ماذا يقدم صاحب رأس المال إذا توجه بالإعلام الفضائي إلى الجمهور المصري؟! أمامه عدة اختيارات؛ الأول: التركيز على أوضاع البلد ومناقشة الفساد بجدية وجرأة، (وهذا تتناوله العديد من الفضائيات الآن.. المصرية وغير المصرية)، الثاني: التوجه إلى شريحة معينة باهتماماتها الخاصة.
اختار الملياردير القبطي المصري نجيب ساويرس ألا يعزف على أوتار المناقشات "البيزنطية" حول الفساد والمفسدين، والتي ملأت الشاشات بشكل متكرر متشابه ساذج، كما أن رأس المال جبان، لا يخوض معارك الحرية والشفافية في بلد المعتقلات "المفتوحة".
نجيب ساويرس يفهم الشعب المصري جيدًا، خاض معه تجربة شركة الاتصالات "موبينيل"، والتي ربح منها الملايين، عرف أنه مغرَم بالترفيه والوجاهة، حتى لو لم يحتكم على قوت يومه؛ فصارت "موبينيل" بخدماتها وأسعارها المنخفضة الأكثر انتشارًا بين المصريين، رغم سوء حالة شبكتها داخل بعض المناطق بجمهورية مصر العربية، وأثناء الزحام والمناسبات، فأطلق عليها المصريون تنكيتًا: "شبكة أم نبيل" بدلاً من "موبينيل".
خبرة ساويرس في التعامل مع الاتصالات لم تذهب هباءً، وضعت لديه رؤيةً يقف عليها ليتواصل مع الشعب المصري مرئيًّا، عبر فضائية (O TV) التي أخذ حرفها الأول من شركة "أوراسكوم"، التي يترأس مجلس إدارتها، وقد وفَّر على نفسه أموال الإعلانات في الفضائيات الأخرى عن "موبينيل"، وصارت معظم إعلانات "موبينيل" على الفضائيات تبث من قناة (O TV).
ساويرس قرر أن يدخل عالم الفضائيات ولا يتأخر.. الجميع الآن لهم نصيب من الكعكة، ولكنه قرر أنه يقدم قناةً متميزةً، تتوجه لشباب الطبقة الغنية؛ تتحدث بلغتهم، تتناول اهتماماتهم، حتى إنه اشترط في المتقدمين لاختبارات المذيعين في القناة أن يكونوا "أولاد ناس"؛ حتى يكونوا في مستوى الجمهور الذي يخاطبونه، والذي يشترك مع جمهور مجلتي "كلمتنا" وteenstuff في الخصائص الاجتماعية ولكن جمهور (O TV) أكبر في الشريحة العمرية.
اعتمد ساويرس في "سبك" القناة بـ"نكهة" خاصة، بدايةً من الاستعانة بمطاريد برنامج "البيت بيتك" في التليفزيون المصري، وهم: المذيعة ياسمين عبد الله، والمخرج محمد شعبان، ومديرة الإنتاج مي قنديل، والمشرف على الإنتاج محمد بكير، وولَّى ساويرس إدارة دفة البرامج في القناة لياسمين عبد الله، وأوكل لها التحدي، وكانت هي جاهزة لاستثمار مثل هذا التحدي بعد الخروج من "البيت بيتك"، جلست مع ساويرس، والذي أوضح لها الخطوط العامة التي سينفق عليها الأموال، وأكد الخطوط الحمراء التي تجلب المشاكل ووجع القلب، وهي فتح ملفَّي "الدين والسياسة".
رغم إصرار ساويرس على التصريح بأنه لن يفتح في نافذته الإعلامية هذين الملفين، إلا أن بعض المسلمين تربَّصوا لمسيحيته، وبعض الأقباط افتخروا بـ"المال القبطي".
لاحقت من قبل الإشاعات ساويرس كثيرًا، روَّج البعض لحملة مقاطعة لشركة "موبينيل" وكل مشتقات ساويرس، واختلقوا معلومة أنه يسعى للاستثمار في الكيان الصهيوني، نفى الرجل هذا الكلام، ورد بعقلانية بعيدًا عن الشعارات الوطنية، وقال إن "إسرائيل" أصلاً لن تثِق في جنس العرب.
ذهبت الإشاعة أدراج الرياح ولكن ما تبقَّى منها هو الاستفهام: لماذا خرجت الإشاعة؟ وهل هناك تحفُّز وتوجُّس لدى بعض المسلمين تجاه الرأس المال القبطي؟ خاصةً أنه لا يبالي بأهمية مراعاة السياق المجتمعي الذي يتوجه إليه؛ فرغم أنه أكد الحيادية في مساحتي الدين والسياسة؛ إلا أنه على سبيل المثال قدم مسلسل "24" الأمريكي الذي يدين المسلمين بالعمليات الإرهابية، ويعيد ويزيد في إعادة عرض هذا الجزء من المسلسل، رغم أن أجزاءه كثيرة، وكان من الممكن أن يختار الأجزاء التي لا تعادي المسلمين.
على الجانب الآخر، يهلِّل بعض الأقباط لجهود ساويرس، ويرى في قناته متنفسًا فضائيًّا، بدلاً من القنوات الدينية الإسلامية التي صارت ملء السمع والبصر.. يقول أحد مرتادي موقع copts القبطي المتعصب: "دائمًا ما تؤكد رؤوس الأموال القبطية أنها قادرةٌ على العمل الجادِّ والناجح والوطني، بعد أن خذل المصريون أموال المصريين غير الأقباط، وتم بيع قنواتهم للسعودية ليُلغى التوقيت المصري ويوضَع فوقه التوقيت السعودي، وأصبحت رؤوس الأموال الوهابية تلغي أغنيات وتتحكَّم في الأفلام وتقطيعها وعرض أفلام إسلامية وأغانٍ إسلامية".. فهل أسهمت حيادية ساويرس تجاه القضايا الوطنية في تعصُّب بعض المسلمين تجاه مشاريعه الرأسمالية؟!
"الخلطة" التي اختارها ساويرس ليقدمها في وجبته الفضائية هي الترفيه البحت لشباب الطبقة المرفهة؛ مع إضفاء النكهة المصرية الاجتماعية على القناة، وهذا يتضح من اللغة العامية المستخدَمة في كافة البرامج والإعلانات، مرورًا بنشرات الأخبار التي تجد فيها تحايلاً كبيرًا لقراءتها بالعامية، وختامًا بلغة البرامج المباشرة اليومية "صباحك سكر زيادة".. "مساءك سكر زيادة".
وقد حاولت أكثر من ربع ساعة أقرأ اسم برنامج "أعدة ستات" حتى رحمتني المذيعة وقالت "قعدة ستات"، وهذا يبشِّر بالمزيد من الانهيار اللغوي على أيدي صنَّاع القناة.. الفكرة لطيفة هو أن تكون لغة القناة بلهجة المصريين، ولكن المبالغة أخرجت هذه الدلالة عن إطارها المنطقي.. "أووه ع البحر" برنامج ترفيهي شبابي؛ يقدَّم في الصيف عن "العلاقات الغرامية" لدى الشباب، والذين يتحدثون بأريحيتهم في الملابس والحديث، دون أي حدود أو قيود.
ويغلب على الترفيه الثقافة الأمريكية؛ فلنقل إن ما يقرب من 75% من ساعات البث من مواد أجنبية مترجمة، سواءٌ كانت أفلامًا أو برامج للرحلات والعلاقات بين الشباب، والغالب من هذه النسبة برامج قديمة جدًّا ومستهلكة، وربما أعطاها أحد أصدقاء ساويرس، وهو يحمل الجنسية الأمريكية، هديةً حتى تجري المياه في القناة، وتُرزق بالإعلانات، ولا تتسوَّل المواد المستهلكة.
![]() |
|
شعار الحملة ضد ساويرس على الإنترنت |
وكانت هناك حملة أخرى لجمع مليون توقيع لغلق القناة؛ بعنوان: "إذا كنت غيورًا على أهلك وعِرضك"، وخاطب البعض ساويرس: "إذا لم تستحِ يا ساويرس فافعل ما شئت"، وكان التساؤل الدائم على ألسنة الشباب: كيف يسمح مسئولو "النيل سات" بالبث غير المباشر للأفلام الإباحية؟
وكان الرد الرسمي لمديري القناة على الضجَّة التي صاحبت هذه النوعية من الأفلام: نحن نخاطب الشباب، وهو يستطيع التعامل مع هذه الأفلام، وطبعًا استخدموا اللاءات: "لا للرقابة على الإبداع"..
بعض الشباب والمثقفين العلمانيين يتبنَّون سياسة القناة، وتُعجبهم جرأتها، كما توفر على بعضهم نقل الأفلام "الإبداعية" من "هاردات" الأصدقاء والأحباء.
الشاب "أشرف حمدي" أحد المدوِّنين المعجبين بالسياسة الجريئة للقناة؛ وضع شعارها على مدونته فقوبل بالنقد، دافع عن موقفه، موضحًا: "من الناحية الأخلاقية فهذه المحطة ليست أرضية، ولا يمكنك استقبالها بمجرد تلفاز 4 بوصة وسلك "مدلدل" من الشباك؛ كي تشاهد هذه القناة فعليك بشراء "ريسيفر" وطبق، ثم تقوم بإدخال الترددات الجديدة الخاصة بالقناة وتجلس لتنتظر فيلم العاشرة مساء!!.
حينما تفعل كل هذا المجهود وتدفع كل هذا المال لتشاهد فيلم "الفطيرة الأمريكية" كاملاً لتحسب كم لقطة ظهرت فيها فتاة عارية، موضحًا نوع العري ومقداره وموقعه بدقه بالغة، فضلاً عن متابعتك لقصة الفيلم بالكامل لتستنبط مدى انحطاطها فكريًّا وأخلاقيًّا، ثم تصبح في اليوم التالي لتملأ الدنيا صراخًا: "أوقفوا هذه المهزلة"؛ فأنت بالفعل تمثِّل حالة "التناقض المصري" مجسَّدًا بأروع صوره.
ويتابع: "من حقك أن تقاطع القناة وتمحوها محوًا من قائمة مفضلتك، وتنسفها نسفًا من جهاز الاستقبال، كما من حقي أنا مشاهدة أفلام لم تمر بمقص الرقيب "الغبي"؛ الذي يحوِّل الفيلم إلى أشلاء ممزقة لا تعرف لها رأسًا من "قفا"، ودون أن أُضطر إلى دفع اشتراك قناة مشفَّرة بمبلغ وقدره أو تحميل الأفلام من الإنترنت من خلال اشتراك باهظ التكلفة أيضًا".
لا ننسى أن الجرأة الجنسية ليست الوحيدة السبب في جذب المشاهدين؛ فأفكار البرامج في معظمها متميزة، واللعب بالوجوه الشابة، وهو سمت الإعلام الناجح وخاصةً في الدراما، حبَّب في المشاهدة، خاصةً أن الشباب رغم ضعف خبراتهم يتصرفون على سجيَّتهم، وتجدهم يبتكرون في تقديمهم؛ كأن تأكل المذيعة من طبق اليوم، أو تلعب المذيعة الألعاب الرياضية مع المدرِّب في الفقرة الرياضية، وهكذا.
وأحيانًا يتمادى المذيعون في هذه الروح الشبابية؛ فتظن بعض المذيعات أنها في النادي أو في بيت أهلها، وتغازل المذيع وتتدلَّل عليه، وتقترب منه وكأنها ستنام على كتفه.
ومن أبرز حسنات القناة أنها تعرض الأفلام القصيرة للموهوبين، ويفرح منتجو هذه الأفلام بالعروض، وينشرون على الإنترنت مواعيد البث، كما تميَّزت القناة بحفر الصورة الذهنية وشعار القناة؛ من خلال الاستفسار الأشهر عن معنى الدائرة "O" وكانت الإجابات متباينة ومتبوعة برسوم كاريكاتورية جميلة، وقدم ساويرس عرضًا ذكيًّا للمعلنين للإعلان لمدة شهر مجانًا، والجميع استكملوا المسيرة الإعلانية من بعد.
"أشم رائحة المال في الإعلام".. قالها ساويرس عن دوافعه في خوض تجربة الإنتاج الفضائي.. ولكن، هل الربح ينفي المسئولية الاجتماعية لرأس المال؟ وهل يتجاهل ساويرس اتهامات أبناء بلدته من المسلمين؛ بأن قناته تعبِّر عن مؤامرة "أهل الكتاب" على الشباب؟ وهل صدَّق ساويرس القول والفعل عندما قال إنه "مسلم وطنًا وطبعًا ومسيحي دينًا؟ وهل يقبل الأقباط أن تموِّل أموالهم الفساد الأخلاقي؟!
--------
* صحفية وباحثة إعلامية.
