- إعادة تصوير مشاهد بحجة أنها تمس أمن الوطن

- أسامة أنور عكاشة: الداخلية تحكم مصر الآن

- خالد الصاوي: ما حدث مهزلة كبرى ضد الاحترام

- وجدي العربي: الرقابة مطلوبة لكن بعيدًا عن الداخلية

- صفاء عامر: الرقيب يحارب الصوت الحر

 

تحقيق- إسلام توفيق

لم يتوقع مؤلِّفو ومخرِجو ومنتِجو الأفلام السينمائية أن تتصدَّى لهم رقابة من نوع جديد؛ هي رقابة وزارة الداخلية؛ حيث فوجئ صنَّاع السينما بقيام جهاز الرقابة على المصنَّفات الفنية، وهو الجهة الوحيدة المعنية بمراقبة الأفلام والتصريح بها منذ خمسين عامًا، باشتراط عرض مجموعة من الأفلام الجديدة على وزارة الداخلية كشرط أساسي، وذلك قبل التصريح بعرضها جماهيريًّا، وهو ما لم يحدث أبدًا على الإطلاق من قبل!!.

 

الأفلام السينمائية الخمسة التي خضعت للرقابة من وزارة الداخلية أكد صنَّاعها أن هذه هي المرة الأولى التي تشهد السينما المصرية هذا التصرف، خاصةً أن الأفلام والمشاهد التي رفضتها وزارة الداخلية ليست إلا للتعنُّت الإداري والتدخل السياسي فقط؛ دون أن تحتوي هذه المشاهد أو الأفلام على إيحاءات أو عبارات سياسية تضرُّ بالنظام أو تخالفه، على الرغم من أن حرية التعبير والإبداع مكفولة تبعًا للقانون.

 

وهنا يأتي السؤال الذي يبحث عن إجابة: هل مثل هذه القرارات الغريبة تتم بناءً على تعليمات من وزارة الداخلية ذاتها أو أن جهاتٍ سياديةً أعلى من الداخلية هي التي تشترط هذا؟ أو أن الرقابة تفعل هذا من تلقاء نفسها؟!

 

حذف وقص

كان لفيلم "نمس بوند" نصيب الأسد في تغيير المشاهد وإعادة تصويرها؛ فبعد ما حدث مع الفنان هاني رمزي في فيلمه "ظاظا.. رئيس جمهورية"، والذي مُنِعَ بثُّه في الكثير من دور العرض، وتوقع الجميع أن ما حدث مع هذا الفيلم أمرٌ عابرٌ لن يتكرر مرةً ثانيةً؛ إلا أن صنَّاع الفيلم فوجئوا بتكراره في فيلم "نمس بوند"، والذي فوجئ صنَّاعُه قبل عرضه بيومين فقط بقيام الرقابة بإحالته إلى وزارة الداخلية لتتخذ القرار بشأنه؛ سواءٌ بالحذف أو التعديل أو حتى عدم عرض الفيلم.

 

وكان تبرير وزارة الداخلية موقفها بأن الفيلم يتعرَّض بشكل مباشر لرجال الشرطة؛ فيقدِّمهم بشكل قد ترى فيه الداخلية أنه يمثِّل إساءةً بشكل أو بآخر إلى رجالها، هذا على الرغم من تأكيد مؤلف الفيلم أنه لا يحتوي على أية تلميحات سياسية أو مشاهد تُسيء إلى أحد من قريب أو بعيد، مشيرًا إلى أن ما حدث كان بمثابة المفاجأة له ولكل المشاركين في الفيلم ومخرجه بل وللوسط السينمائي ككل.

 

وبالمثل حدث الحذف والقص وإعادة المشاهد للفيلم "البلد دي فيها حكومة"، وبنفس التبرير، وهو أن الفيلم يتضمن مشاهد تسيء إلى وزارة الداخلية ورجالها، كما تم منع استكمال فيلم "دكتور سيلكون"، والذي لم يتبقَّ من تصوير مشاهده إلا موقف واحد، والذي لا يمس وزارة الداخلية بصلة.

 

فيلم "مسجون ترانزيت" هو الآخر فوجئ صنَّاعه بإجبارهم على إعادة تصوير بعض المشاهد مرةً أخرى، والخاصة بهروب الفنان أحمد عز من أحد السجون، فضلاً عن تغيير في سيناريو وحوار مشاهد الفنان نور الشريف الذي يقوم بدور لواء متقاعد.

 

تعاظم دور الداخلية

يعلِّق الكاتب والسينارست أسامة أنور عكاشة على ذلك قائلاً: إن دور الداخلية أصبح "رقم واحد" في كل ما يتعلق بالحياة في مصر، مشيرًا إلى أن تدخل السلطة التنفيذية ووزارة الداخلية في صناعة الأفلام يعتبر حكرًا على حرية الإبداع والفن، خاصةً أن صنَّاع الأفلام يحاولون بكل ما أوتوا من قوة أن يقلِّلوا من دور الرقابة على أفلامهم من أجل إخراج أفضل ما عندهم.

 

 الصورة غير متاحة

أسامة أنور عكاشة

وأشار إلى أن أحد أدوار المصنّفات تقديم الموافقات الأمنية من وزارة الداخلية، ولم تكن أبدًا هناك جهة رقابة ثابتة تسمَّى "وزارة الداخلية"، متسائلاً عن دور المصنفات ما دامت هناك رقابة من الداخلية، مشيرًا إلى أن هذا يعتبر تمهيدًا لإلغاء هيئة الرقابة على المصنفات، وخضوع لجنة جديدة تتبع وزير الداخلية، مؤكدًا أنه في هذه الحالة سيمتنع كل رأي حر عن العمل في السينما.

 

واستنكر عكاشة ما يحدث في التليفزيون عندما يُجبَر المخرجون وصنَّاع المسلسلات على إرسال أية مشاهد يظهر فقط فيها عسكري أو شرطي إلى مكاتب الداخلية في مقر التليفزيون لأخذ الموافقات الأمنية، كما تخوَّف من أن يصبح صنَّاع السينما المصرية كالشركات الفنية الخاصة التي تسعى للحصول على رضا الداخلية من أجل استمرارها في العمل.

 

وعن تأثير مثل هذا النوع من الرقابة يتوقع اختفاء الأعمال الجادَّة تدريجيًّا، وقد تصل إلى انعدامها وإلا ستواجه قرار الداخلية "إلغاء"؛ الذي وصفه بالسهل عليها في حالة عدم تنفيذ قرارات هيئة الرقابة الجديدة.

 

احترام

 الصورة غير متاحة

خالد الصاوي

ويعتبر الممثل خالد الصاوي ظهور هيئات جديدة للرقابة على المصنفات الفنية من وسائل القمع الذي يفرضه النظام عليهم دون التحرك والاعتراض، مشيرًا إلى أنه يجب على المجتمع الفني أن يقف وقفةً حقيقيةً مع نفسه ضد أي نوع من أنواع القيود.

 

ويقول إن قبول هيئات رقابية يؤدي في النهاية إلى إقحام جديد لرقابة جديدة قد تؤثِّر مستقبلاً في السينما والفن، مشدِّدًا على أن الدولة وسلطتها مجرد أدوات تنفيذية، وظيفتها تلبية رغبات الشعوب إذا احتاج إليها وأنه لا يحق لها أن تتدخل بين الشعب والشعب.

 

طوارئ

أما الفنان وجدي العربي فأكد أن لكل حالة خصوصيتَها في الرقابة، وأنه يجب الفصل بين العمل الواجب للرقابة والتدخل الحكومي أو السياسي في الأعمال، مشيرًا إلى أنه يقر دائمًا أن يكون للرقابة دورٌ مهمٌّ في معالجة العديد من القضايا المهمة، ولكنه يرفض أن تتدخَّل أية جهة سياسية في منع كلمة الحق.

 

 الصورة غير متاحة

وجدي العربي

وينتقد في هذا الصدد تدخل هيئات الرقابة في الأعمال السياسية وتركها الأبواب مفتوحةً على مصاريعها للعري والإسفاف والابتذال، مشيرًا إلى أن مثل هذه المشاهد واللقطات تزعزع استقرار الوطن بأكمله؛ بعد أن تقوم هذه المشاهد بطمس الهوية الحقيقية للمسلم الحقيقي.

 

ويضيف أنه ليس لأحد أن يتدخل في عمل الفنان المبدع، وأن ما تقوم به السلطة التنفيذية المتمثلة في وزارة الداخلية نابعٌ من قانون الطوارئ الذي يعطي الحق لأي تجاوز، مستنكرًا ما يحدث بمصر خاصةً مع الفنانين أصحاب التوجه والفكر.

 

وروى العربي أنه تعرَّض لمثل هذه المضايقات في مسرحيته التي كانت تحمل اسم "الشفرة"، والتي أخذ موافقةً عليها من هيئة الرقابة على المصنفات، وتم رفضها والتضييق عليها وعدم عرضها لأسباب أمنية.

 

تفاهة

 الصورة غير متاحة

محمد صفاء عامر

ويتفق السينارست محمد صفاء عامر مع الآراء السابقة، في اعتبار أنَّ تدخُّل وزارة الداخلية في الدور الرقابي يُعدُّ نوعًا من التحكُّم والتضييق؛ الشيء الذي يدعو للأسف والخجل من الطريقة القمعية التي يُتعَامل بها مع الممثل المصري.

 

ووصف تدخُّل وزارة الداخلية في الجمل أو المشاهد بالأمر الجديد، مستنكرًا حجَّتها التي تدَّعيها بأن المشاهد والجمل التي تقال تضرُّ بالأمن العام، مستهزئًا بهذا الكلام، ومستنكرًا من يصدقه، ومعتبرًا أنها "هيافة" ونوع من أنواع القمع البوليسي الناتج عن قانون الطوارئ وصورة من صور التحكُّم لحجب الصوت الحر والصورة الجريئة في بلد مغيبة ومفككة تغيب عقليات شعبها.