لم يمثِّل التاريخ الفلسطيني إشكاليةً في التعبير الأدبي أو الفني؛ فمن عمق التاريخ الفلسطيني أعادت العديد من الأعمال الفنية سيرة صلاح الدين الأيوبي، كرائعة يوسف شاهين في الستينيات، والمسلسل السوري الضخم.
وأعادت أعمال أخرى تلفزيونية- معظمها من الإنتاج السوري- أحداث النكبة، كمسلسل التغريبة الفلسطينية، ورائعة غسان كنفاني "المتبقي"، و"عائد إلى حيفا"، وغيرها من الأعمال العبقرية التي رصدت تاريخ الجرح العربي بلا عناء ولا جدال سياسي.
ولكن عندما حان الوقت لرصد الحاضر الفلسطيني وقعت الدراما في "حيص بيص الانقسام السياسي"؛ فالحاضر الفلسطيني حاضران؛ أحدهما حمساوي، والآخر فتحاوي.
وبغض النظر عن رأي البعض في قبول أو رفض المواقف السياسية، فحركتا حماس وفتح "عرفات" هما حركتان لهما وزنهما وجمهورهما لدى الشارع العربي؛ ولذا وجب إرضاؤهما بالتساوي، فكان التنوع السياسي الذي فجَّر التنوع الإبداعي الراقي ليستفيد المشاهد العربي في متعةٍ لا تُنسى في زخم الغث والسمين من الأعمال الدرامية، وهكذا تحوَّلت مصائب قوم من انقسام سياسي إلى فوائد الإمتاع الفني عند قومٍ آخرين!
ونشير إلى عملَين دراميَّين بالتحديد في هذا السياق: العمل الأول من حيث الترتيب الزمني للإنتاج هو مسلسل "يحيى عياش"، والثاني كان "الاجتياح".
مسلسل "يحيى عياش" لم يجد غير قناة عربية واحدة تعرضه هي فضائية (المنار) اللبنانية، ويبدو أن هذا هو قَدَر الشهيد مع أنظمة العرب وإعلامها!، ولكن شعبية هذه الفضائية عند جمهور المسلسل المستهدف قد ضَمِنَ له مشاهدة عالية واستحسانًا كبيرًا.
لقد رصد هذا المسلسل الحمساوي بامتياز حياة الشهيد العظيم "يحيى المهندس" منذ طفولته واختراعه آلية العمليات الاستشهادية.
والأهم من شخص البطل في هذا المسلسل هو وضع المشاهد في أجواء غزة بمدينتها ومخيماتها ومعاناة ناسها في حياتهم اليومية، وهو ما لا تستطيع الأخبار المعنية بالأحداث الساخنة أن تقدِّمه، وكانت الخلفية من مساجد وصور الأبطال والرموز النضالية- الحمساوية بالطبع- وروح المعلم الأكبر أحمد ياسين تحوم حول العمل تلميحًا تارةً وتصريحًا تارة أخرى.
انتقل المسلسل في رشاقة وإيقاع سريع بين الخاص من حياة الشهيد (الذي جسَّد شخصيتَه بحساسية شديدة الفنانُ المحبوب سامر المصري)، وعلاقته بالأسرة وزواجه من أم البراء، وبين العام في تأريخ مختصر مفيد لنشوء حركة حماس ونموها.
كنا نحبس الأنفاس عند المطاردات والمداهمات والعمليات الاستشهادية الواحدة تلو الأخرى في عفولة وتل أبيب ورامات أفعال وغيرها؛ فلا يهدأ للمشاهد بالٌ حتى يرى العملية وقد تمت وتساقطت خسائر العدو!
لم نكن ندري كم هي شاقة حياة المجاهدين والاستشهاديين مهما شطح بنا الخيال حتى نقلها لنا المسلسل بالصورة النابضة، واختلط الواقع بالخيال في براعة فنية فريدة؛ فعندما دقَّ جرس الهاتف لم يتمالك أحدٌ نفسه من أن يصرخ محذِّرًا يحيى من الرد على المكالمة، وكلنا يعلم أن في هذه المكالمة تكمن النهاية، وغطينا الوجوه عد سماع انفتاح الخط يليه دوي الانفجار، بكيناه كما لو كان لتوه قد مات!
ومن حماس غزة إلى فتح الضفة الغربية؛ حيث تقع أحداث مسلسل "الاجتياح" في استعراضٍ رائعٍ لتجربة نضالية فريدة محسوبة على فصائل منظمة التحرير من رجال الرئيس عرفات، والمكان هنا هو جنين المدينة والمخيم، والزمان هو اجتياح 2002م.
وكما نجح مسلسل عياش في وضع المشاهد في صورة الحياة اليومية العادية من بساطة- بل شظف- عيش وجوٍّ متدينٍ محافظ في غزة الواقعة تحت السلطة المعنوية (قبل أن تصبح رسمية أخيرًا) لحركة حماس، نجح مسلسل "الاجتياح" في نقل أجواء مدينة جنين الواقعة في زمام السلطة الفلسطينية بكل ما فيها من رقي وبحبوحة عيش إلى حد الثراء عند بعض العائلات، ولم يَنْسَ أن ينوِّه بالتميز الثقافي والعلمي لأهل هذه المدينة العريقة إلى جانب بعض مظاهر التحرر في التقاليد، (والتي كانت مبالغةً في المسلسل إلى حدٍّ قد لا يرضي أهل الضفة).
ومع ذلك فلم تنجح هذه البحبوحة من إنقاذ أهل الضفة من الحذر المشوب بالتوتر الذي هو وقع حياتهم اليومية؛ ففي النهاية كلتا المدينتين مهما تباينت ملامحهما فهما في الهم فلسطين!
برع الإخراج في نقل أجواء التوتر والرعب إلى حدٍّ اختلط فيه الواقع بالخيال أيضًا في مشاهد الهرج والمرج عند حدوث الاجتياحات الواحد تلو الآخر، ومشهد أبواب المستشفيات وهي تنفتح بقوة ليمرَّ منها الجرحى محمولين على الأسرِّة النقَّالة، بينما الأطباء والتمريض يحاصرونهم بأجهزة التنفس وهم يهرولون في الطرقات، فما كنا ندري من فرط دقة المشهد أجزءٌ من العمل الفني هذا أم نقل حي من الفضائيات الإخبارية!
أجواء المسلسل كانت فتحاوية بامتياز؛ من صور الرئيس الشهيد عرفات- رحمه الله- إلى الشعارات ذات الطابع القومي.
ولعل أخطر ما في المسلسل هو رصده إرهاصات الخيانة والانقلاب على الرئيس عرفات المحاصر في مقرِّه من بعض النفوس الضعيفة من أفراد الأجهزة الأمنية الفلسطينية، وثبات الباقين ممن ثبتوا على الولاء لرئيسهم المحاصر؛ يقودهم في ذلك "أبو جندل" الذي أدَّى دورَه بتمكُّنٍ فريدٍ الفنانُ القدير عباس النوري، وهي الشخصية التي ذكَّرتنا- وإن كنا ما نسيناهم- بقيادات المنظمة العظماء الذين ما ساوموا وما فرطوا وما ألقوا سلاحهم حتى الرمق الأخير.
كان مأزق هؤلاء الشرفاء هو قيامهم بحرب مزدوجة: واحدة في اتجاه الصهاينة في مخيم جنين، والثانية- وهي الأكثر وجعًا- في اتجاه طلائع الخيانة من داخل صفوف الأمن الفلسطيني والمنظمة ككل، فعشنا معهم لحظات المرارة التي كادت تصل بالمجاهدين إلى حدِّ اليأس والبكاء.
ارتجف المشاهد مع تلاحق وتناوب مشاهد الحصارات الثلاث: حصار مقر الرئيس عرفات، وحصار كنيسة المهد، وحصار جنين، وانساب الدمع مع صورة الرئيس الفلسطيني وهو ينطق بجملته الشهيرة: "يريدونني قتيلاً أو أسيرًا، ولكني شهيدًا شهيدًا شهيدًا" فكأنما كنا نسمعها لأول مرة.
قد يؤخذ على مسلسل عياش عدم دقته في نقل بعض الوقائع، كاتهام خال الشهيد ظلمًا بأنه وراء الاغتيال، وقد يؤخذ على مسلسل الاجتياح المطُّ المبالغ فيه في أحداثٍ مطلوبٌ فيها سرعة الإيقاع، وقد يؤخذ عليه أيضًا عند تصويره الخصوصية الثقافية لأهل الضفة ومجاهديها هذه المبالغة في تصوير تحرُّرهم الأخلاقي بشكلٍ لا أظنهم يرضون عنه؛ فأي مجاهد هذا الذي يقع في حب امرأة صهيونية ويذهب للبيات معها أيامًا في بيتها بحيفا بمباركة قائده؟! ولماذا يدخِّن كل الرجال والنساء حتى أهل المخيم الفقراء بهذه الشراهة؟! حتى إن التدخين يصبح مزية يعلِّمها القواد (كأبي جندل) لمن لا يدخِّن من شباب المقاومة بإصرار!
في تحيتي لهذين العملين أقول: تحيةً للدراما الجادة التي تربط الناس بواقعهم وليست الدراما الأفيونية التي تغيِّبهم عن هذا الواقع، ونتمنى على الله رأب التنافس على الصعيد السياسي مع استمراره على الصعيد الفني.
-------
* مدرسة الأدب والنقد الإنجليزي بكلية الآداب.