تابعوا معي هذه القصة..

أثناء دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة، وجد الرسول امرأةً مسنَّةً غير قادرة على حمل متاعها، فإذا به صلى الله عليه وسلم يحمل متاعها عنها، حتى إذا وصلت إلى هدفها، رأت أن ترد الجميل لهذا الرجل الكريم، وكان رد الجميل عبارة عن تحذير صريح من اتباع رجل يُدعى محمدًا؛ ظهر في مكة ويقول إنه نبي؛ فيبتسم الرسول ليفاجئها بأنه هو محمد؛ الذي تنصحه بالبعد عنه؛ فما كان من المرأة التي كانت تدعو إلى عدم اتباع محمد إلا أن آمنت به.

 

القصة بسيطة ومتواترة ومعروفة، إلا أنها تحمل في طياتها قيمةً دعويةً عظيمةً، وتعدُّ قانونًا دعويًّا لا غنى للدعوة عنه في أي وقت، ومهما تكن الظروف، وهذه القاعدة هي أن الدعوة بالعمل أقوى تأثيرًا عشرات المرات من الدعوة بالكلام.

 

ففي الدعوة بالكلام يظل الناس يستمعون للداعية في خطبه وأحاديثه وحواراته، ويظلون يخزِّنون كل ما سمعوه في الذاكرة، في انتظار اللحظة التي يترقَّبون فيها ترجمة ما يجتهد في وعظه لهم ليل نهار إلى سلوك عملي حياتي؛ فإما أن يرتقي الداعية أمامهم إلى مرتبة القدوة الحسنة، ويزداد معها تأثير الداعية أضعافًا مضاعفةً، أو يسقط الداعية من نظر الجميع، ويتحول في النهاية إلى جهاز تسجيل؛ يردِّد كلماتٍ جميلةً في شكلها وقويةً في معناها، ولكنها لن تؤثر في أحد؛ لأن من يسمعها يعلم أن صاحبها غير قادر على تطبيقها، فبأي حق ينصح غيره بها.

 

لذلك فإن السلوك العملي الحياتي للداعية يعدُّ وسيلةً قويةً في إيصال دعوته لغيره بصورة واقعية عملية، لا تخطئها العين، فيقتنع الناس بالداعية وبما يقول، ويقتنعون بإمكانية تطبيق الإسلام في الحياة بصورة عملية دقيقة وواضحة، بعد أن وجدوا في داعيتهم القدرة على تخطِّي حاجز النظرية إلى التطبيق والعمل.

 

ويعد العمل المهني للداعية مجالاً خصبًا لدعوة الناس عن طريق سلوكياته في ممارسة عمله، وعليه.. فأنا لا أقصد الاجتهاد المعتاد في العمل المهني؛ من محاولة اقتطاع وقت من العمل، من أجل إقامة درس في المسجد أو وعظ الزملاء، وإن كان أمرًا مطلوبًا في حدود عدم إهمال العمل  وتضييع وقت الزملاء، إلا أن نظرية الدعوة في العمل المهني تظل متوقفةً في أذهان الكثيرين على الوعظ المباشر، حتى وإن أدى ذلك إلى الإهمال في العمل نفسه، فيهدم بنفسه أسس الدعوة إلى الله التي تدعو إلى البناء والنهضة، دون أن يدري.

 

وربما بدأت هذه الفكرة الخاطئة من أيام الدراسة الجامعية؛ حيث ظهرت آراء غريبة تعتبر أن ترك المحاضرات تضحية في سبيل الدعوة، وأن الدعوة إلى الله أهم من المذاكرة وتحصيل العلم، وأن الرسوب في عام من أجل الدعوة لهو أمر في سبيل الله!.

 

هذه الطريقة في التفكير حطَّمت أشخاصًا كانوا مؤهَّلين للتفوق في دعوتهم ودراستهم إذا ما استعانوا بشيء من الحنكة في تنظيم الأمور، وألجأتهم الظروف بمرور الوقت إلى أن يختاروا بين الدعوة والدراسة أحيانًا، ناهيك عن الألم النفسي المصاحب لهذا الاختيار الصعب.

 

وانسحب هذه التفكير عند البعض في العمل في الشركة أو المؤسسة أو المدرسة، وأصبح العمل المهني منفصلاً عن الدعوة؛ ليصبح العمل المهني مملاًّ ثقيلاً، وأصبح النشاط الدعوي في العمل المهني مرتبطًا بدعوة إلى صلاة أو مقرأة أو توزيع مطويات وكتب وأشرطة كاسيت.

 

إن العمل المهني قادر على أن يصبح منبرًا قويًّا للدعوة؛ بما يحويه من تفاصيل كثيرة ومتشعِّبة، تصبُّ بصورة مباشرة في صالح القيم التي ينادي بها الإسلام، ويريد الناس أن يروها بصورة عملية واضحة أمامهم.

 

إن العمل المهني وسيلة قوية لأن يوصِّل الداعية رسالته إلى الناس؛ عن طريق الالتزام بالمواعيد وإتقان العمل ومساعدة زملائه ونصحهم وزيادة خبرته لتطوير العمل والقدرة على حل ما يطرأ على العمل من مشكلات..

 

إن العمل المهني وسيلة قوية للداعية لأن يوصِّل قيم نصرة المظلوم وإشاعة جو الألفة بين زملائه والسؤال عن أحوالهم وإقامة روابط إنسانية معهم دون مصلحة، وإعلاء القيم الإنسانية على قيم المادة، ومعاملة الجمهور معاملةً حسنةً في البيع والشراء وخدمة الناس بقدر الاستطاعة دون انتظار مقابل.

 

وربما يكون الداعية مديرًا لمشروع تجاري أو مسئولاً في مؤسسة، فيهديه عمله المهني قيمًا أخرى؛ يتشوَّق الناس لرؤيتها بلهفة؛ مثل قيمة العدل ومراعاة ظروف الموظفين واحترامهم وعدم استعبادهم وإعطائهم حقوقهم المادية وأخذ آرائهم في العمل واحترامهم ومراعاة ظروفهم المعيشية والوقوف بجانبهم عندما تهاجمهم الحياة بنوازلها، يضاف إلى ذلك القدرة على حل مشاكل العمل وإنجاح المشروع وإبراز قيم التحدي وعدم اليأس والابتكار.

 

إن العمل المهني لا يعد بأي حال من الأحوال بعيدًا عن العمل الدعوي، بل هو في صميم العمل الدعوي؛ لأنه يُعد الترجمة العملية لكثير من قيم الإسلام التي ينادي بها الداعية، وهو أحد الاختبارات القوية للداعية نفسه أمام نفسه وأمام الناس، على مدى قدرته على تطبيق ما ينادي به؛ ليصبح إذا نجح في ذلك متشبِّهًا بخير البشر أجمعين؛ محمد صلى الله عليه وسلم، حينما وصفته السيدة عائشة رضي الله عنها بأنه كان قرآنًا يمشي على الأرض.

 

عندها.. يكون الداعية قد نجح أبلغ النجاح في دعوته، عندما يتحوَّل إلى عدل يمشي على الأرض، ورحمة تمشي على الأرض، وانضباط في المواعيد يمشي على الأرض، ووفاء بالوعد يمشي على الأرض.. إلى قيم الإسلام كلها تمشي على الأرض.

 

ساعتها.. عندما يتحدث الداعية في حلقة مسجد أو في خطبة جمعة، أو يعظ الناس في حديث عابر، ستصغى الآذان، وسينفُذُ كلامُه إلى القلوب دون استئذان، وسيجد من يتخذه قدوةً لتطبيق ما يقول في حياته العملية.

 

وقتها.. سينجح الداعية في تحويل الكلام إلى فعل حي؛ يراه الناس أمامهم دون ريب..
تعالوا نجرِّب الدعوة من فوق منبر جديد.. اسمه: العمل المهني!.

-----------

* Ahmedsalah1000@hotmail.com