدمات جاءت شروط الرباعية، فتحديناها معنا الشعب والديمقراطية والشرعية, ولكن واضح أن ذلك كله ليس له قيمة عندما يؤكد نفس الشروط رئيس السلطة الفلسطينية, وإلا فالحلُّ قادم حربًا أهليةً وحلَّ حكومة الوحدة الوطنية وتعينَ حكومةٍ لا شرعية ولا قانونية, ومن بقي على العهد مع المقاومة ومع حماس ويؤكد الشرعيّة، فالحصار وسياسة العقاب الجماعي والعزل يجب أن تكون للتبكير والتعجيل في الخلاص، وهو انتخابات رئاسية وتشريعية أو بكل السبل وبكل الطرق، المهم أن يبقى رئيس السلطة الفلسطينية يرعى المسيرة لمراقبة ما يجري في غزة ويتواصل مع الجميع، ولم يترك بابًا حتى طرقه، وبدأ بأمريكا وأوروبا.

 

واجتماعات مكثَّفة للمجلس الثوري واللجنة المركزية ومنظمة التحرير الفلسطينية.. المهم أن ينتهيَ الوضع في غزة وهو على جاهزية تامة أن يطبَّق عليها ما طبَّقه على الضفة الغربية، والمهم وحدة الشعب والوطن والقرار، ولكن مع القتلة والميليشيات السوداء والظلاميين لا الحوار.

 

وفجأةً وبدون مقدمات وبمرور عام على الخطف والتعذيب والتفاوض السري والعلني والاعتقالات وإغلاق المؤسسات، على الرغم من اتفاقات مكة والقاهرة وصنعاء كلها فشلت وأُفشلت، وهددت وتوعدت حينها أمريكا و"إسرائيل"، ومن رام الله أقسم على إفشالها كثيرٌ من القيادات؛ منهم من فتح وآخرون ممن تبقى من التنظيمات, أو تخلصت منهم تنظيماتهم، واتضح أنهم أصحاب القرار وأصحاب الإملاءات على فتح وعلى الرئيس وبيدهم كل القرارات.

 

فجأةً وبدون مقدمات اختفت شروط الرباعية والشروط التعجيزية والعصا الغليظة الأمريكية, والتدخلات "الإسرائيلية"، وأُسكتت الأصوات المُعطِّلة والمُشوشة, والقرار الأول والأخير والذي يجب أن يكون هو بيد رئيس السلطة الفلسطينية (أبو مازن), لا أحد يفسِّر ولا أحد يتكلَّم.. دعوة صريحة إلى الحوار الوطني الفلسطيني الشامل.

 

فجأةً وبدون مقدمات أطلقها رئيس السلطة الفلسطينية السيد محمود عباس في ظل أجواء صعبة ومعقَّدة تمرُّ بها القضية الفلسطينية وغزة المحاصرة واحتلال كامل للضفة الغربية والتحضير "الإسرائيلي" لهجمةٍ عسكريةٍ مكثَّفةٍ وموسعةٍ ومركَّزةٍ على قطاع غزة تستهدف الإنسان والحجر والشجر، وحماس والمقاومة وحكومة الوحدة الوطنية.

 

فماذا يا تُرى بعد هذا المخطط الصهيوأمريكي على غزة والمقاومة؟ ماذا سيكون موقف رئيس السلطة الفلسطينية؟ هل هو الاستمرار في الحوار الوطني الفلسطيني الشامل؟ أم سينتهي كل شيء؟.

 

لا نريد أن نستبق الأحداث، ولا أريد أن أحكم على الأمور إلا بعد أن نرى فجأةً وبدون مقدمات ماذا بعد الدعوة المفاجئة للحوار من قِبل رئيس السلطة الفلسطينية.

-------

* القيادي في حركة حماس